مجتمع
أخر الأخبار

بين إصلاح هيئة الأطباء وتراجع العمل النقابي.. هل تدخل المهنة الطبية مرحلة الوصاية الإدارية؟

لا يزال مشروع إصلاح القانون المنظم للهيئة الوطنية للأطباء والهيئات الجهوية يثير نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الطبية المغربية، بعدما تجاوز حدود الجدل القانوني ليطرح سؤالًا أعمق يتعلق بمستقبل استقلالية المهنة الطبية وحدود تدخل الدولة في تدبير شؤونها.

ففي نظر عدد كبير من الأطباء، لا يتعلق الأمر بمجرد تعديل تشريعي، بل بتحول في فلسفة الحكامة المهنية، قد يقود إلى توسيع نفوذ الإدارة داخل مؤسسة ظلت، تاريخيًا، عنوانًا لاستقلالية الطبيب وحماية أخلاقيات الممارسة، بما يضمن أن يبقى القرار الطبي خاضعًا للعلم وضمير المهنة قبل أي اعتبار آخر.

وتتضاعف هذه المخاوف في ظرفية تتسم بارتباك المشهد النقابي، بعد ما رافق إحداث تنسيقية نقابية من خلافات وطعون وانتقادات، الأمر الذي كشف عن واقع نقابي منقسم ومحدود الفعالية، في وقت تحتاج فيه المهنة إلى جبهة موحدة وقادرة على الدفاع عن مكتسباتها.

وليس من السهل تجاهل دلالة هذا التزامن؛ فكلما ضعفت المؤسسات التمثيلية للمهنة، تقلصت قدرتها على التأثير في القرارات العمومية، وازدادت قابلية القطاع لأن يُدار بمنطق إداري صرف، بدل منطق الشراكة والتشاور.

والتجارب الدولية تؤكد أن قوة المهنة الطبية لم تكن يومًا رهينة قربها من السلطة، بل كانت مرتبطة باستقلالها عنها.

فمنذ قرون، حظي الأطباء في مختلف الدول بهامش كبير من الاستقلالية، ليس باعتبارهم سلطة موازية، وإنما لأن رسالتهم الأساسية تتمثل في حماية المريض، وصون جودة العلاج، واحترام المعايير العلمية، والالتزام بأخلاقيات المهنة.

ولهذا، فإن استقلالية الطبيب ليست امتيازًا نقابيًا أو فئويًا، بل ضمانة مجتمعية، وأحد أعمدة الأمن الصحي والديمقراطية الصحية.

وفي الديمقراطيات الحديثة، تضطلع الهيئات المهنية بدور السهر على احترام أخلاقيات المهنة وتأديب المخالفات، بينما تتولى النقابات الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والمهنية والاقتصادية للأطباء.

وهذا التكامل بين المؤسستين هو الذي يصنع التوازن، ويحول دون احتكار أي طرف لسلطة القرار.

وعندما يختل هذا التوازن، تتراجع وظيفة الحوار لتحل محلها المقاربة الإدارية، فتضيق مساحات المبادرة والاستقلال، وتصبح المهنة أكثر عرضة للتوجيه بدل المشاركة في صنع القرار.

فالهيئة المهنية، مهما بلغت مكانتها، لا تستطيع أن تضطلع بمهمة الدفاع عن جميع الملفات المطلبية للأطباء، لأن اختصاصها يظل أخلاقيًا وتأديبيًا ومؤسساتيًا، بينما تبقى ملفات الأجور، وظروف العمل، والحماية الاجتماعية، وحرية الممارسة، وحقوق الأطباء، من صميم العمل النقابي.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى نقابات قوية، ديمقراطية، مستقلة ماليًا، وذات مصداقية، تمتلك الخبرة القانونية والاقتصادية، وقادرة على التفاوض مع السلطات العمومية من موقع الندية، وعلى توحيد صفوف الأطباء وتحويل مطالبهم إلى قوة اقتراح حقيقية.

فالتنظيم النقابي الذي يفتقر إلى التمثيلية الواسعة والإمكانات والخبرة، يفقد تدريجيًا تأثيره، بينما تشكل النقابات الموحدة والقوية ركيزة أساسية للتوازن المؤسساتي، ليس بمنطق الصدام مع الدولة، وإنما بمنطق الشراكة المسؤولة والحوار المتكافئ.

ويأتي هذا النقاش في وقت يشهد فيه المغرب إصلاحات غير مسبوقة لمنظومته الصحية، تشمل تعميم الحماية الاجتماعية، وإرساء المجموعات الصحية الترابية، وإصلاح المستشفيات، وتطوير الموارد البشرية، وتعزيز الجهوية الصحية.

وفي خضم هذه الأوراش الكبرى، تبدو الأسرة الطبية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتوحيد صوتها، دفاعًا عن استقلالية القرار الطبي، وحرية الوصفة العلاجية المبنية على الدليل العلمي، وجودة الخدمات الصحية، والثقة التي تشكل أساس العلاقة بين الطبيب ومريضه.

وفي نهاية المطاف، فإن القضية تتجاوز بكثير نصًا قانونيًا أو تعديلًا تنظيميًا، لأنها تمس النموذج الذي يريده المغرب لمهنته الطبية.

فهل يتجه نحو مهنة مستقلة، شريكة للدولة، وقادرة على الإسهام في صياغة السياسات الصحية واقتراح البدائل؟

أم نحو مهنة تتسع فيها سلطة الإدارة تدريجيًا، بينما تضيق هوامش المبادرة والاستقلال؟

إن مستقبل الطب المغربي لن تحدده القوانين وحدها، بل ستحدده أيضًا قوة مؤسساته، ومتانة تنظيماته المهنية، وقدرة مكوناته على التوحد حول هدف واحد: أن تبقى مصلحة المريض فوق كل اعتبار، وأن تظل المهنة الطبية مستقلة، قوية، ومسؤولة في خدمة الوطن والمواطن.

https://anbaaexpress.ma/b4x98

الدكتور أنور الشرقاوي

خبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي وفاعل جمعوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى