هناك شيء غير مريح في الطريقة التي يستدعى بها المغرب كلما تعلق الأمر بعلاقته بإسرائيل، وكأن تاريخ العلاقات العربية مع الكيان العبري بدأ في الرباط وانتهى عندها.
وكأن المغرب وحده مطالب بأن يقدم كشف حساب دائمًا عن مواقفه، فيما تعامل علاقات دول عربية وإقليمية أخرى مع إسرائيل باعتبارها جزءًا من «ضرورات السياسة» و “حسابات الدولة” و”المصلحة الوطنية”.
السؤال هنا ليس دفاعا عن خيار سياسي بعينه، ولا محاولة لتبرير أي قرار رسمي. السؤال أعمق من ذلك.. لماذا تنسى الذاكرة عندما يتعلق الأمر بالمغرب، وتستحضر المبادئ بقوة حين يكون الموضوع مغربيا.
المغرب لم يكن يوما بعيدا عن قضايا المشرق. وإذا كان البعض يتحدث اليوم عن الرباط وكأنها اختارت فجأة الانفتاح على إسرائيل، فإن التاريخ يقول إن المغرب كان، في مراحل مختلفة، جزءًا من منظومة التضامن العربي، سياسيا وعسكريا ودبلوماسيا.
ففي سنة 1973، لم يكتف الملك الحسن الثاني بالمواقف السياسية، بل أرسل وحدات من القوات المسلحة الملكية إلى الجبهة السورية، ثم شاركت وحدات مغربية في جبهة الجولان خلال حرب أكتوبر، وسقط منها شهداء.
ويوثق التاريخ أن المغرب أرسل قوات إلى سورية قبل الحرب، ثم عزز وجوده في الجولان بعد اندلاعها، في خطوة اعتبرت آنذاك تعبيرًا عمليا عن التزام الرباط بالقضية العربية.
وتؤكد وثائق رسمية أن قرار إرسال القوات لم يكن رمزيا. فقد وجه الملك الراحل الحسن الثاني خطابًا إلى القوات المتوجهة إلى سورية، تحدث فيه عن دعم مصر وسورية والفلسطينيين، وأعلن إرسال وحدات آلية وقوات بشرية ومعدات عسكرية. كما تشير وثائق تاريخية إلى أن الرباط كانت قد قدمت، قبل ذلك، دعما سياسيا وماديا للعرب في سياق الصراع مع إسرائيل.
هذه الصفحة من التاريخ تستحق أن تقرأ اليوم بعيدا عن الشعارات. فالمغرب، في ذلك الزمن، لم يكن يملك القوة العسكرية التي تملكها القوى الكبرى، ولم يكن لاعبًا مركزيًا في المشرق، ومع ذلك اختار إرسال جنوده وآلياته إلى جبهة تبعد آلاف الكيلومترات عن حدوده.
المغرب الذي كان يطلب منه أن يكون حاضرًا عندما يتعلق الأمر بقضايا المشرق، يجد نفسه اليوم في مواجهة أسئلة قاسية عندما يقرر أن يتعامل مع مصالحه وفق حساباته الخاصة.
وهذا لا يعني أن على الآخرين أن يوافقوا على خيارات الرباط، بل يعني أن قراءة السياسة بمنطق انتقائي تفقد الذاكرة معناها.
ولعل التاريخ المغربي الحديث يقدم مثالًا أكثر قسوة على فكرة «المغرب الجزيرة»، وهي العبارة التي ارتبطت بالمفكر المغربي عبد الله العروي.
وقد أعاد العروي في أكثر من مناسبة طرح فكرة موقع المغرب المختلف جغرافيًا وتاريخيًا عن المشرق، ومن العبارات المنسوبة إليه: «قدرنا هو أننا جزيرة.
ويجب أن نتصرف كسكان جزيرة». كما تحدث في حوار آخر عن بُعد المغرب عن المشرق، مشيرًا إلى أن المغاربة يعيشون على مسافة آلاف الكيلومترات منه، وأن المشاركة العاطفية في قضاياه شيء، والانخراط المباشر فيها شيء آخر.
لكن «الجزيرة» المغربية لم تكن جزيرة مغلقة. كانت، على العكس، تتدخل عندما ترى أن أمنها السياسي أو انتماءها العربي والإسلامي يقتضي ذلك.
ولعل حرب الرمال سنة 1963 تقدم مثالًا آخر على الكلفة التي تحملها المغرب في محيط إقليمي لم يكن دائمًا متعاطفًا معه. والحرب، التي اندلعت بين المغرب والجزائر بسبب نزاع حدودي، سرعان ما أخذت أبعادًا إقليمية.
فقد تلقت الجزائر دعمًا من مصر، وأرسلت القاهرة عتادًا عسكريًا وأفرادًا، بينما أرسلت كوبا قوة عسكرية خاصة إلى الجزائر. كما كانت الجزائر تتلقى دعمًا وتسليحًا سوفياتيًا.
وتظهر الوثائق والدراسات التاريخية أن واشنطن كانت تراقب بقلق اتساع دائرة الصراع ودخول عناصر مصرية وكوبية وسوفياتية إلى المعادلة.
ومن المهم هنا ألا نعيد كتابة التاريخ بالشعارات. لم تكن كل الدول التي دعمت الجزائر في حرب الرمال كتلة واحدة، كما أن الحديث عن تدخل سوري مباشر يحتاج إلى دليل أكثر تحديدًا.
لكن الثابت أن الحرب تجاوزت حدود نزاع ثنائي مغربي جزائري، وتحولت إلى مواجهة لها امتدادات إقليمية ودولية، في سياق الحرب الباردة وصراع النفوذ في شمال إفريقيا.
والمفارقة أن المغرب، رغم ذلك، خرج من تلك التجربة وهو يدرك أن الجغرافيا لا ترحم وأن الدولة لا تستطيع أن تبني أمنها على افتراض دائم بأن الآخرين سيقفون إلى جانبها.
ربما لهذا السبب تبدو الذاكرة المغربية شديدة الحساسية تجاه مفهوم «التحالف». فالمغرب عرف مبكرًا أن الدولة قد تجد نفسها وحيدة عندما تتغير المصالح، وأن الصداقة السياسية لا تعني بالضرورة التضحية من أجل الآخر.
وهنا نصل إلى القضية الأكثر إثارة للجدل اليوم: العلاقة مع إسرائيل.
من حق أي مغربي أن يناقش قرار استئناف العلاقات مع إسرائيل، ومن حق أي عربي أن ينتقده. لكن من الصعب فهم الغضب الذي يصب أحيانًا على المغرب وحده من دون وضع القرار داخل السياق الإقليمي.
فمصر وقعت معاهدة سلام مع إسرائيل سنة 1979، وأقامت علاقات دبلوماسية معها منذ ذلك الوقت. والولايات المتحدة نفسها توثق أن معاهدة السلام تضمنت تطبيع العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية وتبادل السفراء.
أما تركيا، فقد بنت على مدى عقود علاقة مع إسرائيل، شهدت فترات من التعاون الأمني والاقتصادي الوثيق، قبل أن تتدهور بصورة حادة بعد حرب غزة.
وحتى عندما أعلنت أنقرة وقف التجارة مع إسرائيل في 2024، كانت البيانات الاقتصادية الإسرائيلية توضح حجم العلاقة التجارية التي سبقت القرار؛ فقد بلغت الواردات الإسرائيلية من السلع التركية نحو 5.3 مليارات دولار سنة 2023.
أما المغرب، فقد أعاد في ديسمبر 2020 العلاقات الرسمية مع إسرائيل في إطار إعلان ثلاثي مع الولايات المتحدة، نص على استئناف الاتصالات الرسمية وإقامة علاقات دبلوماسية وتطوير التعاون الاقتصادي والتكنولوجي ومجالات أخرى.
يمكن رفض هذه الخطوة أو تأييدها أو مناقشتها، لكن لا يمكن تجاهل أن الدول لا تتعامل جميعها مع إسرائيل بالطريقة نفسها، ولا في الظروف نفسها. لذلك فإن اختزال القضية في المغرب وحده يحول النقاش من تحليل للسياسة الخارجية إلى محاكمة انتقائية.
والأهم من ذلك أن المغرب لم يعلن، في وثيقته الثلاثية لسنة 2020، التخلي عن القضية الفلسطينية. وقد حافظ في خطابه الرسمي على مواقفه المعلنة بشأن القدس والحقوق الفلسطينية، بينما اختار في الوقت نفسه إقامة علاقات مع إسرائيل.
هنا تحديدًا تظهر طبيعة السياسة الخارجية: مساحة واحدة يمكن أن تجتمع فيها المواقف المبدئية والحسابات الاستراتيجية، حتى لو بدت متناقضة في نظر البعض.
لكن من يريد أن يفهم المغرب لا يستطيع أن يبدأ من سنة 2020 فقط.
فالمغرب يحمل ذاكرة تاريخية طويلة تبدأ من الأندلس، وتمر بالاستعمار والحماية، ثم الاستقلال، وحرب الرمال، والصراع حول الصحراء، والعلاقات المعقدة مع الجزائر وأوروبا، وصولًا إلى موقعه الحالي بين المتوسط والأطلسي وإفريقيا.
ولهذا فإن عبارة «المغرب جزيرة» لا تعني بالضرورة أن المغرب كان وحيدًا دائمًا، بل تعكس شعورًا تاريخيًا بأن المملكة مضطرة إلى حماية توازنها بنفسها، لأنها تقع عند ملتقى دوائر جغرافية وسياسية متباينة: أوروبا في الشمال، الجزائر في الشرق، الأطلسي في الغرب، وإفريقيا في الجنوب.
ومن هنا يمكن فهم جانب من السياسة المغربية الحالية، من دون أن يعني ذلك الاتفاق معها.
فالمغرب لا يستطيع أن يتعامل مع أمنه وكأنه قضية عربية جماعية فقط، لأن تجربته التاريخية تقول إن الأمن الوطني في لحظة الأزمة يتحول إلى مسؤولية الدولة نفسها.
وهذا ربما يفسر لماذا أصبحت الرباط أكثر حرصًا على بناء شبكة واسعة من العلاقات مع واشنطن وأوروبا وإفريقيا ودول الخليج وإسرائيل، بدل الاعتماد على دائرة واحدة.
المشكلة إذن ليست في أن يختلف المغاربة حول إسرائيل أو فلسطين أو العلاقات الخارجية. الاختلاف طبيعي، بل ضروري.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الذاكرة إلى أداة انتقائية: نتذكر عندما نريد الإدانة، وننسى عندما نريد تبرير موقف آخر.
وإذا كانت غزة قد أظهرت، منذ أكتوبر 2023، مدى صعوبة المواقف العربية أمام حرب إسرائيلية طويلة ومأساة إنسانية ضخمة، فإن التاريخ المغربي يطرح سؤالًا آخر: ماذا يحدث عندما يكتشف بلد ما، بعد عقود من التضامن مع محيطه، أن عليه في النهاية أن يحسب مصالحه بنفسه؟
هذا السؤال لا يحتاج إلى شعارات ولا إلى تخوين.
المغرب ليس دولة فوق النقد، ولا قراراته فوق النقاش. لكنه أيضًا ليس دولة بلا ذاكرة. ومن يريد أن يحاكم سياسته الخارجية اليوم، عليه أن يقرأ تاريخها كاملًا.. الجنود الذين أُرسلوا إلى الجولان، الدعم الذي قُدم للقضايا العربية، العزلة التي عاشها المغرب في أزمات إقليمية، حرب الرمال وما رافقها من تدويل للصراع، ثم التحولات التي دفعت الرباط إلى بناء تحالفات جديدة.
ذلك هو المعنى الأعمق لفكرة «المغرب الجزيرة».
ليس المقصود أن المغرب يعيش خارج العالم، وإنما أنه تعلم، عبر تجارب قاسية، أن العالم لا يتحرك دائمًا بمنطق الأخوة والشعارات، بل بمنطق المصالح والتحالفات وموازين القوة.
ولهذا، ربما يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس: لماذا أقام المغرب علاقات مع إسرائيل؟
بل: لماذا يطلب من المغرب وحده أن يشرح علاقاته، بينما تُقرأ علاقات الآخرين باعتبارها «سياسة واقعية»؟
وفي السياسة، لا توجد ذاكرة بلا حساب. لكن الدولة التي تنسى تاريخها قد تكرر أخطاءه، والدولة التي ينسى الآخرون تضحياتها قد تتعلم، مع الوقت، أن الاعتماد على الذات ليس خيارا أيديولوجيا، بل نتيجة طبيعية لتجربة طويلة.
والمغرب، من الأندلس إلى حرب الرمال، ومن الجولان إلى أزمات اليوم، يحمل في ذاكرته ما يكفي لفهم هذه الحقيقة.




