آراء
أخر الأخبار

أعظم ديموقراطية على وجه الأرض في مكان لالبس فيه ولازيغ: المقابر

وطفي الواقع يحمل الموت مزيجاً مدهشاً من الغرابة والتناقض والعجائبية؟

كفى بالموت واعظا. إذا اردتم فهم الديموقراطية فزوروا المقابر فكم تحت التراب حسن رقيق وجمال أنثى، وعبقرية متقدة، وأنبياء بررة،  وحاكم جبار، وفقير مسكين. كلهم أودعو التراب.

كما أنشد أبو العلاء المعري يوما عن الحمامة: أبكت تلكم الحمامة أم غنت على على غصنها المياد هذه القبور من عهد عاد فأين القوم؟ خفف الوطء إذا مشيت فليست هذه الأرض إلا من هذه الأجساد؟ فرب لحد صار لحدا مرارا ضاحك من تزاحم الأضداد.

هل تعلمون أين تواجهون أعظم ديموقراطية حقيقية على وجه الأرض؛ بدون تزوير للأسماء، ولعب في صناديق الانتخابات، والزعيق للرئيس الخالد كذبا وبهتانا: بالروح بالدم نفديك يا أبو الجماجم؟ هل تعلمون أين نعثر على الديموقراطية الصادقة بدون خلل وزغللة؟ اذهبوا اذن الى المقابر فسوف تجدونها هناك؟.

إن أعظم ديموقراطية تتحقق على وجه هذه الأرض هي ديموقراطية الموت، حيث تذوب الفروق تماماً، فالموت لا يحابي أحداً ولو كان وزيراً وملكا ورئيس أعظم امبراطورية ومملكة عل وجه الأرض، ولا يرتشي بكل مال  الدنيا. ولا يشفع ولو كانت من سلطان بروناي والنتن وترامبولين.

وفي يوم استقدم السفاح جنكيزخان الحكيم الصيني من أقصى الأرض إلى أفغانستان حيث كانت الرؤوس تقص في المعسكر؛ فارتاع الرجل ودخل خيمة السفاح؛ فكان أول سؤال له هل عندك دواء الخلود ؟ ارتاع الرجل وارتجف ثم تقدم بذل فقال: أيها العاهل العظيم أما الموت فلا طاقة لأحد به؛ ولكن أستطيع أن أهديك إلى طريقة حياة تعيش طويلا بصحة ممتازة.

طرده السفاح وكان ينكح مئات العذارى ويحبل جيشا من النساء، حتى قيل عنه أنه قتل عشرين مليونا من عباد الله بأبشع طريقه وأخسها، ولكن سدس سكان الأرض من نطفه.

ومات بعمر الستين حين هوى من الحصان فترضرض وكسر ولم يجد طريقا للعلاج إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت قبائل المغول أن لو كانوا يعلمون الغيب مالبثوا في الذروة يسوقون الناس إلى العذاب والذل الأليم. لقد كان في موته عبرة.

وهكذا فالموت لا يفرق بين الجنسين؛ فمعاملة المرأة هنا تصبح مثل الرجل تماما، بدون أية فروق أو إهانة. ويسحق الموت الرجل مثل الأنثى، ولا يبالي أنه كان ذكرا فحلا؛ فهو ديموقراطي صارم يعامل بالمساواة إلى أبعد الحدود.

وعندما ترتفع الأضرحة والنصب والتماثيل لشخص ما؛ فإن هذا لا يغير من واقعه، فتأكله الدود كما أكلت أحدب نوتردام كازيمودو. وهي رواية جدا مؤثرة لفيكتور هوجو.

وكما قال الشاعر: فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم تلك الوجوه عليها الدود يقتتل. وهذا الشعر له بداية من رجل صالح تم القبض عليه في عصر خليفة عباسي سيق لمجلس شرابه أنه يتآمر فلما طلبه للكاس والطاس ورقص العذارى استعفى فطلب إنشاده من الشعر فقال:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم

غلب الرجال فما أغنت عنهم القلل.

واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم

فأودعوا حفرا يا بئسما نزلوا

ناداهم صارخ أين الوجوه التي كانت منعمة

من دونها تضرب الأستار والكلل

فأفصح القبر حين ساءلهم

تلك الوجوه عليه الدود يقتتل

لطالما أكلوا دهرا وما شربوا

فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا.

فهذه هي الحقيقة المزلزلة لهذا الوجود المتلاشي.

وأنا شخصيا لم أستوعب هذه الحقيقة الصادمة، حتى رأيت برنامجا في الديسكفري، والدود يتناثر على وجوه الموتى بعد حين، فظننت من بياضها أنها حبات بيضاء فكانت دودا يزحف ويأكل!! وهكذا فكل يأخذ حظه من العدالة بطريقه وأخرى، وقبلها وبعدها الرحمة ممن كتب على نفسه الرحمة، ولو كانت مثقال حبة من خردل وكفى بنا حاسبين. والكل يعاني ويذوب ويتفسخ ويتحلل مثل أي صعلوك آخر.

ومن هنا تسطع حقيقة إيجابية رائعة للموت، فمع موت الجبارين، تتنفس الأرض وترتاح، ومع موت الصالحين، تبكي الأرض والسماء عليهم.

جاء في الحديث الصحيح: (مستريحٌ ومستراحٌ منه. قالوا يا رسول الله ما المستريح وما المستراح منه؟ قال العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله عز وجل. والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب).

وفي الواقع يحمل الموت مزيجاً مدهشاً من الغرابة والتناقض والعجائبية؟

ففي الموت تبرز الشخصانية والفردية، فالموت فردي، ولا يوجد موت بالوكالة والنيابة. ويعاني الموت كل إنسان الموت على حدة. وكل نفس ذائقة الموت.

ويدخل الفرد محنة الفناء وحيدا، لا يشاركه فيها أحب الناس إليه، حتى ولو حاولت الزوجة حرق نفسها، أو دفن نفسها معه كما يفعل الهنود؛ أو كهنة آمون مع موت الفرعون بعد قص السنتهم؟ فالموت ذو اتجاه واحد حدي، ولا رجعة منه، ولا مخبر بما حدث. ولكننا رحمة من الله ننسى أو ننسى (بالضم) هذه الحقيقة، ولولا ذلك لما تابعنا الحياة.

إنه باب يُفتح.. فيمتص.. ويشفط الكائن.. مثل الثقب الأسود باتجاهه (فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون).

ولو أن دموع الناس أجمعين تدفقت فتحولت إلى أنهار، فإنها لن تعيد الحياة لميت واحد (أمواتٌ غيرُ أحياء وما يشعرون أيان يبعثون).

أعرف أن الحديث عن الموت مزعج وكريه وحافل بالتناقضات، ولكنه مع كل دافع الهرب منه، قدرٌ مطوق لكل البشر بل لكل أنواع الحياة..

فأوراق الشجر تتهاوى.. والنبات يذبل.. والعشب يجف.. والحيوان ينفق.. والإنسان ينهار في لحظة واحدة إلى الصفر. كما حدث حين خسرت زوجتي فدفناها في ثلوج كندا وصقيعها، في ساعة من نهار، في ظل مأساةٍ مروعة، يقف فيها المرء مذهولاً مندهشاً محتاراً في التفسير، لا تصدق عيناه أن هذا الإنسان المليء بالحيوية والنشاط، الذي يضج بالتعبير والأفكار، المشحون بالآمال والرغبات، قد تم اجتياحه وبشكل كامل ومطلق، يطوقه جبروت السلبية الكامل، وعالم الاندثار والتحلل ليرجع إلى العدم، من حيث خرج منه.

نحن نأتي إلى الحياة بغير رغبة وإرادة منا.. من عمق الظلام ومن حيث لا ندري من العدم. كذلك نودع الحياة بغير رغبة منا، ولكن تحت منظر الوعي الكامل المفعم بالمعاناة لنرجع إلى جوف العدم الذي سحبنا منه.

إن الفلسفة تجنبت الحديث عن الموت، وفضلت الحديث عن الحياة، فالحياة وجود وحضور، والموت عدم، والعدم ليس فيه فضاء للكلام، فهو السلبية الكاملة لا أكثر ولا أقل؛ ولكن ضغط الموت الساحق، والانهيار المريع للوجود الإنساني المطلق يولد في الواقع كل الفلسفة.

ولهذا قال البعض أن كل الفلسفة ولدت من فكرة الموت.

وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد.

https://anbaaexpress.ma/l1i0r

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى