لم تكن الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026 مجرد محطة انتخابية عادية، بل شكلت اختباراً جديداً للمشهد السياسي المغربي، في ظل ترقب وطني ودولي واسع، وأسفرت عن خريطة سياسية جديدة تفتح الباب أمام مرحلة مختلفة عنوانها الأبرز: إعادة بناء الثقة، وتشكيل أغلبية حكومية جديدة، وإعادة النظر في علاقة المواطن بالعمل السياسي.
منذ الساعات الأولى لفتح مكاتب التصويت، مرت العملية في أجواء اتسمت عموماً بالهدوء والتنظيم، وانتهت في السابعة مساء، قبل أن تبدأ عمليات الفرز وإعلان النتائج.
ووفق وزارة الداخلية، جرت عملية الاقتراع في ظروف عادية وجيدة بمختلف جهات المملكة، باستثناء بعض الحالات المعزولة جداً التي لم تؤثر على سير العملية، لكن الأرقام حملت رسالة سياسية لا يمكن تجاوزها.
فقد بلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.02 في المائة، وفق البلاغ الذي أصدرته وزارة الداخلية عقب إغلاق مكاتب التصويت، مقابل 50.86 في المائة سنة 2021 و42.27 في المائة سنة 2016.
وهذا التراجع يضع المشهد السياسي أمام سؤال كبير: لماذا يبتعد جزء مهم من المواطنين عن صناديق الاقتراع؟ وكيف يمكن إعادة الاعتبار للعمل السياسي وإعادة بناء الثقة بين المواطن والأحزاب والمؤسسات؟.
ومع ذلك، ورغم هذا التراجع، تبقى نسبة المشاركة المسجلة في المغرب مرتفعة مقارنة بنسب المشاركة المسجلة في عدد من الاستحقاقات الانتخابية في دول عربية ومغاربية، من بينها تونس والجزائر.
فالمشاركة الانتخابية ليست مجرد رقم يعلن بعد إغلاق مكاتب التصويت، بل مؤشر يحتاج إلى قراءة سياسية واجتماعية عميقة.
وحين يتسع الفارق بين عدد المسجلين وعدد المشاركين، يصبح من الضروري البحث عن الأسباب الحقيقية للعزوف، بعيداً عن الاختزال أو تحميل المسؤولية لطرف واحد.
خريطة سياسية تعيد ترتيب الأوراق
أما على مستوى النتائج، فقد حافظت الأحزاب الكبرى على حضورها داخل المشهد، لكن مع تغير واضح في موازين القوة.
فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج المؤقتة بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فالعدالة والتنمية بـ54 مقعداً.
وحصلت الحركة الشعبية على 29 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26، والتقدم والاشتراكية على 19 مقعداً، فيما حصل تحالف اليسار على 8 مقاعد.
وهذه الخريطة تعني أن تشكيل الحكومة المقبلة لن يكون مجرد عملية حسابية بسيطة، بل سيحتاج إلى مشاورات سياسية دقيقة، خصوصاً أن الأغلبية الحكومية تتطلب جمع عدد كاف من المقاعد داخل مجلس النواب.
لكن اللافت في هذه النتائج هو العودة القوية لحزب العدالة والتنمية، الذي انتقل من 13 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 54 مقعداً وفق النتائج المؤقتة المعلنة، في تحول رقمي وسياسي كبير يعيد الحزب إلى واجهة المشهد البرلماني.
وهنا يمكن قراءة تجربة الحزب من زاوية أخرى: العمل السياسي لا يقاس فقط بنتيجة دورة انتخابية واحدة، وإنما أيضاً بقدرة التنظيمات السياسية على المحافظة على حضورها وإعادة بناء قواعدها واستمرارها بين الاستحقاقات.
إن الاستمرارية والمرجعية والقدرة على الحفاظ على هوية الحزب تظل عناصر مؤثرة في عمر التنظيمات السياسية، وهي ملاحظة يمكن أن تنطبق، بدرجات مختلفة، على تجارب حزبية مغربية تاريخية، وفي مقدمتها حزب الاستقلال.
المدن الكبرى تقول كلمتها.. والقرى تصنع الفارق
ولافت في قراءة النتائج الحضور القوي لحزب العدالة والتنمية في عدد من المدن والحواضر الكبرى.
وقد أظهرت المعطيات الانتخابية المتداولة تقدماً للحزب في عدد من الدوائر الحضرية، خصوصاً في طنجة ومراكش وغيرها، فيما برز حضوره كذلك في دوائر كبرى بالرباط والدار البيضاء وفاس.
وكانت مؤشرات الفرز في الساعات الأولى قد أظهرت تقدماً للحزب في عدد من الدوائر الحضرية الكبرى.
وهذا المعطى يستحق التوقف عنده وقراءته سياسياً، إذ قد يعطي انطباعاً بأن جزءاً من التصويت الحضري حمل، إلى جانب الاختيار السياسي، رسالة احتجاجية أو تصويتاً عقابياً تجاه المشهد السياسي القائم، خصوصاً في ظل النقاشات الحادة التي سبقت الاستحقاق وتراجع الثقة لدى فئات من الناخبين.
لكن في المقابل، كشفت النتائج أن القرى والمناطق القروية لعبت دوراً حاسماً في صناعة الفارق النهائي، وهو ما يبرز مرة أخرى اختلاف السلوك الانتخابي بين المجال الحضري والمجال القروي، ويؤكد أن قراءة النتائج لا يمكن أن تقتصر على الأرقام الوطنية أو المدن الكبرى وحدها.
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل انتخابات 23 شتنبر: المدن قد ترسل إشارات سياسية قوية، لكن القرى قادرة على صناعة الموازين الانتخابية.
اليسار يعود إلى الواجهة
ومن بين المعطيات التي تستحق التوقف أيضاً حضور اليسار داخل الخريطة الجديدة، من خلال النتائج التي حققها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية وتحالف اليسار.
ورغم اختلاف المرجعيات والتجارب، فإن الأرقام الجديدة تشير إلى استمرار وجود تيارات يسارية داخل المؤسسة التشريعية، بما يفتح المجال أمام إعادة تشكيل النقاش العمومي حول قضايا اجتماعية واقتصادية وحقوقية.
وهذا الحضور لا ينبغي قراءته فقط من زاوية عدد المقاعد، وإنما أيضاً من زاوية قدرة التيارات اليسارية على إعادة تقديم نفسها داخل المشهد السياسي، واستعادة جزء من الحضور الذي فقدته خلال السنوات الماضية.
مواقع التواصل كسرت قواعد اللعبة
ولعل أحد أبرز التحولات التي ميزت هذه الانتخابات كان الدور المتزايد لمنصات التواصل الاجتماعي.
فالحملة الانتخابية لم تعد محصورة في المهرجانات والاجتماعات والجولات الميدانية. فقد أصبحت المنصات الرقمية نافذة مباشرة بين المرشح والمواطن، ووفرت للأحزاب والمرشحين إمكانية الوصول إلى فئات واسعة، خصوصاً الشباب.
لقد كسرت مواقع التواصل جزءاً من المألوف في الحملات الانتخابية، وأصبح المواطن قادراً على متابعة المرشح ومساءلته والتفاعل معه بشكل مباشر، وهو تحول سيزداد تأثيره في الاستحقاقات المقبلة.
الأقاليم الجنوبية.. حضور انتخابي لافت
وفي مقابل انخفاض المشاركة على المستوى الوطني، سجلت الأقاليم الجنوبية نسب مشاركة مرتفعة، إذ بلغت 77 في المائة بجهة العيون الساقية الحمراء، و61 في المائة بجهة الداخلة وادي الذهب، و53.48 في المائة بجهة كلميم واد نون، وفق المعطيات التي أعلنها وزير الداخلية.
وهذه الأرقام تحمل دلالة سياسية ومؤسساتية بالنسبة للمغرب، خصوصاً في سياق النزاع الإقليمي حول الصحراء، إذ تعكس مستوى الانخراط الانتخابي في هذه الجهات ومشاركتها في المؤسسات المنتخبة.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية إضافية بالنظر إلى استمرار النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، وما يرتبط به من رهانات دبلوماسية وسياسية دولية.
ومن هذه الزاوية، فإن المشاركة المرتفعة في الأقاليم الجنوبية تشكل إحدى أبرز خلاصات هذه الانتخابات، سواء على المستوى الداخلي أو في سياق النقاش الدولي حول المنطقة.
انتصار للدولة.. واختبار للأحزاب
لقد مرت العملية الانتخابية، وفق المعطيات الرسمية، في ظروف عادية وجيدة، وشكلت محطة جديدة في المسار المؤسساتي والانتخابي للمغرب. لكن نجاح تنظيم الاقتراع لا يلغي الأسئلة السياسية التي أفرزتها النتائج.
فالدولة نجحت في تدبير محطة انتخابية جديدة، بينما أصبحت الأحزاب أمام اختبار مختلف: كيف تنتقل من منطق المنافسة الانتخابية إلى منطق استعادة ثقة المواطن؟.
فالعزوف لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد رقم، بل باعتباره رسالة سياسية واجتماعية تحتاج إلى قراءة عميقة.
الآن تبدأ المرحلة الأصعب
انتهت الانتخابات، وأعلنت النتائج المؤقتة، لكن السياسة لم تنته، بل يمكن القول إن المرحلة الأكثر حساسية بدأت الآن.
فبعد استكمال المسار الدستوري وتعيين رئيس الحكومة المقبل، ستبدأ مشاورات تشكيل الأغلبية الحكومية، وسيكون على الأحزاب أن تنتقل من لغة الحملات الانتخابية والمنافسة إلى لغة التفاوض والمسؤولية المؤسساتية.
وتشير البوابة الرسمية للانتخابات إلى أن المرحلة النهائية من المسار الانتخابي تتعلق بتشكيل الحكومة الجديدة بعد تعيين رئيس الحكومة.
لكن التحدي الأكبر لن يكون فقط في تشكيل الحكومة، وإنما في إعادة بناء الثقة السياسية.
فالانتخابات أفرزت مؤسسات جديدة، لكنها كشفت في الوقت نفسه استمرار مشكلة العزوف. ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الأحزاب والدولة والمجتمع المدني ليس فقط: من سيشكل الحكومة؟ بل أيضاً: كيف يمكن إقناع المواطن بأن صوته قادر على إحداث الفرق؟.
إن المغرب يدخل بعد انتخابات 23 شتنبر مرحلة سياسية جديدة، تحمل في طياتها فرصاً وتحديات في آن واحد.
والناخب المغربي قال كلمته بالصوت الذي اختاره، وبالمشاركة التي اختارها أيضاً.
أما الأحزاب، فعليها الآن أن تقرأ الرسالتين معاً: رسالة من ذهب إلى صناديق الاقتراع، ورسالة من اختار أن يبقى خارجها.
وفي النهاية، لا تتوقف الديمقراطية عند إعلان النتائج، بل تبدأ مرحلة جديدة من المسؤولية السياسية والمؤسساتية بعد إعلانها.
يتبع..




