أجرى رئيس أركان الدفاع الإسباني، الأدميرال تيودورو إستيبان لوبيث كالديرون، هذا الأسبوع زيارتين إلى مدينتي سبتة ومليلية( المحتلتين )، في ظل تصاعد التوتر السياسي بشأن مستقبل المدينتين، بالتزامن مع تجدد التصريحات المغربية المطالبة بعودتهما إلى السيادة المغربية.
وتأتي زيارة أعلى مسؤول عملياتي في القوات المسلحة الإسبانية، رسمياً، في إطار متابعة الوضع العسكري والاطلاع على ظروف الوحدات المنتشرة في المدينتين، إلى جانب عقد لقاءات مع المسؤولين المدنيين والعسكريين.
غير أن توقيت الزيارة يكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى التطورات السياسية والأمنية التي تشهدها الحدود الجنوبية لإسبانيا.
وكان لوبيث كالديرون قد زار مليلية الخميس، حيث عقد لقاءات مع كبار المسؤولين العسكريين وممثلين عن الإدارة العامة للدولة، قبل أن يتوجه الجمعة إلى سبتة، حيث التقى، من بين مسؤولين آخرين، رئيس المدينة ذاتية الحكم خوان خيسوس فيفاس.
وهدفت الزيارتان إلى الاطلاع ميدانياً على أوضاع الوحدات العسكرية المنتشرة في المدينتين، وتأكيد دعم القيادة العسكرية للجنود الإسبان العاملين في منطقة تعتبر ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للدفاع الإسباني.
وتأتي هذه الجولة أيضاً بعد أن شهدت سبتة في نهاية يوليوز الماضي تدفقاً جماعياً للمهاجرين، أعاد الحدود الإسبانية المغربية إلى واجهة النقاش السياسي والأمني في إسبانيا.
انتشار عسكري كبير
تحافظ إسبانيا على حضور عسكري مهم في كل من سبتة ومليلية. ويبلغ عدد العسكريين المنتشرين في سبتة أكثر من 2500 عنصر، فيما يناهز عددهم في مليلية 3200 عسكري، ينتمي جزء كبير منهم إلى القيادة العامة لمليلية، التابعة لقيادة جزر الكناري.
ورغم أن هذا الانتشار يندرج ضمن الهيكلة الدفاعية الاعتيادية للمدينتين، فإن حجمه يكتسب أهمية إضافية في ظل تداخل ملفات الضغط والهجرة غير النظامية، والمراقبة الحدودية، والخلافات السياسية بين مدريد والرباط.
وقد أعادت أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة في نهاية يوليوز تسليط الضوء على آليات المراقبة والاستجابة للتحركات الجماعية للمهاجرين.
كما فتحت الباب أمام نقاش واسع في إسبانيا بشأن جاهزية الأجهزة الأمنية، والتنسيق بين المؤسسات المختلفة، وضرورة توفير المعلومات الكافية للتعامل بشكل استباقي مع مثل هذه الأحداث.
وامتد الجدل كذلك إلى المجال القضائي، بعدما أثار التحقيق في أحداث سبتة مواجهة مؤسساتية بين مسؤولين في الحكومة الإسبانية والسلطة القضائية حول الوصول إلى المعلومات المرتبطة بالتحقيقات، وهو ما أضفى بعداً سياسياً إضافياً على النقاش بشأن الأزمة.
المغرب يعيد سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش
بالتوازي مع ذلك، شهد المغرب خلال الأسابيع الأخيرة تصريحات لعدد من أعضاء الحكومة أعادت وضع سبتة ومليلية والجزر الواقعة تحت السيطرة الإسبانية قبالة السواحل المغربية ضمن الخطاب السياسي المرتبط بالقضية الترابية.
ولا تمثل هذه المسألة جديداً في العلاقات المغربية الإسبانية، إذ تتمسك الرباط تاريخياً بمطالبتها بهذه الأراضي، في حين تعتبر مدريد أن سبتة ومليلية جزء لا يتجزأ من الأراضي الإسبانية، وبالتالي من الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وتجدد الخلاف مع تصريحات وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، الذي أكد أن قضية المدينتين ستظل حاضرة ضمن الحوار مع إسبانيا، مشيراً إلى الروابط التاريخية والجغرافية التي تربطهما، وفق الرؤية المغربية، بالمملكة، وداعياً إلى التوصل إلى حل نهائي لهذه القضية.
كما جاءت تصريحات وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، الذي أشار، بحضور الملك محمد السادس، إلى قضية استرجاع ما يُنظر إليها في الخطاب المغربي باعتبارها مناطق محتلة.
في المقابل، جددت إسبانيا موقفها الرافض لأي تشكيك في سيادتها على المدينتين، مؤكدة أن سبتة ومليلية مدينتان إسبانيتان وتشكلان، في الوقت نفسه، الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي.
خلاف حول السيادة رغم استمرار التعاون
ورغم الخلاف بشأن الوضع القانوني والسيادي للمدينتين، فإن ذلك لم يمنع استمرار التعاون بين إسبانيا والمغرب في عدد من الملفات ذات المصلحة المشتركة، ولا سيما الأمن والهجرة ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر والتبادل التجاري.
ولم تتحول التصريحات المتبادلة بشأن سبتة ومليلية، حتى الآن، إلى قطيعة في العلاقات الثنائية. فما تزال مدريد تعتبر الرباط شريكاً أساسياً في تدبير ملف الهجرة غير النظامية وتعزيز الأمن في غرب البحر المتوسط، فيما يحافظ المغرب على علاقات اقتصادية وسياسية وثيقة مع إسبانيا.
وتصاعد النقاش بعدما أكد رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أن سبتة ومليلية ستظلان إسبانيتين «إلى الأبد».
ورد وزير التجهيز والماء المغربي نزار بركة بالتأكيد على أن المغرب يعتبر إسبانيا شريكاً استراتيجياً، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الرباط لن تتراجع «ولو شبراً واحداً» عما تعتبره أراضيها.
ويعكس هذا التبادل طبيعة العلاقة المعقدة بين البلدين، حيث يتعايش التعاون المتنامي في عدد من المجالات مع استمرار خلاف جوهري حول قضية السيادة على المدينتين.
البعد العسكري والاستراتيجي
في هذا السياق، تكتسب زيارة رئيس أركان الدفاع الإسباني إلى سبتة ومليلية أهمية تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ تعكس تمسك مدريد بمواصلة الاهتمام بالمدينتين وتعزيز دعم الوحدات العسكرية المكلفة بالدفاع عنهما.
وتتمتع سبتة ومليلية بموقع جغرافي استثنائي، إذ تقعان في شمال إفريقيا وتفصلهما الأراضي المغربية عن باقي التراب الإسباني، ما يجعلهما نقطتين استراتيجيتين من الناحية العسكرية والحدودية والجيوسياسية.
ويضمن وجود آلاف العسكريين الإسبان في المدينتين قدرة دائمة على الاستجابة للتطورات الأمنية، ويشكل أحد العناصر الأساسية في منظومة الدفاع عنهما. وفي ظل ارتفاع مستوى الحساسية السياسية، تتابع السلطات الإسبانية عن كثب أي تغيرات في البيئة الأمنية المحيطة بهما.
كما يمكن قراءة زيارة لوبيث كالديرون باعتبارها رسالة على استمرار الموقف المؤسساتي الإسباني، في وقت تسعى فيه مدريد إلى منع تحول الخلاف السياسي حول السيادة على سبتة ومليلية إلى أزمة ثنائية أوسع.
علاقة تقوم على الحذر
ورغم تصاعد الخطاب السياسي بشأن سبتة ومليلية، فإن لدى إسبانيا والمغرب مصالح مشتركة تدفعهما إلى الحفاظ على قنوات الحوار.
ويشكل التعاون الحدودي والأمني والهجرة أحد أبرز ركائز العلاقات الثنائية، إلى جانب المبادلات التجارية والروابط الاجتماعية الواسعة بين البلدين.
ويتمثل التحدي بالنسبة إلى مدريد في الحفاظ على هذا التعاون، مع الاستمرار في الرد على أي ضغوط أو مطالب تمس سيادة إسبانيا على سبتة ومليلية.
أما الرباط، فتواصل إدراج القضية الترابية ضمن خطابها السياسي، مع الحرص في الوقت نفسه على استمرار قنوات التعاون مع إسبانيا.
وفي هذا السياق، تأتي زيارة رئيس أركان الدفاع الإسباني إلى المدينتين كحلقة جديدة في مسار يجمع بين الدبلوماسية والأمن والهجرة والمطالبات الترابية.
وحتى الآن، تبدو الرسالة الإسبانية واضحة: الحفاظ على الدفاع عن سبتة ومليلية والتأكيد على وضعهما كمدينتين إسبانيتين، في حين تواصل الرباط التمسك بمطالبتها التاريخية بهما.
وبين الموقفين تستمر العلاقات المغربية الإسبانية، حيث يتعايش التعاون العملي مع خلاف ترابي لم يجد بعد طريقه إلى تسوية نهائية.




