أثار تسريب تسجيل صوتي منسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، خلال اجتماع المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، جدلاً واسعاً، ليس فقط بسبب ما تضمنه من انتقادات حادة لعدد من الممارسات الحزبية، وإنما أيضاً بسبب طبيعة الخطاب السياسي الذي عكسته مضامين التسجيل.
التسجيل طرح أسئلة أكبر من مجرد تسريب جزء من نقاش داخلي لحزب سياسي. فجوهر القضية لا يكمن في واقعة التسريب بقدر ما يكشفه مضمون التسجيل المتداول عن طبيعة الصراع السياسي الذي بدأ يطغى على المشهد المغربي، وهو ما جعل النقاش ينتقل من سؤال: «من سرّب التسجيل؟» إلى سؤال أكثر أهمية: إلى أين ذهبت السياسة في المغرب؟
ولم يصدر، إلى حدود المعطيات المتداولة، تكذيب للتسجيل من الطالبي العلمي، في وقت عبّر رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، محمد شوكي، عن أسفه لتسريب جزء من نقاشات المكتب السياسي للحزب، لتنتقل القضية بذلك من مجرد واقعة تسريب إلى مضمون كلام متداول وما يكشفه عن طبيعة الصراع داخل المشهد السياسي.
في التسجيل المنسوب إليه، ينتقد الطالبي العلمي ظاهرة انتقال المنتخبين والبرلمانيين بين الأحزاب، ويوجه انتقادات واضحة إلى استقطاب عدد من الوجوه من حزب التجمع الوطني للأحرار نحو حزب الأصالة والمعاصرة، في ما يشبه «ميركاتو» سياسياً مفتوحاً على كل الاحتمالات.
والأكثر إثارة أن الخطاب، وفق ما ورد في التسجيل المتداول، لم يعد يقتصر على المنافسة السياسية أو الاختلاف حول البرامج والتصورات، بل دخلت إليه لغة التهديد والوعيد وتوزيع المواقع والمناصب.
بل إن الطالبي العلمي يوجه رسالة بشأن وزارة الاقتصاد والمالية، في إشارة إلى فوزي لقجع، مؤكداً أن هذه الحقيبة «لها مولاتها»، في إشارة إلى نادية فتاح.
وهنا تبرز المفارقة: هل أصبح الصراع بين الأحزاب حول من سيحصل على ماذا ومن سيجلس أين، بدل أن يكون حول من يملك أفضل برنامج لخدمة المواطن؟
واللافت أن صاحب العبارة الشهيرة «إلى ما شدهاش يجري علينا بالحجر»، التي ارتبطت بوعد انتخابي برفع أجور المواطنين بـ2500 درهم، يجد نفسه اليوم في تسجيل متداول يتحدث بلغة شديدة اللهجة عن المنافسين والمنتقلين سياسياً.
وبعيداً عن صحة كل ما يقال في التسجيل أو سياق العبارات الواردة فيه، فإن المشهد الذي تكشفه الواقعة يبعث على القلق. فاستقطاب المنتخبين، والصراع على الحقائب والمواقع، والرسائل المتبادلة بين مكونات المشهد السياسي، كلها تجعل المواطن يتساءل: أين هي البرامج؟ أين هي المنافسة السياسية الحقيقية؟ وأين هي القضايا التي تشغل المغاربة؟
لقد تحولت السياسة، في نظر كثيرين، من مجال للتنافس حول الأفكار والمشاريع إلى ما يشبه «الوزيعة الفراقشية»، كل طرف يسعى إلى توسيع نفوذه واستقطاب الوجوه وضمان المواقع، بينما تتراجع هموم الناس وبرامج الإصلاح إلى الخلف.
ولا يقف الأمر عند حدود التنافس الحزبي المباشر، بل يطرح أيضاً سؤالاً حول طبيعة الخطاب السياسي والإعلامي المصاحب للاستحقاقات الانتخابية.
فقد أصبح الرهان، في بعض الحالات، على «البوز» والإثارة وصناعة الانتباه، بما قد يساهم في توجيه النقاش العمومي نحو أشخاص وأحزاب بعينها، بدل فتح المجال أمام تعددية حقيقية في البرامج والتصورات.
والأخطر أن تتحول بعض الخطابات أو التقديرات المتداولة إلى إيحاء بأن نتائج الانتخابات، أو ترتيب الأحزاب في المراتب الأولى والثانية والثالثة، أمر محسوم سلفاً بين مكونات سياسية بعينها، وكأننا أمام دائرة سياسية مغلقة، بما قد يخلق انطباعاً بإقصاء باقي المكونات السياسية من دائرة المنافسة وفقدان المصداقية قبل أن يقول الناخب كلمته.
وهنا تبرز أهمية احترام مبدأ التعددية السياسية وتكافؤ الفرص بين الأحزاب والمرشحين، وحق المواطنين في الاختيار الحر، وضمان نزاهة المنافسة الانتخابية وسلامة النقاش العمومي.
فالانتخابات ليست مجرد سباق على المراتب، وإنما آلية ديمقراطية يفترض أن تتيح للناخب الاطلاع على البرامج والتصورات واتخاذ قراره بعيداً عن التضليل أو الإيحاء بأن النتائج محسومة مسبقاً.
فالسياسة يفترض أن تكون مجالاً للتنافس الشريف حول كيفية معالجة مشاكل المواطنين، وتحسين التعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية، وتقديم مشاريع واضحة للناخبين.
أما أن يتحول المشهد إلى استقطاب للمنتخبين، وتبادل للرسائل الحادة، وصراع حول من يملك هذه الحقيبة أو ذاك الموقع، فإن المواطن يجد نفسه بعيداً عن جوهر العملية السياسية.
ومن هذه الزاوية، فإن المسؤولية لا تقع على الأحزاب وحدها، بل تشمل أيضاً الفاعلين السياسيين والإعلاميين وكل من يساهم في تشكيل الرأي العام. فاستعمال الإثارة السياسية لجذب الانتباه قد يحقق «البوز» في لحظته، لكنه قد يضر على المدى البعيد بالثقة في المؤسسات وبجدوى المشاركة السياسية.
وبعيداً عن الأشخاص والأحزاب، ينبغي أن يعود جوهر النقاش إلى المواطن باعتباره صاحب السيادة الانتخابية، وإلى حقه في معرفة البرامج الحقيقية، ومحاسبة المنتخبين على وعودهم وأدائهم، والاختيار بين مشاريع سياسية واضحة، لا بين صراعات شخصية أو تحالفات ظرفية.
وفي النهاية، ليست القضية قضية «تسريب» فقط، ولا قضية «لقجع» أو «الطالبي العلمي» أو «الميركاتو» الحزبي، بل تتعلق بمسار أوسع قد يؤدي إلى إفراغ التنافس السياسي من مضمونه، وتحويل الانتخابات من منافسة ديمقراطية حول البرامج إلى صراع على المواقع والنفوذ.
والسؤال اليوم ليس فقط: من سرّب التسجيل؟ ولا من سيكسب «الميركاتو» السياسي؟ بل السؤال الأعمق: هل ما زالت السياسة في المغرب قادرة على استعادة ثقة المواطن، واحترام التعددية، وترسيخ المنافسة الديمقراطية على أساس البرامج، أم أن السياسة فعلاً «مشات» رحمها الله؟




