تقاريرسياسة
أخر الأخبار

صحيفة إسبانية.. المغرب يعيد رسم معادلة القوة العسكرية في غرب المتوسط باستراتيجية طويلة الأمد

وأكد التقرير أن ما يميز التجربة المغربية ليس فقط حجم الإنفاق، بل استمراريته، إذ يوجه المغرب ما يقارب عشرة في المائة من إنفاقه العمومي إلى قطاع الدفاع، وهي نسبة تفوق المعدلات الدولية

سلطت صحيفة “لاراثون” الإسبانية الضوء على التحول الذي تشهده القوات المسلحة الملكية المغربية، معتبرة أن الرباط تنفذ، منذ سنوات، سياسة دفاعية تقوم على التخطيط المستمر والاستثمار التدريجي، في نهج يختلف عن المقاربة التي تعتمدها إسبانيا، والتي ترتكز، وفق الصحيفة، على زيادات ظرفية في الإنفاق العسكري ترتبط بقرارات سياسية واستثنائية أكثر من ارتباطها برؤية استراتيجية ممتدة.

وأوضحت الصحيفة، استناداً إلى معطيات صادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، أن إسبانيا لا تزال تتفوق من حيث الحجم الإجمالي للإنفاق الدفاعي، إذ تنفق أموالاً تفوق ما يرصده المغرب بنحو ست مرات.

غير أن الصورة تختلف عند مقارنة الإنفاق بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، حيث يقترب المغرب من تخصيص 3.5 في المائة من اقتصاده للدفاع، مع توقعات بارتفاع هذه النسبة إلى نحو 4 في المائة في ميزانية 2026، مقابل نحو 2.1 في المائة في إسبانيا.

ويرى التقرير أن هذا الفارق يعكس اختلافاً في فلسفة إدارة القطاع الدفاعي. ففي الوقت الذي اعتمدت فيه مدريد، خلال عام 2025، خطة استثنائية تجاوزت قيمتها عشرة مليارات يورو لتعزيز الصناعات العسكرية والتكنولوجية، يواصل المغرب رفع موازنته العسكرية بوتيرة منتظمة، في إطار سياسة بدأت منذ سنوات ولم تشهد انقطاعات.

وبحسب الصحيفة، بلغت ميزانية إدارة الدفاع الوطني المغربية لسنة 2026 نحو 73 مليار درهم، بزيادة تفوق ثلاثة مليارات درهم مقارنة بالسنة السابقة، فيما خُصص جزء مهم من هذه الميزانية للاستثمار وتطوير قاعدة صناعية دفاعية محلية، في خطوة تعكس توجه المملكة نحو تقليص الاعتماد على الاستيراد وبناء قدرات إنتاج وطنية.

وأكد التقرير أن ما يميز التجربة المغربية ليس فقط حجم الإنفاق، بل استمراريته، إذ يوجه المغرب ما يقارب عشرة في المائة من إنفاقه العمومي إلى قطاع الدفاع، وهي نسبة تفوق المعدلات الدولية، رغم أن الناتج الفردي لا يزال أقل بكثير من نظيره الإسباني.

وترى الصحيفة أن هذا المعطى يعكس أولوية واضحة يمنحها صانع القرار المغربي لتعزيز القدرات العسكرية ضمن رؤية بعيدة المدى.

وفي ما يتعلق بالتحديث العسكري، أشارت الصحيفة إلى أن الرباط اختارت الاستثمار في منظومات قتالية قادرة على تعزيز الجاهزية العملياتية في المدى القريب، من خلال اقتناء مروحيات AH-64E Apache، ومواصلة برنامج مقاتلات F-16 Block 72، إلى جانب تحديث الأسطول الحالي إلى المعيار نفسه، فضلاً عن تعزيز قدراته بصواريخ AIM-120 AMRAAM المتطورة.

وترى “لاراثون” أن هذه المقاربة تختلف عن النموذج الإسباني، الذي يركز على برامج صناعية متقدمة تحتاج إلى سنوات قبل دخولها الخدمة، مثل الفرقاطات F-110 ومروحيات NH90، وهو ما يمنح المغرب، وفق التقرير، ميزة ترتبط بسرعة إدخال المعدات الجديدة إلى الخدمة وتعزيز الجاهزية القتالية في وقت أقصر.

كما توقف التقرير عند التطور اللافت الذي حققه المغرب في مجال الطائرات المسيّرة، معتبراً أن هذا القطاع أصبح أحد أهم عناصر الحروب الحديثة بعد التجارب التي شهدتها أوكرانيا والشرق الأوسط.

وأشار إلى أن المملكة سارعت إلى اقتناء طائرات Bayraktar TB2 التركية، قبل أن تبدأ في استقبال الطائرة الهجومية الثقيلة Akıncı، ما عزز قدراتها في مجالات الاستطلاع والضربات الدقيقة.

ولم يقتصر هذا التوجه على الاستيراد، إذ أبرزت الصحيفة أن المغرب بدأ في بناء صناعة محلية للطائرات المسيّرة والذخائر، من خلال مشاريع استثمارية مع شركات دولية، من بينها شركة إسرائيلية افتتحت مصنعاً لإنتاج الذخائر في إقليم بنسليمان، إضافة إلى مشروع أعلنت عنه شركة بايكار التركية لإنشاء مصنع للطائرات بدون طيار داخل المملكة، وهو ما اعتبرته الصحيفة خطوة استراتيجية لنقل التكنولوجيا وتعزيز الاكتفاء الصناعي.

وفي المقابل، ترى الصحيفة أن إسبانيا لا تزال في مرحلة تطوير مشاريعها الوطنية في هذا المجال، إذ لم تدخل الطائرة المسيّرة SIRTAP التي تطورها شركة إيرباص الخدمة بعد، كما أن برامج إنتاج الذخائر الذكية لا تزال في مراحلها الأولى.

وتناول التقرير أيضاً البعد الجغرافي باعتباره عاملاً مؤثراً في موازين القوى. فبحكم موقعه، يمتلك المغرب أفضلية لوجستية في أي أزمة محتملة بشمال إفريقيا، إذ يمكنه تحريك قواته بسرعة داخل أراضيه، بينما ستحتاج إسبانيا إلى نقل قواتها وتجهيزاتها عبر البحر والجو مروراً بمضيق جبل طارق، وهو ما قد يؤثر على سرعة الاستجابة في المراحل الأولى لأي تطور عسكري.

وفي جانب الموارد البشرية، أورد التقرير أن عدد أفراد القوات المغربية، مع احتساب القوات المساعدة، يناهز 250 ألف عنصر، مقابل نحو 116 ألف عسكري في الخدمة الفعلية داخل القوات المسلحة الإسبانية.

وترى الصحيفة أن انخفاض تكاليف التشغيل والأجور في المغرب يمنحه قدرة أكبر على الحفاظ على قوة بشرية واسعة وتوفير ساعات تدريب وانتشار أكثر مقارنة بما تسمح به الميزانية الإسبانية.

ورغم هذه المؤشرات، شددت “لاراثون” على أن إسبانيا لا تزال تحتفظ بتفوق نوعي في مجالات استراتيجية، أبرزها القوة البحرية، والصناعات العسكرية المتقدمة، وأنظمة القيادة والسيطرة، إضافة إلى المزايا التي توفرها عضويتها في حلف شمال الأطلسي، والتي تمنحها إمكانات دفاعية وتكنولوجية يصعب مقارنتها بدول خارج الحلف.

واختتمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن وتيرة التحديث العسكري المغربي ترتبط أساساً بالبيئة الإقليمية، وخاصة التنافس الاستراتيجي مع الجزائر، أكثر من ارتباطها بإسبانيا، معتبرة أن استمرار الخلاف حول قضية الصحراء وإغلاق الحدود بين البلدين يفسران جانباً مهماً من الارتفاع المتواصل في الإنفاق الدفاعي المغربي.

وبحسب الصحيفة، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن المغرب لا يراهن فقط على اقتناء أسلحة حديثة، بل يعمل على بناء منظومة دفاعية متكاملة تجمع بين التحديث المستمر، وتطوير الصناعة العسكرية الوطنية، وتعزيز الجاهزية العملياتية، في إطار استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى ترسيخ مكانته كإحدى أبرز القوى العسكرية الصاعدة في منطقة غرب المتوسط وشمال إفريقيا.

https://anbaaexpress.ma/sj6qw

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى