عاد وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إلى واجهة المشهد السياسي بدعوة صريحة إلى تشديد العمليات العسكرية في لبنان، عقب إصابة ثلاثة عسكريين إسرائيليين بجروح خطيرة في هجوم بطائرة مسيّرة نُسب إلى حزب الله في جنوب البلاد.
ودعا بن غفير الجيش الإسرائيلي إلى استعادة ما وصفه بـ«حرية التحرك الكاملة»، مبدياً أمله في أن تدخل إسرائيل مرحلة جديدة من التصعيد، وصولاً إلى توسيع الضربات لتشمل بيروت.
ويعكس هذا الموقف توجهاً نحو التعامل مع الهجمات الحدودية بمنطق الردع العسكري المكثف، بدلاً من الاكتفاء بالعمليات المحدودة في الجنوب اللبناني.
وتأتي هذه التصريحات في توقيت بالغ الحساسية، في ظل مساعٍ أميركية لدفع المفاوضات بين لبنان وإسرائيل إلى الأمام، استناداً إلى إطار تفاهم أُعلن عنه في واشنطن في يونيو الماضي.
ويقوم المسار المطروح على خطوات تدريجية يفترض أن تعيد للدولة اللبنانية بسط نفوذها في الجنوب، بالتوازي مع ترتيبات تتعلق بسلاح الجماعات المسلحة وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.
وخلال المرحلة الأخيرة، انتقلت الاتصالات إلى بحث تفاصيل أكثر تعقيداً، من بينها آليات تنفيذ الترتيبات الأمنية، وكيفية التحقق من نزع سلاح حزب الله، إضافة إلى حدود الانسحاب الإسرائيلي والضمانات المطلوبة لمراقبة تطبيق أي اتفاق. ولا تزال هذه الملفات تشكل نقاط خلاف رئيسية بين الأطراف المعنية.
بيروت في مرمى التصعيد
وتتجاوز دعوة بن غفير، في حال ترجمت إلى خطوات ميدانية، مجرد الرد على هجوم استهدف القوات الإسرائيلية. فانتقال العمليات العسكرية إلى العاصمة اللبنانية سيعني عملياً توسيع نطاق المواجهة وتغيير قواعد الاشتباك التي تحاول واشنطن تثبيتها عبر المسار التفاوضي.
ومن شأن استهداف بيروت أن يرفع مستوى المخاطر بصورة كبيرة، خصوصاً أن المسار الذي ترعاه الولايات المتحدة يقوم أساساً على خفض التوتر وتهيئة الظروف لوقف مستدام للأعمال العدائية، وليس فتح جبهة أوسع قد تعيد المنطقة إلى دورة جديدة من التصعيد.
ولهذا السبب، تنظر أوساط لبنانية إلى التصعيد الأخير باعتباره عاملاً يمكن أن يهدد المسار السياسي برمته، في وقت لم تنجح فيه المفاوضات بعد في تجاوز القضايا الأكثر حساسية.
خلاف داخل الحكومة أم صراع على سقف التصعيد؟
ولا يمكن فصل تصريحات بن غفير عن طبيعة التوازنات داخل الحكومة الإسرائيلية، حيث تختلف مقاربات أطراف الائتلاف بشأن حدود استخدام القوة وشروط أي تسوية مع لبنان.
فبن غفير يمثل أحد أكثر الأصوات اليمينية تشدداً داخل الحكومة، وغالباً ما يدفع باتجاه خيارات عسكرية واسعة. في المقابل، يحاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس الجمع بين إبقاء الضغط العسكري والحفاظ على قناة تفاوضية مفتوحة مع واشنطن.
لكن هذا التباين لا يعني بالضرورة وجود خلاف استراتيجي كامل حول الهدف الإسرائيلي في لبنان، بقدر ما يعكس اختلافاً حول مستوى التصعيد وتوقيت استخدام القوة والهامش المتاح للتفاوض.
ويؤكد موقف كاتس هذا التعقيد، بعدما أعلن أن القوات الإسرائيلية ستبقى في جنوب لبنان إلى حين نزع سلاح حزب الله، وهو موقف يجعل الانسحاب مرتبطاً بتحقيق شروط أمنية تحددها إسرائيل، ويؤكد استمرار اعتماد الحكومة على القوة العسكرية كوسيلة للضغط في المفاوضات.
واشنطن أمام اختبار صعب
وفي هذا السياق، تبدو تصريحات بن غفير جزءاً من دينامية أوسع داخل الائتلاف الإسرائيلي، إذ تلجأ الأصوات الأكثر تشدداً إلى رفع سقف التهديد كلما ازدادت الضغوط الدولية والأميركية من أجل تقديم تنازلات في ملف الانسحاب.
غير أن استمرار هذه السياسة قد ينقلب على المسار التفاوضي نفسه. فإذا انتقلت التهديدات بضرب بيروت إلى التنفيذ، ستجد الإدارة الأميركية نفسها أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على التأثير في حليفتها الإسرائيلية وضمان احترام المسار الذي ترعاه.
وفي المقابل، قد يؤدي توسيع العمليات إلى دفع حزب الله نحو رد أقوى، بما يفتح الباب أمام دورة جديدة من التصعيد، ويحوّل المفاوضات من أداة لاحتواء النزاع وإنهائه تدريجياً إلى مجرد قناة لإدارة مواجهة جديدة.
وبذلك، لا تكمن خطورة تصريحات بن غفير في مضمونها العسكري فقط، بل في احتمال أن تتحول لغة التصعيد إلى عامل يقوض المسار السياسي الذي يفترض أن يمنع عودة الحرب إلى نطاق أوسع.




