ثقافة
أخر الأخبار

لغة الجسد في التراث العربي.. ما وراء الكلمات! (1)

العربية غنية، نعم، لكنها ليست وحدها في هذا العالم. وكل لغة قديمة حملت معها تفاصيل حياة أهلها، وميزت بين الأشياء التي كانت حاضرة في حياتهم، حتى لو اختفت تلك التفاصيل من لغاتنا الحديثة

قرأت مقال السيد أسامة فوزي المعنون “السر في انشغال العرب بالأعضاء التناسلية”، وهو نص قديم أعيد نشره حديثا في أكثر من موقع.

قرأته مرة، فضحكت من بعض مفارقاته، ثم توقفت عنده طويلا، لا بسبب ما فيه من غرابة، وإنما بسبب الطريقة التي تتحول بها بعض الحقائق الصغيرة إلى أحكام كبيرة على تاريخ أمّة بأسرها.

نشدت نقد المقال لا لأن النص خال من الحقيقة، بل لأن أخطر ما فيه هو الحقيقة نفسها حين تُنتزع من سياقها، لا دياكرونيا فحسب، بل سنكرونيا أيضا، ثم تحمل على ظهرها ما لا تحتمل.

نعم، بعض ما أورده الكاتب موجود في كتب اللغة القديمة، وبعض الألفاظ التي ساقها صحيحة، وبعض الفصول التي نسبها إلى أبي منصور الثعالبي موجودة بالفعل في “فقه اللغة وسر العربية”.

لكن أن ننتقل من هذه الحقيقة المحدودة إلى القول إن تاريخ العرب كله لم يكن سوى جنس وغزل وغلمان، أو أن العرب هم الأمة الوحيدة في العالم التي انشغلت بتسمية أعضاء الجسد ووظائفه، فذلك ليس بحثا في التراث، بل محاكمة علنية له بالسخرية.

فمن أين أبدأ، يا سادتي؟ لعل البداية الصحيحة ليست في إنكار ما أورده الكاتب، ولا في الدفاع عن التراث دفاعا أعمى، وإنما في العودة إلى النصوص نفسها، وقراءتها بعين الباحث الثاقبة، ووضع كل كلمة في سياقها الدقيق، ثم السؤال: ماذا تقول هذه الكلمات حقا، وماذا نريد نحن أن نجعلها تقول؟

دعوني أمهد بنبذة تعريفية عن أحد العلماء المذكورين في المقال المعني! مثلا فالثعالبي، المعروف بأبي منصور عبد الملك بن محمد النيسابوري، كان لغويا وأديبا، ومؤلفه واحد من مؤلفات اللغة الرصينة التي نشدت أن توثّق للعربية ثروتها الهائلة من الألفاظ والفروق في المضامين السيمائية. وفي الكتاب، بالفعل، أبواب عن النكاح، وأسماء أجزاء الجسد، وألفاظ الإخراج، وأسماء الحيوان وأفعاله. وقد تبدو بعض هذه الألفاظ لنا اليوم غريبة، بل فاحشة في بعضها.

لكن، يا سادتي، المعجم ليس سيرة ذاتية لصاحبه.

حين يذكر المعجمي عشرات الأسماء لشيء واحد، لا يعني ذلك بالضرورة أن حياته كانت تدور حول ذلك الشيء. هو يسجل اللغة كما وجدها، ويحفظ ما قاله الناس، وما ميزوه، وما احتاجوا إلى تسميته.

المعجم خزانة، وليس اعترافا شخصيا.

ولو طبقنا المنطق نفسه على بقية أبواب اللغة، لقلنا إن العرب كانوا مولعين بالموت لأن لهم أسماء كثيرة للموت، ومهووسين بالمرض لأنهم ميزوا بين أنواعه، وعاشقين للحرب لأنهم أكثروا من أسماء السيوف والطعان والخيول. وهذا بالطبع كلام لا يستقيم جملة وتفصيلا!

إذن المشكلة ليست في أن هذه الألفاظ موجودة. هي موجودة بالفعل، ولا فائدة من إنكارها. المشكلة في السؤال الذي نضعه فوقها، وفي النتيجة التي نريد أن ننتزعها منها.

فهل يعني وجود فصل عن ألفاظ النكاح أن المؤلف كان “مشغولا بالجنس”؟

لا.

وكذلك فإن وجود أبواب عن الموت والمرض والبول والغائط والحمل والولادة والحرب والسلاح والطعام والشراب لا يعني أن صاحب المعجم كان مشغولا بهذه الأشياء في حياته اليومية.

المعجم لا يختار موضوعاته بحسب ما نراه نحن لائقا أو غير لائق. إنه يحفظ ويوثّق ألسنة الناس التي سلقوا عليها، حتى ما اندثر منه، وما أصبح غريبا على الذوق الحديث.

بل إن جزءا من قيمة المعاجم القديمة أنها احتفظت لنا بكلمات خرجت من الاستعمال، وبفروق دقيقة لم تعد لغاتنا الحديثة تعيها أو حتى تفهمها.

ثم تأتي الجملة الأكثر إثارة في النص: أن العرب كانوا “الأمة الوحيدة في الكرة الأرضية” التي عرفت هذه الوفرة من الأسماء.

هنا ينبغي أن يتوقف القارئ قليلا.

كيف عرف الكاتب ذلك؟

هل قارن العربية باليونانية واللاتينية والفارسية والسنسكريتية والعبرية واللغات الأوروبية؟ هل قلب معاجمها القديمة والحديثة؟ هل درس لغاتها الطبية والأدبية والشعرية؟ أم أنها مجرد جملة ساخرة أراد بها أن يربح التصفيق؟

العربية غنية، نعم، لكنها ليست وحدها في هذا العالم. وكل لغة قديمة حملت معها تفاصيل حياة أهلها، وميزت بين الأشياء التي كانت حاضرة في حياتهم، حتى لو اختفت تلك التفاصيل من لغاتنا الحديثة.

والأغرب أن تحويل هذه الثروة اللغوية إلى دليل على طبيعة أمة بأكملها يقفز فوق المسافة بين اللغة والمجتمع.

فاللغة تسجل الظواهر، لكنها لا تقدم وحدها إحصاء عن حجمها في الواقع. وقد يكون للشيء الواحد عشرات الأسماء لأن اللغة احتاجت إلى التفريق بين أحواله وصفاته، لا لأن الناس كانوا يمارسونه أكثر من غيرهم.

وهنا يقع الخلط الأكبر:

وجود الكلمة لا يعني بالضرورة كثرة الفعل، وكثرة الحديث عن شيء لا تعني أنه كان جوهر الحياة.

خذوا مثلا أسماء الحيوانات وأصواتها وحركاتها. لقد عرف العرب فروقا دقيقة بين صهيل الفرس ونهيقه ورغائه وثغائه ونباح الكلب وصهيل غيره. فهل يعني ذلك أنهم كانوا مولعين بأصوات الحيوانات؟ بالطبع لا. كانت تلك ببساطة لغة مجتمع عاش قريبا من الحيوان، واحتاج إلى تسمية دقيقة لما يراه ويسمعه.

وهكذا يمكن أن نفهم جانبا كبيرا من ثراء المعجم العربي.

إن كثرة الأسماء قد تكشف عن دقة الملاحظة، وعن الحاجة إلى التصنيف، وعن حساسية اللغة للفروق، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على أخلاق مجتمع أو على تاريخ حضارة.

ثم إن الثعالبي نفسه يلفت النظر إلى شيء بالغ الأهمية حين يتحدث عن “الكناية عما يستقبح ذكره بما يستحسن لفظه”. أي أن المسألة لم تكن مجرد تعداد لألفاظ الجسد، بل كان هناك أيضا وعي باللغة، وبالمقام، وبما يقال وما لا يقال، وبكيفية انتقال المعنى من التصريح إلى الكناية.

وهذا مهم، لأن اللغة ليست قائمة كلمات فحسب.

إنها أيضا طريقة في التعامل مع الواقع.

وفي النصوص العربية القديمة نجد هذا الوعي حاضرا في الشعر والأدب والقرآن والحديث والفقه والمعاجم. فحتى حين يتناول الكاتب أو المعجمي أمرا حساسا، فإن اختيار اللفظ نفسه يصبح جزءا من المعنى.

من هنا لا يصح أن نقتطع مجموعة من الكلمات من سياقها، ثم نجعلها مرآة كاملة لحضارة بأسرها.

فالطبيب يعرف أسماء الأمراض الجنسية، ولا يعني ذلك أنه يعيش فيها. وعالم الحيوان يعرف أعضاء الحيوان ووظائفها، ولا يعني أن حياته كلها تدور حولها. وعالم النبات يحفظ أسماء الجذور والأوراق والثمار، ولا يعني أن حياته كلها نبات.

كثرة الأسماء لا تعني كثرة الممارسة.

واللغة ليست مرآة صامتة تعكس الواقع كما هو. إنها تصنفه، وتعيد ترتيبه، وتضع بين الأشياء فروقا وحدودا.

لهذا فإن اقتطاع عشرات الألفاظ من المعاجم القديمة، ثم القول: “هذا هو تاريخنا كله”، ليس كشفا للحقيقة، بل اختيار لزاوية واحدة من الحقيقة.

ويبقى السؤال: ماذا يحدث حين ننتقل من المعجم إلى كتب الأدب الكبرى؟ هل سنجد الصورة نفسها التي يرسمها النص الساخر؟ وهل «كتاب الأغاني» مثلا ليس سوى سجل للجنس والمجون؟

هنا تبدأ الحكاية الثانية.

https://anbaaexpress.ma/k91rn

محمد بدوي مصطفى

كاتب وباحث سوداني مقيم في ألمانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى