آراء
أخر الأخبار

بلاء الوجود في مزرعة الأنواع

في مزرعة الأنواع البشرية توجد أنواع أخرى يسكن إليها طالب التعالي في الوجود، هم الأوتاد، وهم الأمل في غابة مرعبة من الأنواع..

لو كان العالم كله معني بالمنطق والحقيقة لكان العيش فيه أقل كلفة من التدافع الرهيب والحروب الشنيعة، فداخل النوع توجد أنواع، ولا أفضل من العودة للمفاهيم، فهي تختصر المسافة وتذكي الصواب.

في نحت قديم لمفهوم التخارج النوعي، كانت الغاية عندي هي التأسيس لنمط آخر من الكثرة في عين الوحدة، وعلى عكس ما هو مثبت في الحكمة المتعالية (الوحدة في عين الكثرة)، المقصود هنا أن داخل ما يبدو نوعا واحدا ثمة كثرات، وهذه الكثرات لا تلغي وحدة الجوهر. فالتخارج النوعي لا ينفي جوهر البشرية وإن تدانت، ولكنه يفقدها امتياز الإنسانية.

وحده البشر يملك هذا التخارج النوعي برسم إنسانيته، لأنه وحده مختار بين أن يكون حيث ينبغي وحيث لا ينبغي، ولكن ليست له الخيرة في دفع التبعات التكوينية لتخارجه النوعي.

بين صعود النوع وانحداره، تتكاثر أنواع البشر، وتتماهى مع أنواع أخرى فيما أسميه بمبدأ المشاركة الانطولوجي. وهو مفهوم محصل من تركيب مفهومين: مبدأ المشاركة لدى ليف بروهل، ومفهوم التخارج النوعي ببعده الانطولوجي، حيث في كل مرتبة من مراتب الوجود الأدنى تتضاعف كدورة الوجود وتستدعي صورة نوع من الأنواع، غالبا هي من سباع الأرض وهوامها.

وما معضلة الأنام إلا أنهم يتعاملون على أساس النوع الواحد، مما يدعوهم للصدمة الناتجة عن جهلهم بتكاثر الأنواع فيما يبدو للوهلة الأولى أنه نوع واحد.

تبدو الاستقامة النوعية في عالم البشر معضلة وجودية، لأن قدر هذا الكائن أن لا يستقر على مرتبة إلا بمجاهدة وجودية. فهو معرض للتداني متى تخلى عن مسؤوليته في التعالي بالوجود وفي الوجود.

فالانسانية ليست معطى في بشريته، بل هي مكتسبة برهق في الوجود، بل هي المسؤولية الاعظم في الوجود: أن تكون إنسانا أو لا نكون!.

يحصل أننا في عالم البشر نشقى، حين نخطيء طبائع البشر في حالتي التداني والتعالي، ليسوا سواء في الوجود. ولأن كل مرتبة تتلبس بما لا ينبغي لها من أنواع، طبقا لمبدأ المشاركة الانطولوجي، فإن علم النفس البشري يتطلب وعيا بالتخارج النوعي، مما يجعل التحليل النفسي غير كافي لاستيعاب الطبيعة البشرية تشخيصا وعلاجا، إن المسجى على كرسي الصابر، يقتضي من الطبيب في الحياة اليومية معرفة بطبائع الأنواع ومهارة في استيعاب أحوالها.

يتطلب الوضع شكلا من البيطرة السيكولوجية للأنواع، تكون مهمة التشخيص الأولى هي تحديد النوع والمرتبة. فانظر تجد نفسك وسط مزرعة الحيوانات، وليكن التحدي الأعظم أن تكون إنسانا في شروط قاسية من التخارج النوعي مكلفة.

ومع ذلك، فإن فرص التعالي بالنوع كثيرة: كلمة طيبة، إسعاد النظير والوفاء، تحصيل النقاء والبراءة، التحرر من الحقد، فثمة في عالم التداني ما يدعوا للاستنزاف، ذئاب ضارية، أوعية حقد لو أنها صرفت طاقتها السالبة في تحصيل إنسانيتها لفازت بما هو أنفع وأمكث في الأرض، ولكنه شقاء التخارج النوع.

لكن وفي مزرعة الأنواع البشرية توجد أنواع أخرى يسكن إليها طالب التعالي في الوجود، هم الأوتاد، وهم الأمل في غابة مرعبة من الأنواع. وهكذا فهم فرصة لاستئناف التعالي في الوجود.

يكمن التحدي هنا في أن مكر المتداني في الوجود يبز المتعالي باللغة نفسها، من خلال امتلاكه لهذا المشترك اللفظي في حاق البشرية.

وحيث ليست كل المراتب في التعالي تملك حدس الوجود الثر، فبعض المراتب هي على سبيل النجاة، وبعضها غير مكتمل المقام، فإذا ما ارتقت نظرت من حيث هي في شروطها من التخارج عالية، فتكون “بصيرتها” حديد ومعرفتها حضورية.

يتدانى النوع حتى لم يعد له من روابط البشرية سوى معجم لفظي تتساوى به ومعه وفيه الأدلة على الحسن والقبح الذاتيين. فإن أدركت هذه الحقيقة، فاعلم أن حال الأنواع البشرية تدعوا للشفقة، فهي مأخوذة في تدانيها، في سقوط حر في كدورة الوجود المتداني.

شيء واحد ينقذ الأنواع ويسهل عليها التماس التعالي، هو الشجاعة من أجل الوجود، امتلاك قيمة واحدة تكون صلبة، يستعيد بها النوع سائر القيم، فيتعالى.

تبدأ مسيرة التعالي بممارسة الخير الوجودي والوعي به. فشكر التموجد يتجلى في الفعل الخير. وعدم احتقار الفعل الخير مهما قل، لأن الخير ينمو بفعله. أنت في الوجود مسؤول عن مرتبتك. وشكر نعمة التموجد هي في التعالي في الوجود بالوجود.

لا يهم الذهول والغفلة عند فقد مراتب الوجود، بل المهم هو استئناف التعالي في كدح به، وبه فقط، تتحقق البلغة فتلاقيه.

لا يوجد اعتراف في الوجود المتداني، فالأنواع تلتقي في معجم واحد، وهو إخفاء التداني حتى لحظة التشويش على طلاب التعالي. وهذا هو بلاء الوجود في مزرعة الأنواع.

https://anbaaexpress.ma/wun02

إدريس هاني

باحث ومفكر مغربي، تنصب إهتماماته المعرفية في بحث قضايا الفكر العربي، أسئلة النهضة والإصلاح الديني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى