أفريقياحديث الساعة
أخر الأخبار

المغرب يعيد رسم خريطة القوة البحرية.. الملك محمد السادس يقود الهيمنة المينائية إقليمياً

من طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط، وصولاً إلى الواجهة الأطلسية، يرسّخ المغرب موقعه قوةً لوجستية وصناعية وطاقية صاعدة، في تحول استراتيجي يفرض معادلات جديدة على ضفتي المتوسط، حيث أصبحت الجزائر وإسبانيا أمام معادلة إقليمية متغيرة

لم يعد الرهان المغربي على الموانئ مجرد خيار لتطوير البنية التحتية، بل تحوّل إلى مشروع استراتيجي لإعادة تموقع المملكة داخل خريطة التجارة العالمية، مستنداً إلى رؤية ملكية تربط الموقع الجغرافي بالنفوذ الاقتصادي، وتجعل من الواجهتين المتوسطية والأطلسية بوابتين لتعزيز تنافسية البلاد.

وجاءت جلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس، أمس الأربعاء، بالقصر الملكي بالرباط، لتؤكد أن المغرب يمضي في تنفيذ هذه الرؤية بخطوات متسارعة، من خلال قرب دخول المحطة الأولى للناظور غرب المتوسط حيز الاستغلال، وإطلاق مشروع طنجة المتوسط 3، في تطور يعزز مكانة المملكة ضمن المراكز البحرية واللوجستية الكبرى.

54 مليار درهم للناظور.. و8 مليارات لطنجة المتوسط 3

تكشف الأرقام الواردة في بلاغ الديوان الملكي حجم الرهان، فقد استقطب مشروع الناظور غرب المتوسط استثمارات عمومية وخاصة بلغت 54 مليار درهم، ليشكّل قطباً متكاملاً يجمع بين الموانئ والصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة.

وسيتيح المشروع، بعد استكمال محطتي الحاويات، طاقة استيعابية إجمالية تبلغ 5.3 ملايين حاوية سنوياً، إلى جانب بنية طاقية تشمل محطة للمحروقات ومنشآت لتخزينها، ومحطة للغاز الطبيعي المسال قادرة على معالجة ما يصل إلى خمسة مليارات متر مكعب سنوياً.

وفي المقابل، سيضيف ميناء طنجة المتوسط 3 طاقة استيعابية جديدة تصل إلى 4.5 ملايين حاوية سنوياً، باستثمار يناهز ثمانية مليارات درهم.

ومع استكمال مشاريع التوسعة، يُرتقب أن تصل الطاقة الاستيعابية الإجمالية لمركب طنجة المتوسط إلى 20 مليون حاوية، بما يفتح أمامه الطريق نحو الانضمام إلى قائمة الموانئ العشرة الأولى عالمياً من حيث الطاقة الاستيعابية.

ولا تعكس هذه الأرقام توسعاً في الأرصفة والمحطات فحسب، بل تكشف عن توجه لبناء منظومة اقتصادية متكاملة، قوامها جذب الاستثمارات، وربط الموانئ بالمناطق الصناعية، وتعزيز قدرة المغرب على استقطاب التدفقات التجارية والصناعية والطاقية.

الجزائر وإسبانيا أمام معادلة إقليمية متغيرة

في حوض المتوسط، حيث تتنافس الموانئ على استقطاب الخطوط البحرية والاستثمارات وحركة الحاويات، يرفع المغرب سقف المنافسة عبر توسيع قدراته وتطوير بنياته التحتية.

ولم يعد طنجة المتوسط مجرد مشروع وطني ناجح، بل أصبح نقطة ارتكاز في حسابات النقل البحري واللوجستيك بين أوروبا وإفريقيا وبقية الأسواق العالمية.

ومن شأن دخول الناظور غرب المتوسط الخدمة، إلى جانب توسعة طنجة المتوسط، أن يعزز حضور المغرب على الضفة الجنوبية للمتوسط، ويمنحه قدرة أكبر على استقطاب أنشطة صناعية ولوجستية وطاقية جديدة.

كما يضع الموانئ الإسبانية، ومنها موانئ مضيق جبل طارق، أمام واقع تنافسي متجدد، خصوصاً فيما يتعلق باستقطاب الاستثمارات وحركة الحاويات والخدمات المرتبطة بالتجارة الدولية.

أما إقليمياً، فإن هذا التحول يضيف بُعداً اقتصادياً جديداً إلى المنافسة بين المغرب والجزائر، في وقت أصبحت فيه البنية التحتية والقدرة على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية من محددات النفوذ الاقتصادي.

لكن الحديث عن إزاحة المنافسين أو فرض واقع جديد عليهم لا يُحسم بالشعارات، بل بما تحققه هذه المشاريع فعلياً من حركة تجارية واستثمارات وفرص شغل، وبمدى قدرتها على تحويل الموقع الجغرافي للمملكة إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

من المتوسط إلى الأطلسي.. استراتيجية تتجاوز الموانئ

تكمن أهمية هذا التوجه في أنه لا يتوقف عند شمال المملكة. فالمغرب يواصل أيضاً تطوير بنيته المينائية على الواجهة الأطلسية، في سياق توجه أوسع نحو تعزيز الربط التجاري واللوجستي مع إفريقيا والأسواق الدولية.

وبذلك، تتشكل تدريجياً شبكة من الموانئ ذات وظائف متكاملة: طنجة المتوسط لخدمة حركة التجارة الدولية، والناظور غرب المتوسط لتعزيز الأقطاب الصناعية واللوجستية والطاقية في الشرق، إلى جانب المشاريع الأطلسية التي تستهدف توسيع آفاق الربط الاقتصادي للقارة الإفريقية، وأبرزها ميناء الداخلة بالأقاليم الجنوبية للمملكة.

ويتمثل الرهان الحقيقي في بناء منظومة وطنية تجعل الموانئ محركات للتصنيع والتصدير، لا مجرد نقاط لعبور البضائع، وتربط الاستثمارات الكبرى بالتنمية المجالية وخلق فرص العمل.

الملك يربط الريادة الاقتصادية بثمار التنمية

لعل أبرز ما حمله بلاغ الديوان الملكي هو التأكيد على ضرورة أن تستفيد الأقاليم المعنية وساكنتها من الآثار الاقتصادية والاجتماعية لهذه المشاريع، مع الدعوة إلى تسريع برامج التكوين المهني الملائمة لحاجيات الأنشطة الجديدة.

وهي رسالة تختصر التحدي المقبل، فنجاح المغرب لن يُقاس فقط بعدد الحاويات التي يمكن لموانئه معالجتها، أو بحجم الاستثمارات التي يستقطبها، وإنما أيضاً بقدرته على تحويل هذه المؤشرات إلى وظائف مستقرة، ونسيج صناعي أقوى، وفرص أوسع أمام الشباب.

وخلاصة القول إن المغرب لا يكتفي بتوسيع موانئه، بل يعمل على توسيع موقعه داخل الاقتصاد العالمي.

ومن طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط، مروراً بالواجهة الأطلسية وصولاً إلى الداخلة، تتقدم المملكة في سباق بحري ولوجستي تتحدد نتائجه بقدرة المشاريع على استقطاب التجارة والاستثمار، وترسيخ التنمية داخل البلاد.

أما المنافسة الإقليمية، فستحسمها الأرقام والنتائج على أرض الواقع.

https://anbaaexpress.ma/4we13

عثمان بنطالب

ناشط حقوقي دولي مدير عام أنباء إكسبريس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى