آراءمجتمع
أخر الأخبار

من “القسم” إلى “اليمين” هل هو مجرد تعديل اصطلاحي أم تحول في الطبيعة القانونية لالتزام المحامي؟

د. خالد خالص

تنص المادة 12 من قانون 2008 بتنظيم مهنة المحاماة على أنه لا يقيد المترشح المقبول في لائحة التمرين، ولا يشرع في ممارسته، إلا بعد أن يؤدي القسم الآتي:

“أقسم بالله العظيم أن أمارس مهام الدفاع والاستشارة بشرف وكرامة وضمير ونزاهة واستقلال وإنسانية، وأن لا أحيد عن الاحترام الواجب للمؤسسات القضائية وقواعد المهنة التي أنتمي إليها وأن أحافظ على السر المهني، وأن لا أبوح أو أنشر ما يخالف القوانين والأنظمة والأخلاق العامة، وأمن الدولة، والسلم العمومي”.

وتنص المادة 8 من القانون 23.66 المتعلق بتنظيم هيئة المحامين المعروض حاليا على المحكمة الدستورية على أنه “لا يقيد الطالب، الحاصل على شهادة الكفاءة، في لائحة التمرين إلا بعد أداء واجب الانخراط في الهيئة وأداء اليمين وفق الصيغة التالية: “أقسم بالله العظيم أن أمارس مهام الدفاع والاستشارة بشرف وكرامة وضمير ونزاهة واستقلال وإنسانية، وان لا أحيد عن الاحترام الواجب للمؤسسات القضائية وقواعد المهنة التي انتمي اليها وأن أحافظ على السر المهني وأن لا أبوح أو أنشر ما يخلف القوانين والأنظمة والأخلاق العامة أو يمس بأمن الدولة والسلم العمومي”.

وبغض النظر عن مضمون القسم، الذي ناقشناه وانتقدناه في دراسات أكاديمية سابقة، فإن ما يثير تساؤلا محوريا ووجيها هو الهدف من استبدال المشرع لعبارة القسم بلفظ اليمين في مشروع القانون 66.23 الذي يتجاوز في نظرنا مجرد الاختيار اللغوي، ذلك أن الأصل في الصياغة التشريعية أن تكون مقصودة ودالة على إرادة تشريعية محددة.

فإذا كان لفظ القسم قد استقر في التشريع المنظم لمهنة المحاماة منذ عقود باعتباره يعبر عن الالتزام الأخلاقي والمهني الملازم لولوج المهنة، فإن العدول عنه إلى لفظ اليمين قد يوحي بإرادة إضفاء طبيعة قانونية مغايرة على هذا الالتزام.

ولما كان القانون في مذكرة تقديمه وفي أشغاله التحضيرية لم يبين الغاية من هذا التحول الاصطلاحي، فإن هذا التغيير يظل مفتوحا على التأويل، بما قد يمس بمتطلبات الوضوح والأمن القانوني التي تقتضي استقرار المصطلحات القانونية أو بيان أسباب العدول عنها.

إن القسم يعبر عن التزام مهني وأخلاقي دائم يلازم المحامي طوال مساره المهني، بينما اليمين، في مدلولها القانوني، تعد عملا قانونيا أو إجراء يترتب عليه أثر قانوني محدد.

ومن ثم فإن العدول عن لفظ القسم إلى اليمين لا يعد مجرد استبدال لغوي، بل قد يفيد تحولا في التصور القانوني لطبيعة الالتزام الذي يباشر به المحامي ممارسة المهنة، وهو تحول كان يقتضي من المشرع الإفصاح عن مبرراته لنمر من هنا الى ومدى خضوعه لرقابة المحكمة الدستورية في إطار جودة التشريع والأمن القانوني.

إلا أن الإشكال لا يقف عند عبارة القسم أو اليمين فقط بل يمتد الى مضمون القسم المنصوص عليه بالمادة 8 من القانون ولا سيما بعض العبارات ومنها: “وألا أبوح أو أنشر ما يخالف القوانين والأنظمة والأخلاق العامة وأمن الدولة والسلم العمومي”.

فهذه العبارة تثير أكثر من ملاحظة. لأن المحامي، بصفته فاعلا في العدالة، قد ينتقد قانونا يراه مخالفا للدستور وقد يطعن غدا في قانون أمام المحكمة الدستورية وقد ينتقد اجتهادا قضائيا وقد يدافع عن متهم في قضية تمس أمن الدولة؛ فهل يعتبر ذلك “نشرا لما يخالف..”؟. إن الصياغة الفضفاضة للمادة 8، قد تفتح الباب لتأويلات تمس حرية المحامي في التعبير وفي أداء رسالته.

ومن ثم، فإن المحكمة الدستورية، قد تجد نفسها مدعوة إلى فحص مضمون القسم، بصيغته الحالية، في ضوء المقتضيات الدستورية ذات الصلة، ولا سيما الفصل 25 المتعلق بحرية الفكر والرأي والتعبير، والفصل 28 بشأن حرية الصحافة، والفصول المكرسة لدولة الحق والقانون، فضلا عن الفصل 120 الذي يكرس حق كل شخص في محاكمة عادلة ويستلزم، بحكم طبيعته، استقلال الدفاع باعتباره أحد المقومات الأساسية لحسن سير العدالة، مع استحضار المكانة الدستورية للمحاماة باعتبارها مهنة حرة مستقلة تسهم في تحقيق العدالة وحماية الحقوق والحريات.

وفي هذا الإطار، قد يثار التساؤل من قبل المحكمة الدستورية حول مدى انسجام الالتزام الوارد في القسم، ولا سيما عبارة: “ألا أبوح أو أنشر ما يخالف القوانين والأنظمة والأخلاق العامة أو يمس بأمن الدولة والسلم العمومي”، مع مبدأي الوضوح والتناسب.

فالصياغة، بما تنطوي عليه من عمومية واتساع، قد تحتمل تأويلات تتجاوز الغاية المشروعة المتمثلة في حماية السر المهني وأخلاقيات المهنة، لتطال مجال حرية المحامي في التعبير وإبداء الرأي القانوني ونقد التشريعات والاجتهادات القضائية، وهي حقوق تعد جزءا من مقتضيات استقلال المهنة وممارسة رسالة الدفاع في مجتمع ديمقراطي.

ولا يعني ذلك القول بعدم دستورية هذا الالتزام في حد ذاته، وإنما يثير نقاشا مشروعا حول مدى استيفائه لمتطلبات الدقة والوضوح والتناسب، وهي معايير أصبحت تشكل، في الاجتهاد الدستوري، جزءا من رقابة جودة التشريع، باعتبارها ضمانة للأمن القانوني ولحماية الحقوق والحريات المكفولة دستورياً.

* محام بهيئة المحامين بالرباط مقبول للترافع أمام محكمة النقض

https://anbaaexpress.ma/94amk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى