يكتسب عالم الاجتماع السياسي الفرنسي الراحل أوليفيه روا قيمته الفكرية من قدرته المبكرة على تفكيك أوهام “الهندسة السياسية القسرية” في الشرق الأوسط، ففي أطروحاته المتعددة حول التحولات الهيكلية في المنطقة، قدم قراءات استشرافية حذرت من خطورة المراهنة على نماذج الحكم القائمة على المكونات الفرعية والمحاصصة، مؤكداً أن الاستقرار والتنمية لا يمكن صناعتهما من الخارج، بل يجب أن ينبعا من مواطنة حقيقية وديناميكية داخلية.
هذه الرؤية تلتقي مع التحذيرات الشهيرة للدكتور والباحث عزمي بشارة، الذي طالما نبه مبكراً (قبل عقود) إلى أن غياب مفهوم “الدولة المواطنية” لصالح المحاصصة الطائفية والحزبية سيقود حتماً إلى شرعنة الفساد وتفكيك الهوية الوطنية، وهي التحذيرات التي كان البعض يراها حينها تشاؤماً مفرطاً، بينما كانت قراءة دقيقة لواقع يتشكل.
اليوم، يواجه الواقع العراقي استحقاقات هذه القراءات الاستشرافية. فالاحتجاجات والمطالب الشعبية المستمرة في محافظات مثل (النجف والسماوة، وقبلها العمارة والكوت)، ليست مجرد ردود أفعال عابرة، بل هي مؤشر سوسيولوجي على نفاد الصبر تجاه التراكمات الخدمية والاقتصادية التي خلفتها عقود من إدارة الأزمات بالترقيع.
إن غياب المعالجات الجوهرية لملفات حيوية، كأزمة الطاقة المتجددة والمستدامة، وضعف الأداء المؤسساتي، واستنزاف الثروات، حوّل التحذيرات المبكرة التي كانت تُجابه بالتشكيك والتبسيط إلى واقع ملموس يتصدر التقارير الدولية ومراكز الأبحاث الإستراتيجية.
في ظل هذا المشهد المعقد، تبدو المقاربات السياسية التقليدية القائمة على “التسويات المؤقتة” أو تدوير الأزمات خياراً غير مجدٍ، بل قد تساهم في تعميق الفجوة بين الشارع وصناع القرار. وهنا تبرز أهمية تعزيز خيار “رجل الدولة” المستقل، الذي يتحرك خارج الاستقطابات الحزبية والجهوية الضيقة.
إن رئيس الوزراء العراقي اليوم يقف أمام فرصة تاريخية، مدعوماً بتأييد وطني واسع، وتفهم دولي واضح لضرورة الحفاظ على استقرار العراق، وهي شروط موضوعية تمنحه القوة لتفعيل إستراتيجية وطنية شاملة لتفكيك شبكات المصالح غير القانونية، ومكافحة الفساد الإداري، وحصر السلاح والمبادرة بيد الدولة فقط.
إن نجاح هذه المعركة المؤسساتية يتطلب تلاحماً ذكياً وبراغماتياً بين الضغط الشعبي السلمي والخطوات الحكومية والقضائية. لا ينبغي للمطالب المشروعة أن تتحول إلى أداة لتعطيل الدولة، بل يجب أن تكون سنداً لها لاسترداد المال العام وبناء دولة المؤسسات.
العراق اليوم يقف أمام مفترق طرق حرج يتطلب استبدال الأوهام السياسية القديمة بواقعية تنموية صارمة، فالخيارات تضيق، وثمن الاستمرار في الصمت أو التغاضي عن مكامن الخلل قد يكون باهظاً على مستقبل البلاد بأسرها.




