إقتصاددولي
أخر الأخبار

النفط يقترب من 100 دولار: الأسواق تستعد لصدمة اقتصادية جديدة

أصبحت المخزونات العالمية أقل من 7.9 مليارات برميل، وهو أدنى مستوى منذ أبريل 2025. وتحذر الوكالة من أن مخزونات الطوارئ والهوامش المتاحة لامتصاص صدمات جديدة تتآكل بسرعة..

دة. روضة المعلاوي

لم يعد اقتراب سعر النفط من حاجز 100 دولار للبرميل مجرد تطور في أسواق الطاقة. هذه المرة، يتحرك النفط في قلب معادلة اقتصادية أوسع، تتقاطع فيها اضطرابات الإمدادات مع التضخم، وأسعار الفائدة، والأسواق المالية، والنمو العالمي.

في 8 سبتمبر، اقترب خام برنت من عتبة 100 دولار، وسجل خلال التداولات نحو 99.34 دولارًا للبرميل، في وقت تصاعدت فيه الهجمات على منشآت الطاقة السعودية واستمرت الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز. وفي اليوم نفسه، تراجع S&P 500 بنسبة 0.58%، وداو جونز بنسبة 1.18%، وناسداك بنسبة 0.32%، بينما ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى مستويات تقارب 4.8%، في انعكاس مباشر لمخاوف المستثمرين من عودة الضغوط التضخمية.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

فالسوق لا تخشى الرقم 100 بحد ذاته، بقدر ما تخشى أن يتحول هذا الرقم إلى مستوى مستدام، وأن ينتقل ارتفاع النفط من سوق الطاقة إلى كلفة النقل والإنتاج والغذاء، ثم إلى التضخم وأسعار الفائدة والأسهم والسندات.

أرقام وكالة الطاقة الدولية تكشف حجم الاختلال

أحدث تقرير لسوق النفط صادر عن وكالة الطاقة الدولية IEA يقدم صورة أكثر دقة من مجرد متابعة سعر البرميل.

فالوكالة تتوقع أن ينخفض الطلب العالمي على النفط خلال 2026 بنحو 1.6 مليون برميل يوميًا، نتيجة اضطرابات مضيق هرمز وارتفاع أسعار الوقود. وفي المقابل، ارتفع الإنتاج العالمي في يوليو إلى 101.5 مليون برميل يوميًا، لكنه ظل أقل بنحو 6.3 ملايين برميل يوميًا من مستواه قبل عام.

والأكثر إثارة للقلق أن نحو 8.3 ملايين برميل يوميًا من إنتاج الخليج ظل متوقفًا وفق تقديرات الوكالة.

هذه الأرقام تكشف مفارقة مهمة: العالم لا يعاني من انفجار في الطلب على النفط، وإنما من صدمة في جانب العرض والقدرة على إيصال النفط والمنتجات النفطية إلى الأسواق.

ولهذا فإن انخفاض الطلب لا يكفي وحده لتهدئة الأسعار.

410 ملايين برميل خرجت من المخزونات

ربما يكون الرقم الأكثر أهمية في تقرير وكالة الطاقة الدولية هو المخزونات.

فالمخزونات النفطية العالمية المرصودة انخفضت في يوليو وحده بنحو 69 مليون برميل. ومنذ بداية الحرب، بلغ السحب التراكمي نحو 410 ملايين برميل، أي بمعدل متوسط يبلغ 2.7 مليون برميل يوميًا.

وبنهاية يوليو، أصبحت المخزونات العالمية أقل من 7.9 مليارات برميل، وهو أدنى مستوى منذ أبريل 2025. وتحذر الوكالة من أن مخزونات الطوارئ والهوامش المتاحة لامتصاص صدمات جديدة تتآكل بسرعة.

وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية.

فالاحتياطي ليس مجرد رقم محاسبي. إنه وسادة الأمان التي تمنع الصدمة الجيوسياسية من التحول إلى أزمة اقتصادية مباشرة.

كلما انخفضت المخزونات، أصبح السوق أكثر حساسية لأي حادث جديد: هجوم على ناقلة، توقف مصفاة، إغلاق ميناء، أو انخفاض إضافي في حركة الملاحة.

أزمة النفط أصبحت أزمة تكرير أيضًا

ولا تتوقف المشكلة عند الخام. تظهر الضغوط بشكل أكثر وضوحًا في سوق المنتجات المكررة، خصوصًا الديزل ووقود الطائرات والبنزين.

وفق وكالة الطاقة الدولية، بلغ إنتاج المصافي العالمي في يوليو نحو 80.9 مليون برميل يوميًا، أي أقل بنحو 5 ملايين برميل يوميًا من مستوى العام السابق.

كما ارتفعت هوامش تكرير الديزل والوقود النفاث والبنزين في حوض الأطلسي إلى مستويات قياسية، بينما تراجعت تجارة المنتجات النفطية المنقولة بحرًا بنحو 3.8 ملايين برميل يوميًا على أساس سنوي.

والأكثر دلالة أن صادرات الديزل من روسيا والشرق الأوسط وآسيا انخفضت بنحو 1.3 مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل نحو 20% من التجارة العالمية المنقولة بحرًا، في حين انخفضت صادرات وقود الطائرات من هذه المناطق بنحو 670 ألف برميل يوميًا، أو ما يعادل 34% من التجارة العالمية.

وهذا يعني أن السوق قد تواجه مشكلة في الوقود الذي يحتاجه الاقتصاد حتى قبل أن تواجه نقصًا مماثلًا في الخام نفسه.

ومن هنا يمكن فهم الارتفاع الكبير في أسعار الديزل.

فالديزل ليس مجرد وقود للنقل، إنه عنصر أساسي في الشحن، والزراعة، والصناعة، وسلاسل التوريد.

لذلك فإن ارتفاعه يمثل ضريبة غير مباشرة على الاقتصاد العالمي.

مضيق هرمز: نقطة الاختناق التي لا يمكن تجاهلها

تزداد حساسية الوضع عندما ننظر إلى مضيق هرمز.

بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية EIA، انخفض متوسط تدفقات النفط والسوائل النفطية عبر المضيق إلى نحو 4.9 ملايين برميل يوميًا في الربع الثاني من 2026، مقارنة بنحو 21.6 مليون برميل يوميًا في الربع الرابع من 2025 قبل اندلاع الصراع.

وفي يوليو، قدرت الوكالة متوسط توقف الإنتاج بنحو 5.5 ملايين برميل يوميًا. كما تفترض في توقعاتها أن تبقى حركة النفط عبر هرمز مقيدة بشدة، وأن تستغرق عودة أنماط الإنتاج والتجارة إلى مستويات ما قبل الأزمة حتى بداية 2027 في السيناريو الأساسي.

أما وكالة الطاقة الدولية فتشير إلى أن صادرات الخليج، بما فيها المسارات التي تتجاوز هرمز، انخفضت في يوليو إلى نحو 15 مليون برميل يوميًا، بعد أن كانت التحميلات قد بلغت نحو 20 مليون برميل يوميًا في بداية الشهر، قبل أن تتراجع إلى نحو 12 مليون برميل يوميًا لاحقًا.

المشكلة أن البدائل محدودة.

وتقدر وكالة الطاقة الدولية الطاقة المتاحة حاليًا عبر خطوط الأنابيب التي يمكنها تجاوز هرمز بنحو 3.5 إلى 5.5 ملايين برميل يوميًا فقط، أساسًا عبر السعودية والإمارات.

أي أن العالم يستطيع تخفيف الصدمة، لكنه لا يستطيع بسهولة استبدال المضيق.

السوق تدخل منطقة العجز

الأرقام تصبح أكثر وضوحًا عند النظر إلى ميزان السوق.

تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يسجل سوق النفط العالمي عجزًا بنحو 1.8 مليون برميل يوميًا في الربع الثالث من 2026، أي أكثر من ضعف تقديرها السابق البالغ نحو 800 ألف برميل يوميًا.

وفي الوقت نفسه، تتوقع الوكالة أن ينخفض المعروض العالمي خلال 2026 بنحو 4.3 ملايين برميل يوميًا في المتوسط، إلى نحو 102 مليون برميل يوميًا، قبل أن يرتفع بقوة في 2027 إذا عادت التدفقات إلى طبيعتها.

وهنا يصبح السؤال الاقتصادي أكثر تعقيدًا: إذا كان الطلب ينخفض، فلماذا لا تنخفض الأسعار؟

لأن السوق لا تسعّر الطلب فقط. إنها تسعّر المخاطر، والمخزونات، والقدرة على التكرير، وحركة الناقلات، والطاقة الاحتياطية، واحتمال استمرار الأزمة.

النفط والأسواق المالية: انتقال الصدمة بدأ بالفعل

في الأسواق المالية، بدأت العلاقة تظهر بوضوح.

في 8 سبتمبر، تراجعت الأسهم الأميركية مع اقتراب النفط من 100 دولار، وسط مخاوف من أن يؤدي ارتفاع الطاقة إلى إعادة إشعال التضخم قبل صدور بيانات أميركية مهمة للأسعار.

وتراجع مؤشر S&P 500 بنسبة 0.6% تقريبًا، وداو جونز بنحو 1.2%، وناسداك بنحو 0.3%، بينما اقترب عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات من 4.8%.

وهذه ليست مجرد حركة يومية في البورصة.

المستثمرون يحاولون تسعير سؤال أكبر: هل سيؤدي النفط المرتفع إلى إعادة التضخم إلى الواجهة، وبالتالي إلى بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن تكلفة الاقتراض ترتفع، والاستثمار يصبح أكثر كلفة، وتتعرض الشركات ذات الهوامش الضيقة لضغط أكبر، بينما تتراجع شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر.

وهكذا ينتقل النفط من سوق السلع إلى سوق السندات والأسهم والعملات.

البنوك المركزية أمام معادلة صعبة

ارتفاع النفط يضع البنوك المركزية أمام معضلة معروفة ولكنها شديدة الصعوبة: التضخم يرتفع، بينما النمو يتعرض للضغط.

رفع الفائدة لمواجهة التضخم قد يؤدي إلى إبطاء الاقتصاد أكثر.

لكن خفض الفائدة بينما ترتفع أسعار الطاقة قد يسمح بترسيخ موجة تضخمية جديدة.

وهذا ما يجعل صدمة النفط مختلفة عن صدمات الطلب التقليدية.

فإذا ارتفع النفط بسبب قوة الاقتصاد، فإن الشركات تستطيع في بعض الأحيان تمرير التكلفة إلى المستهلك ضمن بيئة نمو قوية.

أما إذا ارتفع بسبب حرب واضطرابات في الإمدادات، فإن الاقتصاد يحصل على تكلفة أعلى من دون زيادة موازية في الإنتاج.

وهنا يظهر خطر ما يسمى بالصدمة التضخمية المصحوبة بتباطؤ النمو.

الصين تمثل أحد أهم هوامش الأمان

هناك عامل آخر يمنع السوق حتى الآن من الانفلات الكامل، وهو الصين.

فوفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغت تقديرات المخزونات الاستراتيجية الصينية نحو 1.492 مليار برميل في الربع الثاني من 2026، مقابل نحو 1.397 مليار برميل في الربع الرابع من 2025.

كما أن تباطؤ الطلب الصيني يوفر للسوق العالمية مساحة تنفس إضافية. لكن هذه المساحة ليست مضمونة إلى الأبد.

فإذا عادت الصين إلى شراء النفط بقوة في الوقت الذي تبقى فيه صادرات الخليج مقيدة، فإن السوق ستواجه عاملين في الاتجاه نفسه: إمدادات محدودة وطلب آسيوي أقوى.

وعندها يمكن أن تصبح عتبة 100 دولار أكثر من مجرد رقم نفسي.

هل 120 دولارًا هو السيناريو التالي؟

بعض المحللين بدأوا بالفعل في طرح سيناريوهات تتجاوز 100 دولار.

وتشير تقارير مالية دولية إلى أن استمرار تعطّل الإمدادات واتساع الهجمات على السفن والبنية التحتية النفطية يمكن أن يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى، مع تقديرات تصل إلى نحو 120 دولارًا للبرميل إذا طال أمد اضطرابات الإمدادات.

لكن الوصول إلى هذا المستوى ليس السيناريو الوحيد.

هناك أيضًا سيناريو معاكس: إذا هدأت التوترات، وعادت حركة هرمز، واستؤنف الإنتاج المتوقف، فإن السوق يمكن أن تشهد تصحيحًا سريعًا.

وهذا ما تؤكده توقعات EIA، فهي ترى أن استعادة التدفقات وعودة الإنتاج المتوقف يمكن أن تدفع برنت إلى متوسط يقارب 78 دولارًا في الربع الرابع من 2026، بعد متوسط متوقع عند نحو 85 دولارًا في الربع الثالث.

إذن السوق أمام احتمالين متناقضين تمامًا: التطبيع الجيوسياسي قد يخفض الأسعار بسرعة، بينما استمرار الاضطرابات قد يدفعها إلى ما فوق 100 دولار.

المشكلة ليست 100 دولار.. بل مدة البقاء فوقها

لهذا فإن اختزال الأزمة في سؤال “هل سيصل النفط إلى 100 دولار؟” قد يكون مضللًا.

فالاقتصاد العالمي يستطيع تحمل قفزة مؤقتة في الأسعار أكثر مما يستطيع تحمل سعر مرتفع ومستقر لأشهر.

إذا بقي النفط عند 100 دولار، واستمرت أسعار الديزل مرتفعة، وتراجعت المخزونات، وظلت المصافي تواجه نقصًا في الخام والمنتجات، فإن التأثير سينتقل تدريجيًا إلى كل سلسلة القيمة الاقتصادية.

وإذا ارتفع إلى 120 دولارًا واستمر عنده، فإن المسألة تصبح مختلفة تمامًا: تضخم أعلى، فائدة أكثر تشددًا، استثمار أضعف، هوامش شركات أقل، ونمو عالمي أكثر هشاشة.

سوق النفط تعيد تعريف مفهوم أمن الطاقة

ما يحدث اليوم يعيد أيضًا تعريف مفهوم أمن الطاقة.

لم يعد أمن الطاقة يعني فقط امتلاك حقول النفط والغاز.

إنه يعني القدرة على حماية الممرات البحرية، والموانئ، وخطوط الأنابيب، والمصافي، والمخزونات، وسلاسل النقل، والبنية التحتية الحيوية.

ولهذا فإن مضيق هرمز أصبح في هذه الأزمة أكثر من مجرد ممر بحري. إنه أصبح أحد أهم المتغيرات التي تحدد اتجاه التضخم والأسواق العالمية.

كما أن الهجمات على المصافي والمنشآت النفطية الروسية والسعودية تؤكد أن نقطة الاختناق لم تعد دائمًا في الحقل النفطي، بل قد تكون في المصفاة أو الميناء أو الناقلة أو الطريق الذي يحمل البرميل إلى السوق.

وهذه هي الجغرافيا الاقتصادية الجديدة للطاقة.

الخلاصة: السوق تسعّر الخوف قبل البرميل

النفط يقترب من 100 دولار، لكن الرقم وحده ليس هو القصة.

القصة الحقيقية هي أن العالم يدخل مرحلة تتآكل فيها المخزونات، وتتقلص فيها هوامش الأمان، وتتراجع قدرة المصافي على تلبية الطلب على المنتجات، بينما تظل حركة التجارة عبر أهم ممرات الطاقة في العالم عرضة للصدمات.

وفي الوقت نفسه، بدأت الأسواق المالية بالفعل في إعادة تسعير مخاطر التضخم والفائدة والنمو.

لذلك فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: هل سيصل النفط إلى 100 دولار؟

بل: هل يستطيع الاقتصاد العالمي تحمل 100 دولار للبرميل لفترة طويلة؟

فالـ100 دولار قد تكون مجرد عتبة نفسية في سوق النفط.

لكن إذا تحولت إلى سعر مستدام، فقد تصبح عتبة اقتصادية تفصل بين مرحلة ارتفاع الأسعار ومرحلة صدمة عالمية جديدة.

وفي النهاية، السوق لا تسعّر برميل النفط وحده، إنها تسعّر كلفة الحرب، ومخاطر الممرات البحرية، ونقص المخزونات، ومستقبل التضخم، وقرارات البنوك المركزية، وثقة المستثمرين في الاقتصاد العالمي.

وهنا تحديدًا تكمن خطورة اللحظة الراهنة: المشكلة ليست أن النفط اقترب من 100 دولار، بل أن العالم قد لا يملك هذه المرة القدر نفسه من الوسائد التي تحميه إذا استمر الارتفاع.

* استاذة العلاقات الدولية والدبلوماسية وخبيرة الشؤون الاقتصادية والأمن الطاقي بمركز جنيف للدراسات السياسية

https://anbaaexpress.ma/2sk3d

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى