آراءالشرق الأوسط
أخر الأخبار

من شرق المتوسط إلى مكة.. أحلاف جديدة ترسم خريطة المنطقة وإيران في قلب الحسابات

السعودية دولة جوار لإيران وخصم إقليمي لها في عدد من ملفات المنطقة. وتركيا شريك ومنافس في الوقت نفسه، وتتقاطع معها في سوريا والعراق ولبنان والقوقاز وملفات الطاقة والتجارة. أما باكستان، فعلاقتها بإيران أكثر تعقيدًا ولا تنتمي ببساطة إلى خانة الخصومة،

لم تعد المنطقة العربية والشرق الأوسط تتحرك وفق التحالفات التقليدية التي عرفتها طوال العقود الماضية. فخلال فترة قصيرة ظهرت تفاهمات وترتيبات جديدة، بعضها معلن وبعضها لا يزال في طور التشكّل، تمتد من شرق المتوسط إلى الخليج وصولًا إلى جنوب آسيا.

وبينما تبدو هذه الترتيبات في ظاهرها مرتبطة بالأمن والدفاع والطاقة والمصالح الاقتصادية، فإن الجغرافيا السياسية تقول إن هناك حسابات أعمق بكثيرفي شرق المتوسط، تواصل اليونان وقبرص وإسرائيل والإمارات تطوير علاقات أمنية واقتصادية وعسكرية متشابكة، في مسار يضع تركيا في موقع الطرف الذي يراقب هذه الترتيبات بحذر، خصوصًا أن العلاقة بين أنقرة وبعض هذه الأطراف تحمل ملفات خلافية قديمة تتعلق بالحدود البحرية والطاقة والنفوذ الإقليمي.

وفي المقابل، ظهر لبنان في بعض التحركات المرتبطة بهذه الخريطة من خلال مشاركة رئيس الجمهورية جوزاف عون في اتصالات وتحركات إقليمية متصلة بهذا المسار.

وهنا تستعيد المنطقة شيئًا من ذاكرتها القديمة. ليس بمعنى أن هناك مشروعًا موثقًا لإعادة رسم الحدود وصولًا إلى القسطنطينية، ولا أن التحالفات الحالية امتداد مباشر لصراعات عمرها قرون، بل بمعنى أن التاريخ الديني والجغرافي للمنطقة يعود أحيانًا إلى الخطاب السياسي الحديث، فيما المصالح الفعلية تبقى هي المحرك الأهم.

لكن التطور الأكثر إثارة جاء من مكة.

في 6 آب 2026 وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك، ونص الاتفاق، بحسب البيان الرسمي، على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيُعد هجومًا على الدول الأخرى.

كما شمل التعاون الدفاعي والتنسيق السياسي والعسكري والتدريبات المشتركة، مع حديث عن توسيع مجالات التعاون في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا.

المعادلة هنا واضحة من الناحية العسكرية: السعودية تمتلك الوزن الاقتصادي والقدرة على التمويل وموقعًا جغرافيًا حساسًا في الخليج والبحر الأحمر، تركيا تملك صناعة دفاعية متقدمة وخبرة عسكرية واسعة، فيما تضيف باكستان ثقلًا عسكريًا واستراتيجيًا، فضلًا عن كونها دولة نووية.

الدول الثلاث تقول إن الاتفاق دفاعي، ولا يستهدف دولة بعينها، وتنفي أن يكون مشروع حلف مذهبي أو خطوة نحو سباق نووي. وهذه نقطة يجب أخذها في الاعتبار. فاختزال الاتفاق بأنه «حلف سني» وحده لا يفسر المصالح الأمنية والاقتصادية والعسكرية التي تقف وراءه.

لكن التطورات العسكرية المتسارعة حول اليمن تمنح هذا الترتيب الجديد اختبارًا مبكرًا يتجاوز النصوص والبيانات.

فمع تصاعد الحديث عن تحرك سعودي أوسع في مواجهة أنصار الله، وظهور مواقف تركية وباكستانية متصلة بالتطورات، برز من الجانب اليمني تحذير شديد اللهجة من أن أي انخراط مباشر في قصف اليمن سيجعل الدولة المشاركة جزءًا من المواجهة، ويعرّضها لرد يطالها وفق قواعد الاشتباك التي تحددها صنعاء.

وهنا تكتسب «اتفاقية مكة» دلالة مختلفة: فالسؤال لم يعد فقط عن طبيعة الاتفاق الدفاعية، بل عن حدوده عندما تنتقل أزمة إقليمية إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، وعن مدى استعداد أطرافه لتحمل تبعات أي مشاركة مباشرة في حرب تتجاوز الساحة السعودية واليمنية.

وإذا تحولت مواقف تركيا أو باكستان من المواقف السياسية إلى مشاركة عسكرية فعلية، فإن ذلك سيضع الاتفاق أمام أول امتحان عملي حقيقي، وسيعيد في الوقت نفسه ترتيب حسابات أنقرة وإسلام آباد والرياض وطهران وصنعاء.

لكن إيران لا تستطيع، من موقعها الجغرافي والسياسي، أن تتعامل مع هذا التطور وكأنه تفصيل عابر.

السعودية دولة جوار لإيران وخصم إقليمي لها في عدد من ملفات المنطقة. وتركيا شريك ومنافس في الوقت نفسه، وتتقاطع معها في سوريا والعراق ولبنان والقوقاز وملفات الطاقة والتجارة.

أما باكستان، فعلاقتها بإيران أكثر تعقيدًا ولا تنتمي ببساطة إلى خانة الخصومة، لكن دخول دولة نووية ذات جيش كبير إلى اتفاق دفاعي مع الرياض وأنقرة يضيف وزنًا استراتيجيًا جديدًا إلى المعادلة.

من هنا يمكن فهم لماذا تحظى الاتفاقية باهتمام يتجاوز الدول الثلاث. فالمسألة لا تتعلق فقط بمن يملك السلاح، وإنما بموقع كل طرف على الخريطة. السعودية تفتح البوابة الخليجية، تركيا تقف عند البوابة الشمالية الغربية لإيران، وباكستان عند الجبهة الشرقية.

لا يعني ذلك أن هذه الدول شكلت طوقًا على إيران، ولا أن مواجهة عسكرية باتت هدف الاتفاق، لكنه يعني أن طهران باتت أمام ترتيبات أمنية جديدة في محيطها.

والانعكاس لن يبقى محصورًا في طهران. العراق وسوريا ولبنان، وهي ساحات تتقاطع فيها المصالح الإيرانية والتركية والسعودية، قد تجد نفسها أمام توازنات أكثر تعقيدًا.

وفي الخليج، يمكن لأي ترتيبات دفاعية جديدة أن تؤثر في حسابات الأمن البحري والطاقة والممرات التجارية. أما إسرائيل، التي تنظر بقلق إلى قيام ترتيبات إقليمية لا تكون طرفًا فيها، فتجد نفسها أمام سؤال آخر؛ هل تستطيع أن تبقى جزءًا من هندسة الأمن الإقليمي إذا بدأت دول المنطقة ببناء ترتيباتها الخاصة؟

وهنا تبرز المفارقة الأهم. تركيا موجودة في اتفاق مكة مع السعودية وباكستان، وفي الوقت نفسه تقف في قلب التنافس حول شرق المتوسط، وهي عضو في الناتو.

لذلك فإن الخريطة الجديدة ليست مجرد محورين متقابلين، كما قد يبدو للوهلة الأولى. هناك مصالح متقاطعة، وشراكات تتغير بحسب الملف، ودول يمكن أن تكون حليفة في قضية ومنافسة في قضية أخرى.

ويبقى السؤال الحقيقي: هل تستطيع هذه التحالفات أن تعيش أكثر من لحظة الإعلان عنها؟

الاختبار لن يكون في البيانات الرسمية، بل في الميدان. هل ستتحول التدريبات إلى تعاون دائم؟ وهل تنتقل الصناعات الدفاعية من الاتفاقات إلى الإنتاج المشترك؟ وهل تنشأ آليات حقيقية لتبادل المعلومات واتخاذ القرار عند وقوع أزمة؟ وهل تستطيع الدول الثلاث تنسيق مواقفها عندما تتعارض مصالحها المباشرة؟ وهل ينضم لاعبون جدد إلى المنظومة؟ والأهم، ماذا يحدث عندما تجد إحدى دول الاتفاق نفسها أمام حرب لا تريد أن تصبح طرفًا مباشرًا فيها؟

الأمر نفسه ينطبق على ترتيبات شرق المتوسط. فالتحالفات لا تصبح مؤثرة بمجرد اجتماع قادة أو توقيع مذكرة. قوتها تقاس بقدرتها على الاستمرار وتحويل المصالح المشتركة إلى مؤسسات وآليات عمل، وبمدى استعداد أطرافها لتحويل التعهدات السياسية إلى التزامات عملية عندما تتغير الظروف.

ما يحدث اليوم لا يكفي للقول إن المنطقة عادت إلى حروب دينية عمرها قرون، ولا يسمح أيضًا بتجاهل البعد الديني في هوية بعض هذه التجمعات. الحقيقة تبدو أكثر تعقيدًا: الدين حاضر في الخلفية، لكن الجغرافيا والأمن والطاقة والسلاح والنفوذ هي التي ترسم خطوط التحالفات.

ومن شرق المتوسط إلى مكة، تبدو المنطقة وكأنها تعيد ترتيب مقاعدها قبل مرحلة جديدة من الصراع والتفاوض. وفي وسط هذه الخريطة تقف إيران، لا باعتبارها الهدف المعلن لهذه التحالفات، بل باعتبارها إحدى القوى التي ستعيد حساباتها حتمًا أمام بيئة إقليمية تتغير من حولها.

أما اليمن، الذي تحوّل في السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر ساحات الإقليم حساسية، فقد يكون أحد الميادين التي ستكشف سريعًا ما إذا كانت هذه التحالفات الجديدة مجرد ترتيبات سياسية وأمنية، أم أنها قادرة فعلًا على التحول إلى منظومة عسكرية ذات قواعد اشتباك تتجاوز حدود الدول التي وقّعت عليها.

https://anbaaexpress.ma/g8c8r

داني م. الأمين

صحفي لبناني ومستشار علاقات عامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى