لم تعد الحرب التي أطلقها دونالد ترامب على إيران خبرا عسكريا بعيدا يتابعه المواطن الأميركي أو الأوروبي على شاشة التلفزيون قبل أن ينتقل إلى نشرة الطقس أو نتائج البورصة، بل أصبحت فاتورة يومية تصل إلى منزله مع خزان الوقود وكيس الخبز وتذكرة الطائرة وشاحنة نقل الخضار وكلفة التدفئة وسعر السلعة الموضوعة على رف المتجر، لأن الحرب التي بدأت بضربات أميركية وإسرائيلية في أواخر شباط 2026 تحولت خلال سبعة أشهر إلى إحدى أخطر صدمات الطاقة في العقود الأخيرة.
وأعادت إلى العالم حقيقة حاول الغرب المترف طويلا نسيانها وهي أن الصاروخ الذي ينطلق على بعد آلاف الكيلومترات يمكن أن يصل أثره الاقتصادي إلى مائدة عائلة في باريس أو برلين أو شيكاغو أسرع مما تصل إليها أخبار ضحاياه.
الأرقام وحدها كافية لفضح حجم الكارثة، فقد كان برميل برنت يباع بنحو 72 دولارا عشية اندلاع الحرب، ثم تجاوز 105 دولارات في أيلول، ووصل في بعض مراحل الأزمة إلى نحو 118 دولارا فيما تقول وكالة الطاقة الدولية إن سعر برنت أصبح أعلى بنحو 45 في المئة من مستواه السابق للحرب.
أما الديزل وهو عصب الشاحنات والزراعة والصناعة والنقل، فقد تجاوز في الولايات المتحدة ما يعادل 200 دولار للبرميل في مطلع أيلول أي بزيادة تقارب 94 في المئة عن مستواه قبل الحرب.
المسألة لا تتعلق بالنفط وحده فمضيق هرمز الذي تمر عبره كميات هائلة من الطاقة العالمية تعرض لشلل واسع، وقدّر صندوق النقد الدولي أن نحو 20 مليون برميل يوميا من الخام والمنتجات المكررة حُجبت في ذروة الإغلاق، أي ما يعادل خمس الاستهلاك العالمي تقريبا، وأن أكثر من 11 مليار برميل لم تصل إلى الأسواق بحلول نهاية أيار وهي فجوة تجاوزت في تلك المرحلة اضطرابات صدمة 1973 والحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج.
وهنا تبدأ الحرب الحقيقية التي لا تظهر صورها على الشاشات، لأن ارتفاع سعر الطاقة يدخل في كل شيء تقريبا في الجرار الذي يحرث الأرض، وفي السماد الذي يغذي المحصول، وفي الشاحنة التي تنقل القمح، وفي المصنع الذي يحوله إلى غذاء، وفي العبوة البلاستيكية التي تحفظه، وفي السفينة التي تنقله، وفي المتجر الذي يبرده، ولهذا توقع البنك الدولي ارتفاع أسعار الطاقة 24 في المئة خلال 2026 وأسعار السلع الأولية عموما 16 في المئة والأسمدة 31 في المئة مع قفزة تبلغ 60 في المئة في اليوريا الزراعية (اليوريا: هي مادة كيميائية غنية بالنيتروجين تُستخدم على نطاق واسع في صناعة الأسمدة) محذرا من أن استمرار الحرب قد يدفع 45 مليون إنسان إضافي إلى انعدام الأمن الغذائي الحاد.
أما تكلفة المغامرة العسكرية نفسها، فقد قدر مكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي كلفة العمليات العسكرية الأميركية ضد إيران بنحو 38 مليار دولار حتى الأول من آب فقط وهو رقم لا يشمل جميع التكاليف التي تتحملها المؤسسات الفدرالية ولا الخسائر الاقتصادية الأوسع، وقد خلص المكتب نفسه إلى أن الحرب رفعت أسعار الطاقة العالمية، وأن كلفة الوقود تنتقل عبر النقل إلى معظم السلع والخدمات.
لكن الرقم الأكثر إثارة للقلق يأتي من تقديرات معهد الاقتصاد والسلام الذي وضع خسارة الناتج العالمي في أحد سيناريوهاته عند نحو 1,30 تريليون دولار خلال 2026، وقدّر أنها قد تقفز إلى نحو 3,5 تريليونات دولار في سيناريو الحرب الأشد واتساع الإغلاق والاضطراب الإقليمي وهي تقديرات سيناريوهات، وليست حسابا نهائيا للخسائر الفعلية، ولهذا ينبغي التعامل معها باعتبارها قياسا لحجم الخطر الاقتصادي الذي صنعته الحرب لا فاتورة محاسبية مكتملة.
والمفارقة الأكثر مرارة أن الأميركي الذي قيل له إن القوة العسكرية ستحمي مصالحه أصبح يدفع ثمنها في محطة الوقود والمتجر، فقد ارتفع مؤشر الطاقة الأميركي 16,3 في المئة خلال السنة المنتهية في آب، وارتفعت أسعار الغذاء 2,7 في المئة، وبلغ التضخم العام 3,4 في المئة بحسب مكتب إحصاءات العمل الأميركي فيما نقل مركز التقدم الأميركي عن الاقتصادي مارك زاندي تقديرا بأن الحرب كلفت الأسرة الأميركية ما لا يقل عن 1200 دولار عبر الإنفاق العسكري وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والتكاليف المرتبطة بهما.
وفي أوروبا ليست الصورة أفضل، فقد بلغ التضخم في منطقة اليورو 3,2 في المئة في آب بعدما كان 2 في المئة قبل عام، وساهمت الطاقة وحدها بنحو 1,29 نقطة مئوية من معدل التضخم، ويؤكد البنك المركزي الأوروبي أن صدمة الطاقة تضرب القارة بقسوة، لأنها مستورد صاف للطاقة بما يعني عمليا انتقال جزء من الدخل الحقيقي الأوروبي إلى الخارج وانخفاض قدرة الأسر على الاستهلاك.
وقد كتبت الصحافية الأميركية أمبر فيليبس في واشنطن بوست في أيار أن الحرب لا ترفع أسعار البنزين وحده، بل تدفع الوقود والغذاء والسلع الأساسية إلى الأعلى فيما شرح أنتوني فايولا وميشيل يي هي لي في الصحيفة نفسها كيف كان الأثر الاقتصادي خارج الولايات المتحدة أشد وطأة، بسبب اعتماد اقتصادات كثيرة على الطاقة المستوردة.
هكذا تتحول قرارات الحرب في واشنطن إلى ضريبة غير معلنة يدفعها مليارات البشر ممن لم يصوتوا لترامب، ولم يشاركوا في اختيار إدارته، ولم يكن لهم رأي في إطلاق صاروخ واحد فالعائلة الأميركية التي اعتادت مستوى مرتفعا من الاستهلاك والعائلة الأوروبية التي بنت حياتها على طاقة متاحة وسفر رخيص وأسعار مستقرة تكتشفان اليوم أن الرفاهية نفسها يمكن أن تصبح رهينة قرار عسكري، وأن الشعوب الأفقر تدفع دائما النسبة الأكبر من دخلها ثمنا لهذه القرارات، لأن الغني يستطيع امتصاص زيادة الوقود والغذاء. أما الفقير فيقتطعها من وجبته وتعليم أطفاله ودوائه.
والمشكلة الأعمق ليست في ترامب وحده، بل في ثقافة سياسية واقتصادية تمنح القوة العسكرية مكانة تتجاوز الدبلوماسية، وتتيح لصناعة السلاح أن تزدهر كلما اتسعت ساحات القتال، ثم تترك المجتمعات تسدد الحساب، ولهذا فإن السؤال الذي سيبقى بعد توقف الصواريخ ليس كم ربحت الجيوش من المواقع وكم خسرت خصومها، بل كم مليون إنسان خسر جزءا من حياته اليومية كي تثبت قوة عظمى مرة أخرى أنها تستطيع إشعال حرب أسرع بكثير مما تستطيع إنهاءها.




