ليست أخطر الخرائط تلك التي ترسمها الجيوش بعد انتهاء الحروب، بل تلك التي تُنشر بينما الحرب مستمرة، فيعتاد الناس شكلها قبل أن تصبح واقعاً.
الخريطة التي نشرتها وزارة الخارجية الإسرائيلية في سياق منشور دعائي عن سوء التغذية في الشرق الأوسط ليست، بالنسبة إلى لبنان، مجرد رسم رديء أو خطأ غرافيكي يمكن تجاوزه بابتسامة موظف علاقات عامة.
لبنان فيها مبتور من جنوبه. والمفارقة أن البتر يأتي فيما تحتل إسرائيل فعلياً أراضي لبنانية خلف ما تسميه «الخط الأصفر»، وتمنع عشرات الآلاف من العودة إلى قرى، وتهدم بلدات داخل المنطقة التي تريد تحويلها إلى حزام أمني دائم.
هنا تحديداً يصبح الخطأ في الخريطة أكثر من خطأ.
لأن الجغرافيا المبتورة على الشاشة تشبه، على نحو مخيف، الجغرافيا التي تصنعها الجرافة على الأرض.
والأخطر أن لبنان، في اللحظة نفسها، يفاوض.
منذ أشهر تُباع للبنانيين المفاوضات مع إسرائيل باعتبارها الطريق الواقعي لوقف الحرب، واستعادة الأرض، وإعادة الأهالي إلى قراهم.
وفي 26 حزيران وُقّع في واشنطن «اتفاق الإطار» الثلاثي، وقالت السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض يومها إنه «خطوة أولى» لاستعادة السيادة ووحدة الأراضي.
لكن إسرائيل قالت شيئاً آخر أكثر وضوحاً: الانسحاب مرتبط بشروطها، فيما أكد بنيامين نتنياهو استمرار الوجود الإسرائيلي في «المنطقة الأمنية».
وماذا حدث بعدها؟
استمر الاحتلال. واستمر الهدم. واستمرت التفجيرات.
قبيل مفاوضات روما الأخيرة، لم تقدم إسرائيل «بادرة حسن نية»، بل صعّدت عمليات التفجير في الجنوب. وتحدثت تقارير ميدانية عن استخدام نحو 700 طن من المتفجرات في عمليات تدمير قالت إسرائيل إنها تستهدف أنفاقاً، إلى درجة أن سكان دير ميماس والنبطية شعروا باهتزازات شبيهة بالزلازل. وفي 6 آب انتهت جولة روما من دون تحقيق المطلبين اللبنانيين الأساسيين: وقف النار والانسحاب.
بعد كل هذا، ماذا بقي من تعريف «نجاح المفاوضات»؟
المشكلة ليست لغوية. إسرائيل لا تريد تسمية المنطقة التي تحتلها احتلالاً، تسميها «منطقة أمنية»، ويرسمها الخطاب المتداول خلف «الخط الأصفر».
لكن تحقيقاً ميدانياً نشرته The National في نيسان كشف ما يعنيه ذلك عملياً: قرى لا يستطيع أهلها العودة إليها، عمليات هدم واسعة، قوات إسرائيلية تتمركز عند مداخل بلدات، ومنطقة عازلة يتواصل داخلها تفريغ القرى وتدميرها.
ونقل التحقيق عن سكان برعشيت أنهم يشاهدون أرضهم وبيوتهم تُدمر من بعيد، ولا يستطيعون الوصول إليها. كما أشار إلى تمسك إسرائيل بما سمّاه وزير دفاعها نموذج «رفح وبيت حانون» في التعامل مع المنطقة.
وهنا يصبح السؤال موجهاً إلى بيروت، لا تل أبيب.
ماذا تفعل السلطة اللبنانية؟
لا يمكن تحميل إسرائيل مسؤولية كونها إسرائيل ثم إعفاء الدولة اللبنانية من مسؤولية كونها لا تتصرف كدولة.
إذا كانت إسرائيل تقصف أثناء المفاوضات، وتحتل أثناء المفاوضات، وتهدم القرى أثناء المفاوضات، وتمنع أصحاب الأرض من العودة أثناء المفاوضات، ثم تنتهي جولات التفاوض من دون وقف للنار أو انسحاب، فالمشكلة لم تعد فقط في تعنت المفاوض الإسرائيلي.
المشكلة أصبحت في منهج التفاوض اللبناني نفسه.
لأن التفاوض الذي لا يملك صاحبه القدرة حتى على تعليق الجلسات، حين يواصل خصمه تفجير أرضه، يتحول من أداة لاستعادة السيادة إلى إدارة سياسية لمراحل فقدانها.
والمشهد لا يقف عند المنازل.
في الجنوب، الأرض الزراعية ليست تفصيلاً اقتصادياً. والزيتونة ليست مجرد رقم في إحصاء وزارة الزراعة. إنها وثيقة ملكية حية، وعمر عائلة، وعلاقة بين الإنسان وأرضه أقدم من معظم الحدود الحديثة.
لذلك فإن تجريف الحقول واقتلاع الأشجار وتخريب الأراضي، حيث يجري توثيقه، يجب ألا يُقرأ بوصفه «أضراراً جانبية». عندما يُمنع صاحب الأرض من العودة، ويُهدم بيته، وتُدمّر البنية التي تسمح له بالحياة من أرضه، فنحن أمام سؤال يتعلق بإمكان العودة نفسها.
يمكن إعادة بناء منزل خلال عامين.
أما زيتونة عمرها مئات السنين، فلا يعيدها مؤتمر باريس ولا قرض من البنك الدولي.
وهكذا تصبح الجرافة سلاحاً ديموغرافياً بقدر ما هي آلة هندسية.
وهنا نصل إلى الجزء الأكثر إحراجاً.
ندى حمادة معوض، التي عُينت سفيرة للبنان في واشنطن بقرار مجلس الوزراء في حزيران 2025، أصبحت لاحقاً في قلب المسار التفاوضي المباشر مع إسرائيل، شاركت في الاتصال الأول، ثم الاجتماعات المباشرة، ووقعت الاتفاق الإطاري في واشنطن.
وفي الكواليس اللبنانية يُطرح منذ تعيينها اسم المصرفي أنطون الصحناوي ودوره ونفوذه في وصولها إلى واشنطن. وهذه العلاقة السياسية في صناعة التعيين تحتاج، بحد ذاتها، إلى كشف رسمي وشفافية كاملة، لأن ما بات مثبتاً علناً عن موقع الصحناوي السياسي والفكري يجعل السؤال مشروعاً وخطيراً، لا نميمة بيروتية.
ففي 14 نيسان الماضي، لم يتحدث خصوم الصحناوي عنه. التي تحدثت كانت مورغان أورتاغوس نفسها.
وفي مناسبة في متحف الهولوكوست في واشنطن، وصفت أورتاغوس الصحناوي وعائلته بأنهم، حرفياً، «أجيال من المسيحيين اللبنانيين الصهاينة»، وقالت إن والديه ربّياه على دعم إسرائيل، وأبدت افتخارها بدعمه لليهود وإسرائيل «حتى عندما يأتي ذلك بمخاطر شخصية».
بل قالت، في إشارة إلى بعض نشاطاته المرتبطة بإسرائيل، إنها فخورة به لقيامه بما وصفته هي بأنه غير قانوني في لبنان. الأمر موثق بالفيديو وبالتغطية الصحافية، وليس اتهاماً مجهول المصدر.
ولم تنته القصة هناك.
في تموز، أصدر القضاء اللبناني مذكرة بحث، وتحرٍّ لمدة ثلاثين يوماً بحق الصحناوي على خلفية اتهامه بـ«التعامل مع العدو الإسرائيلي»، بعدما ظهرت صور له في عشاء بواشنطن مع بنيامين نتنياهو، في مناسبة شارك الصحناوي وأورتاغوس في استضافتها.
إذن، المسألة تتجاوز شخصاً يحب إسرائيل أو يكرهها.
المسألة هي منظومة نفوذ ينبغي مساءلتها: من يصنع التعيينات الحساسة؟ من يختار الوجوه التي تمثل لبنان في عاصمة الوسيط الأميركي؟ ومن يحدد البيئة السياسية التي تتحرك داخلها المفاوضات؟
وإذا صح أن الصحناوي أدى الدور الحاسم المنسوب إليه في الدفع بتعيين معوض، فإن الأمر يستحق تحقيقاً سياسياً وبرلمانياً، لا لأن الصهيونية جريمة فكرية في ذاتها، بل لأن اللبنانيين يملكون حق معرفة ما إذا كان شخص تصفه شريكته الأميركية علناً بأنه وريث «أجيال من الصهاينة اللبنانيين» قد مارس نفوذاً في اختيار من سيمثل لبنان في واشنطن، ثم في أحد أخطر مسارات التفاوض مع إسرائيل في تاريخ الجمهورية.
ربما كان أكبر نجاح إسرائيلي حتى الآن أنها جعلت النقاش اللبناني يدور حول الوسيلة عوضا عن النتيجة.
يقال لنا: البديل عن المفاوضات هو الحرب.
وهذه مغالطة.
البديل عن المفاوضات الفاشلة ليس بالضرورة الحرب، بل مفاوضات تمتلك شروطاً وخطوطاً حمراء وأدوات ضغط ومرجعيات دولية ومحاسبة داخلية. دولة تقول إن استمرار تغيير الوقائع على الأرض ينسف التفاوض، عوضا عن دولة تُفجّر إسرائيل قرية فيها صباحاً، ويجلس ممثلوها إلى الطاولة مساءً.
السلام لا يعني أن تقبل الدولة بأن تُنتزع أرضها كي تثبت للعالم أنها «عقلانية».
والدبلوماسية لا تعني أن تشكر الوسيط كلما فشل في إلزام المحتل.
والواقعية ليست أن تتحول الحدود اللبنانية إلى قلم رصاص في يد جنرال إسرائيلي.
الخريطة التي نشرتها الخارجية الإسرائيلية يجب أن تُعلّق في مكتب كل مسؤول لبناني يدير هذه المفاوضات.
لا لأنها وحدها دليل على قرار إسرائيلي بضم الجنوب، فالقول بذلك يحتاج إلى وثائق أخرى.
بل لأنها تختصر، بفظاظة بصرية نادرة، ما قد يحدث حين تفقد الدولة قدرتها على حماية الجغرافيا: يصبح محوها سهلاً، حتى على مصمم خريطة.
اليوم هناك لبنان مبتور في صورة نشرتها جهة إسرائيلية رسمية، ولبنان آخر مبتور ميدانياً بخط أصفر يمنع لبنانيين من الوصول إلى قراهم. بين الخريطتين تجلس السلطة اللبنانية إلى طاولة المفاوضات.
السؤال لم يعد لماذا لا تنسحب إسرائيل.
السؤال الأكثر إيلاماً هو:
كم قرية يجب أن تُفجّر، وكم أرضاً يجب أن تُجرف، وكم زيتونة يجب أن تُقتلع، وكم مرة يجب أن يتقدم «الخط الأصفر»، قبل أن تعترف السلطة اللبنانية بأن التفاوض الذي لا يمنع تغيير الخريطة يتحول، شيئاً فشيئاً، إلى شاهد على تغييرها؟
فالسيادة لا تضيع فقط عندما يدخل جيش أجنبي أرضك.
تضيع أيضاً عندما يبدأ المحتل برسم خريطتك، فيما تنشغل أنت بالتفاوض معه على لون القلم.




