آراءسياسة
أخر الأخبار

من الدبلوماسية إلى التسوية: الحكم الذاتي في زمن ازدواجية المسار الأممي

ما بعد القرار 2797.. السلام لا يعلن في القاعات، بل يبنى في المؤسسات

كيف يتحول الحكم الذاتي من رصيد دبلوماسي إلى تسوية نهائية، بين ازدواجية المسار الأممي وعقل استراتيجي يستبق الأزمات.

لا تفصح التحولات الكبرى في الملفات الدولية المعقدة عن نفسها دائما في منطوق القرارات، بل في الفوارق الدقيقة بين مسار وآخر، وهذا ما يعكسه قرار مجلس الامن رقم 2797 بوضوح.

فقد صاغت الولايات المتحدة مشروع قرار مجلس الأمن الذي يتبنى مبادرة الحكم الذاتي إطارا للتسوية، في حين عارضت مشروع قرار اللجنة الرابعة.

وقد يبدو الأمر تناقضا في الظاهر، لكنه في حقيقته لا ينطوي على أي تراجع أمريكي، وإنما يعبر عن اختلاف في تقدير الأدوات الأممية الأنسب والمرجعيات الإجرائية الأجدر بالاعتماد مع ثبات الغاية الاستراتيجية، وهو ما يصب في صالح الطرح المغربي.

فالاعتراض هنا إجرائي لا جوهري، يرفض استمرار الصياغات الإنشائية التقليدية المرتبطة بتصفية الاستعمار، ويمنح في المقابل دعما كاملا لمنطق التسوية السياسية الذي ما فتئ المغرب يدعو إليه.

حيث تكشف هذه المفارقة عن ازدواجية بنيوية في منظومة الأمم المتحدة ذاتها، فاللجنة الرابعة والجمعية العامة تمثلان المسار التقليدي القائم على استحضار المرجعية التاريخية وتصنيف الأقاليم والتمسك بمفردات تصفية الاستعمار ومناقشة تقرير المصير والتعبير عن مواقف الدول الأعضاء.

بينما يجسد مجلس الأمن المسار السياسي الذي يوجه مباشرة نحو تسوية واضحة المعالم، ويعطي الأولوية لمبادرة الحكم الذاتي، ويسعى إلى إنهاء النزاع بدل الاكتفاء بإدارته عبر تفاوض واقعي.

فالرهان الأممي في الوقت الراهن لا يتعلق بطي أحد المسارين لصالح الآخر، وإنما أن يلتقيا سياسيا وقانونيا التقاء يمهد للانتقال الحاسم من تدبير النزاع إلى إنهائه، وهو انتقال تجد له المقاربة المغربية سندا جاهزا، لما تقوم عليه من واقعية ووضوح في الرؤية، ولما تتيحه مبادرة الحكم الذاتي من إطار عملي ينسجم مع هذا الأفق ويفتح الطريق نحو حل نهائي ودائم.

ويعود جوهر الإشكال إلى مسألة التصنيف ذاتها، لا إلى الوقائع الميدانية وحدها، إذ إن الواقع على الأرض حسم منذ عام 1976، حين طويت صفحة الإدارة الإسبانية للإقليم إثر المسيرة الخضراء واتفاق مدريد، فمن هذه الواقعة التاريخية ينطلق الموقف المغربي السيادي في اعتبار الوحدة الترابية مكتملة ومحسومة لا تقبل المراجعة.

غير أن الأمم المتحدة ما زالت تبقي الصحراء في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، فيستمر التباين بين رواية سياسية ترى القضية منتهية وسجل أممي يعتبرها مفتوحة، وهو تباين يرى المغرب أن تجاوزه رهين بتحيين هذا السجل ليواكب الواقع، لأن التحرر من وصف “تصفية الاستعمار” لا يتحقق في تقديرنا بتبديل المفردات أو إعادة صياغة الخطاب، وإنما بتسوية سياسية نهائية تحمل المنظمة الأممية على مراجعة التكييف القانوني للإقليم رسميا.

لأن المصطلحات تأتي في نهاية المطاف ثمرة للتحولات السياسية وتابعة لها، لا سابقة عليها أو صانعة لها، وفي هذا المسار تتقدم مبادرة الحكم الذاتي بوصفها الحل الواقعي الأقدر على إحداث هذا التحول، وعلى صون الوحدة الترابية للمملكة وتأمين الاستقرار في المنطقة.

لا تقف مبادرة الحكم الذاتي المغربية عند حدود كونها رصيدا دبلوماسيا يراكم التأييد في المحافل الدولية، وإن كان هذا التأييد المتنامي دليلا على وجاهتها وعلى الثقة التي باتت تحظى بها لدى شركاء المغرب، فقيمتها الحقيقية تتجلى في قدرتها على الانتقال من خطاب يحظى بالاعتراف الخارجي إلى بناء مؤسساتي يتجسد على الأرض، وهو الرهان الذي اختار المغرب أن يخوضه بثقة.

ومن هنا تستمد المبادرة مصداقيتها من أربع دعائم متكاملة تجعل منها تسوية قابلة للاستمرار لا ترتيبا عابرا، فأولاها مسار عملي لاستقبال العائدين إلى أرض الوطن ومصالحتهم وإعادة إدماجهم، بما يعكس انفتاح المملكة وسعة صدرها، ويجعل أثر التسوية ملموسا في الحياة اليومية للساكنة بدل أن يظل نصوصا مكتوبة، وثانيتها صون الحقوق والحريات الفردية منها والجماعية، وهي السند الأخلاقي والقانوني الذي يمنح المشروع شرعيته، وينسجم مع المسار الإصلاحي الذي انخرط فيه المغرب منذ سنوات.

أما الدعامة الثالثة فهي الجهوية الديمقراطية المتقدمة، التي تشكل الإطار الترابي الذي يمنح الحكم الذاتي مضمونه التمثيلي، فيغدو سلطة تنبثق من إرادة السكان وتعبر عن تطلعاتهم، لا هيكلا شكليا فارغا، بينما تأتي الدعامة الرابعة لتشد ما سبقها بعضه إلى بعض، وهي استقلال المؤسسات وحياد القضاء، إذ بدونهما لا تقوم ثقة متبادلة بين الأطراف، ولا يتحقق للركائز الثلاث الأخرى أثر حقيقي.

وبذلك نخلص إلى أن نجاح الحكم الذاتي رهين بقدرته على أن يكون مشروعا ديمقراطيا متماسكا من الداخل، لا مجرد مكسب يُحصى في ميزان العلاقات الدولية، وهو ما يعزز جدية المقاربة المغربية وواقعيتها في سعيها إلى حل نهائي يصون الوحدة الترابية للمملكة، ويفتح أمام أبناء الأقاليم الجنوبية آفاق المشاركة والتنمية في كنف الوطن الواحد.

إننا نرى أن التقدم الدبلوماسي لا يعني في حد ذاته نهاية النزاع، غير أننا نقدر أن المغرب أحسن حين أدرك هذه الحقيقة مبكرا، فتحول هذا الإدراك إلى ميزة تحسب للدبلوماسية المغربية التي اختارت أن تستعد للامتحانات العسيرة قبل أن تباغتها، حيث لم يعد ما يسمى بعائق المخاطر التنفيذية سدا في وجه المسار التصاعدي الذي حققته المملكة، بل هو اختبار مبكر يكشف مواطن الخلل قبل أن تستفحل كلفتها، ويتيح للمغرب بما راكمه من خبرة ومصداقية، أن يعدل مساره من بدايته.

وفي هذا السياق يغدو الجمود التفاوضي حول تفاصيل مبادرة الحكم الذاتي وكيفيات تنزيلها ميدانيا مناسبة لتدقيق الصياغات وتحصين الاتفاق، فالخلاف الذي يحسم على طاولة الحوار يجنب المنطقة أزمة أشد لو أُرجئ إلى مرحلة التطبيق، ويفسح المجال أمام الأطراف لصياغة حلول أدق وأقرب إلى الواقع مما تنتجه تفاهمات متسرعة، وهو ما يؤكد جدية الطرح المغربي القائم على الواقعية والتدرج.

وبالمنطق نفسه تنقلب الحلول الجزئية من تهديد للاستدامة إلى لبنات تمهيدية في بناء الحل النهائي، إذ توفر التفاهمات المؤقتة استقرارا أوليا ومساحة هدوء تسمح بمعالجة الجذور بأناة، وتراكم رصيدا من الثقة يجعل الخطوات الكبرى أيسر وأقل كلفة، على أن تفهم باعتبارها محطات في طريق واضح المعالم لا غاية نهائية في ذاتها.

أما غياب الضمانات وضعف آليات بناء الثقة ومراقبة التنفيذ خلال المراحل الانتقالية، فيدعو إلى ابتكار منظومة متينة للمتابعة والتحقق، تجعل من كل مرحلة انتقالية ميدانا يبرهن فيه المغرب على صدق التزامه ويرسخ مصداقية مبادرته، وبذلك تتحول المخاطر الثلاثة كلها إلى مداخل لبناء تسوية أرسخ جذورا، لأن التسوية التي تجتاز الاختبار المبكر تخرج منه أصلب عودا وأقدر على البقاء، وهو ما يعزز وجاهة المقاربة المغربية في سعيها إلى حل نهائي يصون الوحدة الترابية للمملكة ويؤمن الاستقرار لعموم المنطقة.

وتنطلق المقاربة المغربية في مواجهة هذه المخاطر من قناعة راسخة بأن حماية السيادة وبناء المستقبل لا يقوم بهما نمط واحد من الذكاء، بل يحتاجان إلى اقتران نمطين يكمل أحدهما الآخر، فمن جهة يضطلع الذكاء الدولتي بصون أسرار الأمن الوطني وضمان استمرارية الدولة وحراسة مصالحها الحيوية وما تقتضيه السيادة من كتمان، وهو بذلك يجسد الحرص المغربي على ثوابت الدولة ومؤسساتها العريقة، ومن جهة أخرى يحتضن الذكاء الوطني ذاكرة المجتمع المغربي بما تراكم فيها من خبرات أكاديمية ومدنية وتشاركية، ويصون حقوق الأجيال القادمة، فيجعل المجتمع شريكا فاعلا في صياغة القرار لا متلقيا له.

وفي نقطة التقاء هذين الذكاءين يتشكل ما يمكن وصفه بالاقتدار الاستراتيجي، وهو الإضافة التي يقدمها النموذج المغربي حين ينظم التعدد ويوجهه لخدمة المصلحة العليا بدل أن يتركه مصدر تشتت، وبهذا تتحول السيادة من موقف دفاعي إلى قوة منتجة، تستشرف المستقبل وتستبق الأحداث بدل انتظارها، وتبني مستقبلها على المعرفة والاستباق، وهو ما يعكس رؤية المغرب لنفسه فاعلا يصوغ مآلات قضيته الوطنية بثقة ومبادرة، لا طرفا ينتظر ما تفرضه الظروف.

يمثل المجلس الأعلى للأمن، الذي أقره الفصل 54 من الدستور، المحطة المؤسساتية التي يلتقي عندها الذكاء الدولتي بالذكاء الوطني، فيتحول التكامل بين النمطين من فكرة نظرية إلى هيئة قائمة تمارس اختصاصها في قلب منظومة القرار، حيث اختار المغرب أن يجعل منه إطارا للحكامة الاستراتيجية، لا يكتفي بمعالجة الأزمات بعد أن تقع وتستفحل كلفتها، بل يتقدم عليها برصد المؤشرات المبكرة وقراءة التحولات قبل أن تفرض نفسها على الجميع.

وبهذا ينتقل التدبير الوطني من منطق رد الفعل الذي يلاحق الأحداث إلى ثقافة الاستباق التي تسبقها وتصنع شروط التحكم فيها، وفي ذلك دليل على نضج التجربة المغربية وقدرتها على تحصين مكتسباتها الكبرى، وفي مقدمتها الوحدة الترابية، بمؤسسة دستورية راسخة تجمع بين صرامة حماية السيادة وانفتاح التحليل المعرفي، وتخدم مسعى المملكة إلى حل نهائي ومستدام لقضيتها الوطنية.

وتتوزع وظيفته على أربعة أبعاد متكاملة، تنطلق من كونها هيئة دستورية عليا للتشاور بشأن استراتيجيات الأمن الداخلي والخارجي، لا مجرد إطار إداري مضاف إلى ما سبقه، وتركيبته مندمجة تضم وزراء وبرلمانيين وأمنيين وقضاة وخبراء، بما يضمن وحدة القرار وتعدد الخبرة معا، ويقيم موازنة رشيدة بين حماية أسرار السيادة وتوسيع قاعدة التحليل التشاركي، ويحدث تحولا في الثقافة المؤسساتية من رد الفعل إلى استشراف التحولات وتقييم المخاطر، وهذا التصور يعكس نضج التجربة المغربية وقدرتها على تحصين مكتسباتها الوطنية، ومنها قضية الوحدة الترابية بأدوات مؤسساتية راسخة.

ونؤمن أن هذا البناء لن يستقيم دون امتلاك مفهوم موسع للأمن، إذ لم يعد الأمن الوطني في الرؤية المغربية محصورا في المواجهة العسكرية، بل اتسع ليشمل أبعادا متداخلة تحمي ما تحقق من مكاسب دبلوماسية.

فهناك الأمن التقليدي الذي يعنى بالاستقرار العسكري وحماية الحدود، والأمن القضائي والحقوقي القائم على استقلال العدالة وصيانة الحريات، والأمن الاجتماعي والاقتصادي الذي يحارب الهشاشة ويدمج الساكنة في مسار التنمية، والأمن المعلوماتي الذي يحمي البيانات ويصنع الرواية الاستراتيجية في مواجهة محاولات الاختراق، والأمن التاريخي الذي يقي المكتسبات من التآكل وسوء التدبير.

وبهذه الأبعاد مجتمعة تتحول الحماية من رد فعل دفاعي إلى منظومة متكاملة تخدم مبادرة الحكم الذاتي، وتؤمن استقرار الأقاليم الجنوبية وازدهارها في كنف الوطن الواحد.

وتتلخص الرؤية في سلم من أربع درجات يحول الدعم الدبلوماسي إلى تسوية مستدامة، على أساس الرصيد الدبلوماسي المتمثل في قرارات مجلس الأمن واعتراف القوى الكبرى بمصداقية مبادرة الحكم الذاتي، يليه البناء الداخلي بتفعيل الجهوية المتقدمة واستقلال القضاء وإرساء مؤسسات حقوقية ديمقراطية ذات مصداقية.

ثم العقل الاستراتيجي المحرك الذي يجسده المجلس الأعلى للأمن حين يدمج الذكاء الدولتي بالذكاء الوطني التشاركي والاستباقي، وصولا إلى القمة التي تتمثل في إنهاء التصنيف الأممي المرتبط بتصفية الاستعمار، وتحصين الوحدة الترابية بحل سياسي ومؤسساتي نهائي ومستدام.

وخلاصة ذلك أن الاعتراف الدولي رأسمال يضيع إن لم يستثمر في الداخل، وأن الانتقال من إدارة النزاع إلى تسويته النهائية لا تصنعه البلاغة الدبلوماسية، بل مؤسسات قادرة على الاستباق ومبادرة تستمد مصداقيتها من الميدان، وهو ما يجعل المقاربة المغربية، بما تجمعه من واقعية ورؤية استشرافية، الطريق الأجدر بالوصول إلى الحل المنشود.

https://anbaaexpress.ma/1q7m1

عبد الوهاب الكاين

رئيس منظمة «أفريكا ووتش»، كاتب صحفي وباحث في مجال حقوق الإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى