قبل بضعة أشهر من الانتخابات، يبدو أن السياسة المغربية عثرت من جديد على وصفة قديمة، لا تكلف أصحابها شيئاً تقريباً: بعض التصريحات الصاخبة، وجرعة معتبرة من التراشق والاتهامات، وردود غاضبة، ثم، في النهاية، تغطية إعلامية سخية ومجانية
مرحباً بكم في المسرح الرائع لسياسة الفرجة
خلال الأيام الأخيرة، يقدم لنا حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار عرضاً سياسياً يمكن، من بعض جوانبه، أن يجعل مؤلفي الكوميديات الهزلية القديمة يشعرون بشيء من الغيرة.
قيادات قديمة وجديدة تتبادل تصريحات خطيرة، وأحياناً خطيرة جداً، وكل طرف يرد على الآخر، وكأن أعظم حجة سياسية هي تلك التي تحدث أكبر قدر من الضجيج.
وفي هذه الأثناء، تجد وسائل الإعلام نفسها أمام مادة دسمة لا تحتاج إلى كثير من التوابل.
تصريح هنا، وردّ هناك، وبلاغ في مواجهة بلاغ، ثم ردّ على الرد، يفتح الباب، بطبيعة الحال، أمام رد جديد.
إنها آلة سياسية محكمة التزييت.
أما المواطن، فيجلس ويتفرج.
ينظر، ويستمع، ويتساءل.. وأحياناً يبتسم.
فلا بد من الاعتراف بأن العرض ناجح.
لا حاجة إلى ديكورات باهظة، ولا إلى مخرج محترف، ولا حتى إلى تذاكر دخول.
شبكات التواصل الاجتماعي تتكفل بشباك التذاكر، ووسائل الإعلام تتولى الدعاية، أما السياسيون فيقدمون السيناريو مجاناً.
إنها، باختصار، دعاية مجانية.
وعشية الانتخابات، يا لها من عبقرية في اقتصاد الحملات الانتخابية!
يكفي أن تُقال كلمة لاذعة قليلاً حتى تندلع عاصفة إعلامية.
وتتحول جملة عابرة إلى حدث وطني.
هجوم يستدعي رداً، والرد يستدعي هجوماً مضاداً، وإذا بالجميع يتحدث عن أبطال العرض.
وفي هذه الأثناء، تنتظر المشاكل الحقيقية للبلاد خلف الكواليس.
البطالة تنتظر.
والمدرسة تنتظر.
والصحة تنتظر.
والقدرة الشرائية تنتظر.
والاستثمار ينتظر.
والفوارق المجالية تنتظر.
ومستقبل الشباب ينتظر…
كل هذه الملفات يمكنها، على ما يبدو، أن تنتظر قليلاً.
أما العرض السياسي فلا يحتمل الانتظار.
فلا بد من إطعام شراهة الأخبار، ولا بد من ملء نشرات الأخبار، ولا بد من منح مواقع التواصل الاجتماعي ما يكفيها من الوقود.
لكن، سيداتي سادتي السياسيين، اسمحوا لنا باقتراح متواضع:
ارفعوا مستوى النقاش.
تحدثوا عن برامجكم.
اشرحوا رؤاكم.
قدموا حلولكم.
قولوا للمغاربة ماذا تريدون أن تفعلوا غداً، بدلاً من أن تظلوا، في كل تصريح، تشرحون لهم ما الذي كان خصمكم قد فعله بالأمس.
فالديمقراطية لا تكبر بالصراخ، ولا تزدهر بالتراشق، ولا تقاس بعدد الاتهامات المتبادلة.
الديمقراطية تنضج عندما يستطيع الخصوم السياسيون أن يتصارعوا حول الأفكار، وأن يختلفوا حول البرامج، وأن يتنافسوا على خدمة الوطن، من دون أن يحولوا السياسة إلى حلبة للمشاجرات.
فالسياسة، في نهاية المطاف، ليست مسابقة في إطلاق العبارات النارية.
إنها مسؤولية.
وجودة النقاش السياسي تعطي، في كثير من الأحيان، صورة واضحة عن مستوى الممارسة الديمقراطية نفسها.
وإذا رفعتم مستوى نقاشكم، فربما رفعتم أيضاً مستوى وطنكم.
وتلك، بلا شك، طموحات أرقى بكثير من معركة حول جملة عابرة أو عبارة مستفزة.
أما الكوميديا..
فبالله عليكم، لا تنافسوا أهلها فيها.
فالممثلون المحترفون يعانون أصلاً ما يكفي من أجل بيع فنهم.
ليس لديهم مقرات انتخابية، ولا بلاغات صحفية، ولا شبكات اجتماعية قادرة على تحويل كل جملة إلى حدث وطني.
فاتركوا لهم ما هو من صميم مهنتهم: خشبة المسرح، والهزل، والضحك.
أما أنتم، سيداتي وسادتي السياسيين، فمهمتكم أكثر جدية بكثير: أن تجعلوا المغاربة يضحكون أقل ما يمكن عندما يتعلق الأمر بمستقبل بلدهم.
لأن السخرية السوداء الحقيقية ستكون، في نهاية المطاف، أن يكتشف المواطنون بعد الانتخابات أن كل هذا الضجيج لم يكن سوى إعلان تشويقي للفيلم…
ثم يكتشفون، بعد فوات الأوان، أن الفيلم نفسه..
لم يكن موجوداً أصلاً.




