تقاريرمجتمعمغاربة العالم
أخر الأخبار

من مناجم الفحم إلى مراكز القرار.. كيف أسهم المهاجرون المغاربة في بناء بلجيكا الحديثة؟

استعادة تاريخ المغاربة في بلجيكا ليست مجرد التفاتة إلى ماضٍ مضى، بل اعتراف بمكون أساسي من مكونات المجتمع البلجيكي الحديث

لم تكن الهجرة المغربية إلى بلجيكا مجرد استجابة لحاجة اقتصادية فرضتها مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية، بل تحولت، على امتداد أكثر من ستة عقود، إلى مسار تاريخي أعاد تشكيل المجتمع البلجيكي، وترك بصماته على اقتصاده وديمغرافيته ومؤسساته السياسية والثقافية.

فمن أعماق مناجم الفحم وورش المصانع، بدأت حكاية آلاف المغاربة الذين قدموا بحثاً عن العمل، قبل أن تصبح أجيالهم اللاحقة جزءاً من الحياة العامة في البلاد.

هذا التحول التاريخي أعاد تقرير نشرته صحيفة «ذي بروكسل تايمز» البلجيكية، الاثنين، إلى الواجهة، تحت عنوان «بلجيكا التي بنوها.. كيف ساهم المغاربة في تشكيل أمة»، مستعرضاً الدور الذي اضطلع به المهاجرون المغاربة، ولا سيما القادمون من منطقة الريف شمال المملكة، في بناء الاقتصاد البلجيكي والمساهمة في التحولات التي عرفتها البلاد منذ النصف الثاني من القرن العشرين.

ويقدم التقرير، الذي أعده الباحثان أحمد مدهون وكريستوف سوكال، قراءة تتجاوز الرواية التقليدية للهجرة باعتبارها انتقالاً للأيدي العاملة من بلد إلى آخر، ليبرز كيف انتقلت الجالية المغربية تدريجياً من هامش سوق العمل إلى موقع فاعل في المجتمع، وصولاً إلى حضور أبنائها وأحفادها في السياسة والإعلام والجامعات ومختلف مجالات الحياة البلجيكية.

من كارثة منجمية إلى بداية موجة الهجرة المغربية

ترتبط البدايات الفعلية لاستقطاب العمال المغاربة بالتحولات التي شهدها الاقتصاد البلجيكي بعد الحرب العالمية الثانية. فقد كانت البلاد بحاجة إلى أعداد كبيرة من العمال لإعادة تشغيل المناجم والمصانع وتلبية متطلبات التوسع الصناعي، في وقت لم تعد فيه اليد العاملة المحلية كافية لتغطية الطلب المتزايد.

وشكلت كارثة منجم «بوا دو كازييه»، بالقرب من شارلوروا، في 8 غشت 1956، إحدى المحطات المفصلية في هذا المسار. فقد أودى الحادث بحياة 262 عاملاً، بينهم 136 إيطالياً، ما تسبب في أزمة على مستوى استقدام العمال الإيطاليين، الذين كانوا يشكلون نسبة مهمة من القوة العاملة في قطاع التعدين البلجيكي.

وأمام الحاجة الملحة إلى تعويض النقص، اتجهت السلطات البلجيكية إلى البحث عن مصادر جديدة للعمالة، وكان المغرب ضمن البلدان التي شملتها هذه السياسة. وتوج هذا التوجه بتوقيع اتفاقية ثنائية لتنظيم استقدام العمال سنة 1964، فاتحاً مرحلة جديدة من انتقال المغاربة إلى بلجيكا، خصوصاً للعمل في المناجم والقطاعات الصناعية.

لكن الحضور المغربي في سوق العمل البلجيكية لم يبدأ بالاتفاقية وحدها؛ إذ يشير التقرير إلى أن مؤسسات وشركات تشغيل كانت قد شرعت قبل ذلك في استقطاب عمال من مناطق مختلفة بالمملكة، في ظل تنافس أوروبي متزايد على اليد العاملة خلال مرحلة إعادة بناء الاقتصادات بعد الحرب.

الريف.. من ضيق الخيارات إلى الهجرة نحو أوروبا

احتلت منطقة الريف موقعاً بارزاً في هذه المرحلة، بالنظر إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي كانت تعيشها أجزاء واسعة من شمال المغرب، فضلاً عن التوترات التي أعقبت استقلال المملكة سنة 1956.

وبالنسبة إلى كثير من الشباب الريفي، لم تكن الهجرة إلى بلجيكا مجرد مغامرة بحثاً عن حياة أفضل، بل كانت خياراً مرتبطاً بضعف فرص العمل ومحدودية الموارد في مناطقهم الأصلية.

فقد مثلت المناجم والمصانع البلجيكية فرصة للحصول على دخل منتظم وإعالة الأسر، في وقت كانت فيه الهجرة توفر للمغرب أيضاً موارد مهمة من العملة الأجنبية وتخفف بعض الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.

غير أن الصورة التي رسمتها الوعود المرتبطة بالعمل في أوروبا لم تكن مطابقة دائماً للواقع. فالمهاجرون الأوائل واجهوا ظروفاً مهنية قاسية، شملت ساعات عمل طويلة ومهام محفوفة بالمخاطر، فضلاً عن عقود محدودة المدة وإقامة في مساكن جماعية متواضعة بالقرب من المناطق الصناعية.

ومع تراجع قطاع الفحم تدريجياً، لم يتوقف حضور العمال المغاربة، بل انتقل كثير منهم إلى قطاعات أخرى، من بينها الصناعات المعدنية والبناء والصناعات الغذائية. وهكذا، تجاوز دورهم المجال المنجمي الذي استدعتهم السلطات البلجيكية للعمل فيه، ليصبحوا جزءاً من قطاعات أساسية في الاقتصاد الوطني.

من عمال مؤقتين إلى أسر مستقرة ومجتمع متعدد الأجيال

لم يكن التحول الأكثر عمقاً في تاريخ الهجرة المغربية مرتبطاً بتغير طبيعة العمل فحسب، بل بتبدل تصور المهاجرين أنفسهم لمستقبلهم في بلجيكا. فبعد أن كان كثيرون ينظرون إلى الإقامة باعتبارها مرحلة مؤقتة تنتهي بالعودة إلى المغرب، بدأت فكرة الاستقرار تترسخ تدريجياً، خصوصاً مع انتقال الزوجات والأبناء والتحاق الأسر بالمهاجرين.

ويرصد التقرير كيف ساهمت سياسة لمّ الشمل العائلي في تغيير الخريطة الديمغرافية لعدد من المدن البلجيكية، وفي مقدمتها بروكسل والمراكز الصناعية الكبرى. فلم تعد الجالية المغربية مكوناً من العمال الوافدين وحدهم، بل أصبحت تضم أسرًا وأطفالاً ومواليد نشأوا وتعلموا في بلجيكا، وارتبط مستقبلهم بها.

كما بدأت السلطات البلجيكية تدرك، مع مرور الوقت، أن الهجرة لم تعد مجرد حل ظرفي لسد النقص في سوق العمل، بل باتت عاملاً مؤثراً في التركيبة السكانية، خصوصاً في ظل شيخوخة السكان والحاجة إلى الحفاظ على استمرارية نظام التقاعد والحماية الاجتماعية.

لكن هذا الاستقرار لم يخلُ من صعوبات. فقد شكلت الأزمة النفطية سنة 1973، وما رافقها من تباطؤ اقتصادي وارتفاع البطالة، منعطفاً صعباً بالنسبة إلى العمال المهاجرين. وتزامنت هذه المرحلة مع تنامي الخطابات المناهضة للهجرة وظهور أشكال مختلفة من التمييز في سوق العمل والسكن، الأمر الذي جعل مسألة الحقوق والمساواة جزءاً أساسياً من انشغالات الجالية.

من المطالبة بالحقوق إلى المشاركة في الحياة العامة

في مواجهة هذه التحديات، برزت جمعيات وتنظيمات مدنية مغربية لعبت دوراً متزايداً في الدفاع عن حقوق المهاجرين، سواء من خلال المطالبة بتحسين أوضاع الإقامة والعمل، أو عبر التصدي للعنصرية والتمييز.

وأسهمت هذه التحركات في تعزيز النقاش المجتمعي حول مكانة الأجانب وحقوقهم، ضمن مسار تطور التشريعات البلجيكية المتعلقة بالهجرة والإقامة ومناهضة التمييز خلال ثمانينيات القرن الماضي وما بعدها.

ومع تعاقب الأجيال، بدأت ملامح الحضور المغربي تتغير بصورة واضحة. فلم يعد أبناء المهاجرين محصورين في القطاعات المهنية التي اشتغل فيها آباؤهم، بل اتجهوا إلى التعليم العالي ومجالات الأعمال والإعلام والفنون والعمل السياسي، وتمكن عدد منهم من الوصول إلى مواقع المسؤولية في المجالس المحلية والبرلمان ومؤسسات الدولة.

ويرى الباحثان أن هذا التطور يعكس انتقال الجالية من وضعية «العمال الوافدين» إلى موقع المواطنين المشاركين في تشكيل الحياة العامة. وهو انتقال لم يلغِ، رغم ذلك، التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية التي لا تزال قائمة في بعض الأحياء، خصوصاً على مستوى فرص التشغيل والتعليم والسكن.

وتقدم بروكسل صورة واضحة عن هذا التحول؛ فهي مدينة تتداخل فيها اللغات والثقافات والخلفيات الاجتماعية، وتظهر فيها الروابط المغربية في تفاصيل الحياة اليومية، من المؤسسات التعليمية والفضاءات الثقافية إلى الأنشطة الاقتصادية والسياسية. وباتت الهوية المغربية جزءاً من المشهد الحضري والاجتماعي للعاصمة، دون أن يعني ذلك اختفاء التحديات المرتبطة بالاندماج وتكافؤ الفرص.

الأجيال الجديدة تعيد اكتشاف ذاكرة الآباء

ومن بين الجوانب التي توقف عندها التقرير، العلاقة المتجددة بين الأجيال الثالثة والرابعة وأصولها المغربية. فبعد عقود من وصول المهاجرين الأوائل، يتجه عدد متزايد من أبنائهم وأحفادهم إلى البحث عن تاريخ العائلة، واستعادة تجارب الآباء والأجداد، وفهم الظروف التي دفعتهم إلى مغادرة المغرب والمساهمة في بناء حياة جديدة في بلجيكا.

وفي هذا السياق، يبرز مشروع «بلجيكا بلادي» (Belgica Biladi)، الذي يجمع بين الكتاب والمعرض والتسجيلات الصوتية، بهدف توثيق شهادات وتجارب الجيل الأول من المهاجرين المغاربة. ويكتسب هذا العمل أهمية خاصة في ظل تقدم هؤلاء الرواد في السن ووفاة عدد منهم، بما يجعل الحفاظ على شهاداتهم وذاكرتهم سباقاً مع الزمن.

فالقضية، كما يعكسها المشروع، لا تتعلق بتوثيق مسارات فردية أو حكايات عائلية متفرقة، بل بحفظ جزء من تاريخ بلجيكا الاجتماعي والاقتصادي، الذي لا يمكن فهم تحولات البلاد خلال العقود الماضية من دون التوقف عند مساهمة المهاجرين الذين شاركوا في بنائها.

الهجرة المغربية.. جزء من تاريخ بلجيكا المعاصر

بعد أكثر من ستين عاماً على اتفاقية استقدام العمال بين المغرب وبلجيكا، لم تعد الهجرة المغربية مجرد فصل من فصول العلاقات الثنائية أو ظاهرة مرتبطة بحاجات سوق العمل. فقد تحولت إلى تجربة إنسانية واجتماعية متعددة الأبعاد، امتد تأثيرها من المناجم والمصانع إلى الجامعات والبرلمان والمؤسسات الثقافية والإعلامية.

وتكشف هذه التجربة عن مسار طويل انتقل فيه المهاجر المغربي من موقع العامل الذي استُقدم لسد النقص في اليد العاملة، إلى موقع المواطن الذي يشارك أبناؤه وأحفاده في صياغة حاضر البلاد ومستقبلها. كما تبرز أن العلاقة بين الهجرة والتنمية لا تختزل في حجم التحويلات المالية أو عدد العمال، بل تشمل أيضاً ما تتركه الأجيال المتعاقبة من أثر في الثقافة والاقتصاد والمؤسسات وأنماط العيش.

ومن هنا، فإن استعادة تاريخ المغاربة في بلجيكا ليست مجرد التفاتة إلى ماضٍ مضى، بل اعتراف بمكون أساسي من مكونات المجتمع البلجيكي الحديث، وبقصة أجيال ساهمت في بناء بلد اختارته وجهة للعمل، قبل أن يصبح بالنسبة إلى كثيرين منهم وطناً ثانياً.

https://anbaaexpress.ma/9notw

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى