حياة الغانمي
يواصل الفنان التشكيلي الليبي عماد محمد السنوسي ترسيخ حضوره في المشهد الفني العربي من خلال مشروع فني استثنائي يتمثل في إنجاز جدارية عملاقة تمتد على مساحة إجمالية تبلغ 55 متراً مربعا موزعة على ثلاثة طوابق، في عمل يُنتظر أن يشكل إحدى أبرز الجداريات الفنية في العاصمة الليبية.
وتستلهم الجدارية، المتوقع افتتاحها أواخر الشهر الجاري في شارع 11 يوليو، جمال الطبيعة في تجلياتها الثلاث: البحر والأرض والسماء، حيث يقدم الفنان رؤية بصرية متكاملة تحتفي بعلاقة الإنسان بالكون وبسحر عناصره.
ويخصص الطابق الأول لعالم البحر، مستعرضاً أعماقه وأسراره وما يزخر به من كائنات بحرية تعكس ثراء الحياة وجمالها، فيما يحتفي الطابق الثاني بالأرض والطبيعة الخلابة وانعكاسات غروب الشمس على البحر وعلى أشهر معلم تاريخي في طرابلس وهو قوس ماركس، في لوحة تجمع بين الواقعية والإحساس الشعري. أما الطابق الثالث، فيحلق بالمشاهد نحو السماء، حيث تتناثر الطيور في فضائها الواسع في مشهد يرمز إلى الحرية والسلام والأمل.
واعتمد السنوسي في تنفيذ هذا المشروع على أجود أنواع السيراميك والفسيفساء، بدعم من مؤسسة «الڨراضي»، إحدى أبرز المؤسسات الليبية المتخصصة في السيراميك والبورسلين والمواد الصحية، والتي تمثل علامات إسبانية وإيطالية وعالمية، وتُعرف بدعمها المتواصل للمبادرات الفنية والإبداعية.
وأشاد الفنان بالدور الذي قامت به المؤسسة في إنجاز المشروع، مؤكداً أن دعمها يعكس إيمانها بقيمة الفن باعتباره جزءاً من الهوية الثقافية، وأن المنتجات التي تقدمها تقوم في جوهرها على البعد الجمالي والفني، ما يجعل رعايتها لمثل هذه الأعمال امتداداً طبيعياً لفلسفتها.
واستغرق تنفيذ الجدارية نحو ثلاثة أشهر من العمل المتواصل، لتتحول إلى معلم فني جديد يثري الفضاء العمراني في طرابلس ويعكس تطور حركة الفن التشكيلي في ليبيا.
ويعد عماد محمد السنوسي، ابن مدينة هون، من أبرز الأسماء الليبية التي نجحت في فرض حضورها في المحافل العربية والدولية، بفضل تجربة فنية جمعت بين الموهبة والثقافة والانضباط الفني.
وكان آخر مشاركاته البارزة في الملتقى الثاني عشر للفن والجمال، حيث مثل الفن الليبي إلى جانب نخبة من الفنانين العرب، مؤكداً أن الفن لغة عالمية تتجاوز الحدود وتجمع الشعوب.
وتتميز مسيرة السنوسي بتنوعها؛ فإلى جانب دراسته عدداً من التخصصات الجامعية، من بينها الهندسة المدنية، ظل وفياً لشغفه الأول بالرسم، مستفيداً من الخلفية الهندسية في تطوير مهاراته في التكوين والمنظور والدقة البصرية.
ويرى أن العلاقة بين الهندسة والفن علاقة تكاملية تمنح العمل التشكيلي توازناً وإحكاماً، مع التأكيد على أن الموهبة تبقى الأساس الذي يُبنى عليه التعلم والتطوير.
ومنذ طفولته في مدينة هون، حيث اشتهر بين زملائه بموهبته في رسم شخصيات الكرتون، بدأ السنوسي رحلته مع الفن قبل أن تنتقل تجربته إلى طرابلس، التي وجد في بحرها وعمارتها ذات الطابع الإيطالي مصدر إلهام دائم لأعماله.
كما شكلت إقامته في تونس محطة مهمة في صقل تجربته من خلال الورشات والمعارض الفنية، لتنطلق بعدها مشاركاته الدولية في دول عدة، من بينها مصر والجزائر وتركيا وقطر والإمارات العربية المتحدة والأردن، حيث حصد العديد من الجوائز وشهادات التقدير والدروع التكريمية.
وبهذه الجدارية الجديدة، يضيف عماد السنوسي محطة بارزة إلى مسيرته الفنية، مؤكداً أن الفن ليس مجرد لوحات تُعرض على الجدران، بل رسالة بصرية قادرة على إحياء المدن وصناعة الجمال وترسيخ الثقافة في الفضاء العام.




