حديث الساعةمجتمع
أخر الأخبار

حوار خاص مع أنور الرشيد: لا إصلاح حقيقياً دون احترام حقوق الإنسان وكسر قيود الماضي

أنور الرشيد: إن هذا القرار الملكي السامي بكسر «التابو» السياسي الذي طالما قيّد مسارات التحديث في منطقتنا، يمثل خطوة تاريخية غير مسبوقة تُحسب لجلالة الملك محمد السادس

في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي يشهدها الشرق الأوسط والخليج العربي، تتجدد الأسئلة المرتبطة بمستقبل الحريات العامة، واستقلالية المجتمع المدني، وحقوق الإنسان، ومكانة المواطنة في بناء الدولة الحديثة.

كما تظل قضايا حرية التعبير، وحقوق المرأة، ومناهضة الطائفية والتمييز، من أبرز الملفات التي تختبر قدرة الأنظمة السياسية والمجتمعات على الانتقال نحو نموذج أكثر انفتاحاً وعدالة.

وفي هذا السياق، يستضيف عمود «حديث الساعة» ضمن أنباء إكسبريس الكاتب والناشط الحقوقي والسياسي الكويتي أنور الرشيد، رئيس المنتدى الخليجي لمؤسسات المجتمع المدني، وأحد الأصوات المعروفة في الدفاع عن الحريات وترسيخ قيم الدولة المدنية والمواطنة المتساوية في منطقة الخليج.

ويأتي هذا الحوار لفتح نقاش معمق حول واقع الحقوق والحريات في الشرق الأوسط، والتحديات التي تواجه المدافعين عن حقوق الإنسان، وحدود الإصلاح السياسي، فضلاً عن مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، ودور النخب الفكرية والإعلامية في مواجهة خطاب الكراهية والانقسامات الطائفية.

كما يتوقف الحوار عند مقال أنور الرشيد الأخير المعنون «ملك المغرب.. يكسر الـ Taboo الذي أرّق تاريخ المنطقة»، الذي تناول فيه التعيين الملكي لامرأة بالمغرب، وحظي بتفاعل لافت، بما يطرحه من أسئلة حول دلالات تمكين المرأة من مواقع القرار، وحدود التحول في العقليات السياسية والاجتماعية بالمنطقة.

ومن خلال هذه المحاور، يسعى الحوار إلى استجلاء رؤية الضيف لمستقبل الإصلاح الحقوقي والسياسي، ومدى قدرة المجتمعات العربية على تجاوز القيود التقليدية وبناء دولة تقوم على المواطنة والكرامة الإنسانية والمساواة أمام القانون.

نص الحوار: 

1. كيف تقيّمون واقع حقوق الإنسان والحريات في الشرق الأوسط في ظل التحولات السياسية والنزاعات الراهنة؟

بدايةً، أتقدم إليكم بجزيل الشكر وعظيم الامتنان على هذه الاستضافة التي أتشرف من خلالها بالإطلالة على قرّائكم الكرام في المملكة المغربية الشقيقة، من خلال جريدتكم المحترمة أنباء إكسبريس.

أما فيما يتعلق بتقييم حالة حقوق الإنسان في الشرق الأوسط، فإنني أقولها بحسرة وأسف شديدين، إذ تتذيل شعوب المنطقة مؤشرات التمتع بالحقوق والحريات الأساسية، وهذا أمر لا يخفى على أحد، ومن أراد تبيّن هذه الحقيقة فليس عليه سوى الرجوع إلى التقارير الدولية المعتمدة بهذا الشأن.

وللأسف، يلجأ البعض إلى التشكيك في مصداقية هذه التقارير واتهامها بالانحياز، وهو ما يُعد هروباً مستمراً من الواقع والحقيقة.

وقد جاءت التحولات السياسية والنزاعات الراهنة لتزيد المشهد تعقيداً وتفاقماً، وعليه، فإن الخطوة الأولى والجوهرية للحد من تلك الانتهاكات هي الاعتراف بوجودها، وهي بداية الألف ميل نحو تكريس احترام حقوق الإنسان.

2. ما أبرز التحديات التي تواجه حرية التعبير وبناء الدولة المدنية في منطقة الخليج؟

تتمثل أبرز التحديات التي تواجه حرية التعبير في القوانين المقيّدة لها، والتي تُسنّ أحياناً تحت ذريعة الحفاظ على الأمن والاستقرار المجتمعي، ومنع الانزلاق نحو الفوضى.

ورغم أن حرية التعبير المسؤولة تُعد من أهم الضمانات الفعلية لاستقرار المجتمعات وتماسكها، ولنا في تجارب الدول الديمقراطية خير مثال، إلا أنه لا بد من التأكيد على قاعدة أساسية مفادها: “أنه لا توجد حرية مطلقة بلا ضوابط”.

فعلى سبيل المثال، لا يحق لأي شخص دخول مكان مكتظ بالناس وإطلاق إنذار كاذب بوجود قنبلة ستنفجر، ثم يدّعي لاحقاً ممارسته لحقه في حرية التعبير، فحتى في أعرق الديمقراطيات، توجد تشريعات تحاسب على نشر المعلومات المضللة والكاذبة تحت غطاء التعبير عن الرأي، ومع ذلك، تظل حرية التعبير قيمة أساسية ينبغي حمايتها لا تقييدها، مهما بلغت قسوة التشريعات.

3. لماذا لا تزال قضية «البدون» في الكويت عالقة، وما الحل الذي ترونه لإنهائها؟

تُعد قضية «البدون» في الأساس قضية إنسانية بامتياز طال أمدها، وبصفتي حقوقياً، طالبت مراراً بضرورة إيجاد تسوية جذرية لهذه الأزمة الإنسانية، إلا أنها لا تزال تراوح مكانها دون حلول ناجزة.

ويتمثل الحل العملي والمنصف إما في منحهم حق المواطنة لمن تنطبق عليهم الشروط، أو توفير خيارات قانونية وإنسانية واضحة تضمن لهم الاستقرار.

وكما حذرتُ قبل أكثر من عقدين، فإن استمرار هذا الملف يجعله بمثابة «قنبلة موقوتة» لا يمكن التنبؤ بموعد انفجارها، وآمل أن تُحل هذه المسألة الحقوقية في أسرع وقت، خصوصاً أن المنطقة تعصف بها رياح تحولات جيوسياسية عميقة قد تجعل تداعيات أي انفجار محتمل كارثية على الجميع.

4. كيف تقيّمون دور المجتمع الدولي في حماية حقوق الإنسان، خصوصاً في فلسطين والسودان واليمن؟

بصفتي مستشار حقوق إنسان في منظمات تتمتع بالصفة الاستشارية لدى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، فقد لمستُ عن قرب الدور البارز والمهم للمجتمع الدولي في رصد وتوثيق وحماية حقوق الإنسان، ليس فقط في فلسطين والسودان واليمن، بل في عموم منطقة الشرق الأوسط والعالم.

ففي السابق، كانت الانتهاكات تُرتكب وتُطوى في دهاليز النسيان لتصبح مجرد ذكرى تتناقلها الأجيال، فعلى سبيل المثال، لم يُقدَّم مرتكبو مجزرة دير ياسين للعدالة.

أما اليوم، فتخضع الانتهاكات للتوثيق الرصين، ويُحال مرتكبوها إلى آليات العدالة الدولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية. ومن أبرز الشواهد التاريخية على ذلك محاكمة شخصيات بارزة:

توماس لوبانغا دييلو (من الكونغو).

راتكو ملاديتش ورادوفان كاراديتش، اللذان أُدينا بجرائم إبادة جماعية وصدرت بحقهما أحكام بالسجن مدى الحياة.

سلوبودان برالياك، الذي توفي منتحراً بالسم أثناء محاكمته في لاهاي عام 2017.

إضافة إلى مذكرات التوقيف والاتهامات الموجهة لكل من عمر البشير، وفلاديمير بوتين، وبنيامين نتنياهو، بغض النظر عن تحديات المثول الحضوري.

هذه السوابق القضائية تشكل رادعاً معنوياً وقانونياً تاريخياً. فرغم أن الآليات الدولية لا تجادل في قدرتها على إنهاء الانتهاكات كلياً، فإنها تسهم بشكل حاسم في تقليصها، إذ يدرك مرتكبوها اليوم أن هناك عيوناً ترصد وتوثق، ومساءلة دولية لا تسقط بالتقادم.

5. في مقالكم «ملك المغرب.. يكسر الـ Taboo الذي أرّق تاريخ المنطقة»، ما دلالات التعيين الملكي لامرأة في المغرب؟

عندما تلقيت نبأ تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة في المملكة المغربية الشقيقة، تملّكني شعور عميق بالأمل نحو المستقبل، وقد تحررنا من قيد من قيود الماضي التي لم تُخلّف سوى الدمار وسفك الدماء طيلة قرون في منطقة طالما عانت من تكرار التجارب الفاشلة دون محاولة تغيير معادلتها.

إن هذا القرار الملكي السامي بكسر «التابو» السياسي الذي طالما قيّد مسارات التحديث في منطقتنا، يمثل خطوة تاريخية غير مسبوقة تُحسب لجلالة الملك محمد السادس.

لقد أثبت جلالته، برؤيته، استباق العصر وتجاوز إرهاصات الماضي، تماماً كما فعل مسبقاً بكسر تابو احتكار السلطة عبر تبني المغرب لنظام الأغلبية البرلمانية، وتكريس الخيار الديمقراطي قبل دول عديدة في المنطقة.

وتأتي هذه القفزة التحديثية لتؤكد أن شعوب الأرض تتسابق نحو المستقبل، ليبقى هذا الإنجاز التاريخي مسجلاً بمداد من نور باسم الملك محمد السادس، الذي استحق هذا التقدير بامتياز.

6. حظي مقالكم بتفاعل جيد، هل يعكس ذلك تحولاً في نظرة المجتمعات العربية إلى تولي المرأة مواقع القرار؟

أتمنى ذلك حقاً، فمجتمعاتنا العربية بحاجة ماسة إلى شيوع روح الإيجابية والأمل بعد قرون من الانكفاء على السلبية.

وكما أسلفت، فإن المبادرة التاريخية التي قادها جلالة الملك في كسر التوابيت التقليدية تفتح الباب واسعاً أمام مسارات التحديث،

وإن التفاعل الواسع للقرّاء مع ما طرحته يعكس دلالة قاطعة على أن الشعوب العربية باتت متعطشة لسماع أخبار إيجابية ونماذج رائدة تكرّس قيم الكفاءة وتكافؤ الفرص.

7. كيف تقارنون مشاركة المرأة سياسياً في المغرب ودول الخليج، وما أبرز العوائق أمام تعزيز حضورها؟

تحظى المرأة المغربية بحضور سياسي ومؤسساتي عريق ومتجذر، ومن أبرز نماذجه الساطعة:

فاطمة الزهراء المنصوري (رئيسة الحكومة ومنسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة).

نبيلة الرميلي (عمدة الدار البيضاء الكبرى والقيادية في حزب التجمع الوطني للأحرار).

مريم بنصالح شقرون (أبرز وجوه الاقتصاد والأعمال وأول امرأة ترأس الاتحاد العام لمقاولات المغرب).

أمينة بنخضراء (الوزيرة السابقة والقيادية السياسية البارزة).

أما على الصعيد الخليجي، فقد خطت المرأة خطوات مشهودة ومتقدمة للغاية، وأثبتت جدارتها كطبيبة، وقاضية، ووزيرة، ومعلمة، وبرلمانية.

ونذكر، على سبيل المثال لا الحصر: النائبة طيبة المعولي (سلطنة عُمان)، والدكتورة هند بنت خثيلة (مجلس الشورى السعودي)، والدكتورة معصومة المبارك (النائبة والوزيرة السابقة في الكويت)، إلى جانب نماذج مشرفة عديدة.

إن ما حققته المرأة في منطقتنا خلال العقود الأخيرة يبعث على الفخر والاعتزاز ويستحق أسمى عبارات التقدير.

8. ما الأولويات الضرورية لإصلاح المنظومة الحقوقية عربياً، وما رسالتكم إلى الشباب المطالب بالحرية والعدالة؟

تتمثل الأولوية القصوى لإصلاح المنظومة الحقوقية عربياً في إدراك الأنظمة السياسية أن العمل الحقوقي لا يمثل خصومة مع الدولة، بل هو دعامة أساسية لحمايتها وتعزيز مكانتها الدولية.

فعلى سبيل المثال، حين أسستُ عام 2000 أول منظمة لمراقبة الانتخابات، «لجنة نزاهة الانتخابات»، وطالبتُ بوجود مراقبين دوليين، قوبل الطرح برفض بدعوى «السيادة».

وقد أثبت التطور اللاحق أن الانفتاح على الرقابة الدولية يعزز مصداقية الانتخابات ويكسب الدول احتراماً دولياً متزايداً.

أما رسالتي إلى الشباب المطالب بالحرية والعدالة، فهي:

الوعي والحيطة: الحذر التام من أي أجندات خارجية تسعى لاستغلال التحولات الداخلية لتحقيق مصالح ضيقة.

السلمية: التمسك المطلق بالطرق السلمية والمشروعة في الاحتجاج والتعبير، والابتعاد عن أي ممارسات عنف قد تسلب قضاياهم العادلة مشروعيتها.

إدارة التغيير بذكاء: إدراك أن قوى الشد العكسي والمستفيدين من الوضع الراهن سيقاومون أي تغيير، ولذلك فإن الوعي بالديناميكيات الاجتماعية والسياسية يظل الضمانة الأهم لتفادي الصدامات وتحقيق التطلعات بحرية وعدالة وسلمية.

https://anbaaexpress.ma/rssok

عثمان بنطالب

ناشط حقوقي دولي مدير عام أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى