آراء
أخر الأخبار

سيكولوجية الاستعلاء الديني.. حين تتحول آلام القضايا الكبرى إلى سوط لجلد الفطرة السوية

القضية الفلسطينية أسمى وأطهر من أن تُستخدم كأداة لجلد الشعوب، أو كوسيلة لإهانة امرأة أطلقت العنان لدموعها حماساً لمنتخب وطنها في محفل عالمي يجمع بلادها بخصوم رياضيين كبار ككندا وهولندا

تضج منصات التواصل الاجتماعي بين الفينة والأخرى بظواهر بصرية تُنتزع من سياقاتها الطبيعية لتُحول إلى مادة للمحاكمة الأخلاقية والمفاضلة الوجدانية، إذ يتيح احتدام المواجهة الكروية للمنتخب المغربي ضد نظيريه الهولندي والكندي في مونديال 2026 فرصة مواتية نتوقع معها سلفاً، وبناءً على استقراء دقيق لبنية الأدبيات الصوتية والمقاطع المنتشرة على تيك توك ويوتيوب، كيف سيسارع وعاظ العالم الرقمي إلى تركيب مفارقة تعيسة وعقد مقارنة جائرة، كأن يضعوا في كفتي ميزان مشهدين متباينين تماماً، يصور أولهما امرأة تنفطر كبداً وتبكي بحرقة تضرعاً للمولى عز وجل كي ينصر أهل غزة، بينما يظهر ثانيهما امرأة أخرى غلبتها دموع الحماس وهزتها مشاعر الترقب وهي تشجع منتخب بلدها.

هذا التوقع السلوكي ليس رجماً بالغيب، بل هو قراءة حتمية لنهج جماعات الوعظ السطحي وصناع التوجيه الأخلاقي الزائف الذين يجيدون دمج المؤثرات الصوتية الباكية والنبرات الحادة لتحويل العواطف البشرية التلقائية إلى ساحة لتصفية الحسابات وإصدار صكوك الغفران والتقوى، فكيف تحولت هذه المشاهد المفترضة في وعيهم الرقمي إلى سوط يجلد العفوية باسم الدين والورع؟ وهل يقتضي التضامن مع قضايا الأمة الكبرى مصادرة المشاعر الإنسانية الطبيعية وتجريم الانتماءات الوطنية العفوية في ميادين الترفيه والرياضة؟

إن المقارنة بين امرأة تبكي على دماء تُسفك في غزة وامرأة تبكي من أجل مباراة كرة قدم هي مقارنة جائرة تفتقر إلى النضج والوعي الإنساني، فمن المخجل وضع الحدثين في كفة ميزان واحدة أو محاولة إقامة مفارقة ذكية على حساب المشاعر البشرية وتفاوت قيم القضايا.

البكاء الأول ينبع من ضمير حي ينفطر ألما على إبادة بشرية، ومجازر يومية، وأرواح تُزهق، وهدم لبيوت فوق رؤوس أصحابها، وهو دعاء مستمد من عمق المأساة الإنسانية والواجب الأخلاقي الذي يفرض على كل ذي قلب سليم أن يتألم لألم المستضعفين ويتمنى نصرهم ونجاتهم من الظلم والعدوان.

والبكاء الثاني هو تعبير عن انفعال لحظي عابر مرتبط بشغف رياضي، وتفريغ لضغط حماسي تشهده ملاعب كرة القدم، وهو أمر اعتيادي في عالم الرياضة لا يحمل أي أبعاد وجودية أو مأساوية، بل يمثل تفاعلاً غريزياً مع منافسة تنتهي بصافرة الحكم.

إن من يقيم فرقاً بين المشهدين وكأنه يكتشف تناقضاً أو يعقد مقارنة فكرية، يمارس سطحية فجة ويحاول تصنع الإيمان في غير موضعه، فالخلط بين الأزمات الوجودية الكبرى والترفيه الرياضي يعكس خللاً في ترتيب الأولويات وسقوطاً في فخ المزايدات الجوفاء التي لا تحترم قدسية المعاناة الإنسانية ولا تميز بين وهج العاطفة الوطنية العابرة في الملاعب وبين نزيف الجراح المستمر.

طبعا،محاولة إقحام الدين لإدانة امرأة تفاعلت بعفوية مع مباراة لمنتخب بلدها، واستهجان دموعها باسم الورع والتقوى، هو مظهر من مظاهر التدين السطحي والأجوف الذي يقتات على تتبع عثرات الناس ومحاكمتهم أخلاقياً، ومن يدعي الغيرة على الدين مستنداً إلى هذا المشهد يعاني من انفصام واضح في فهم مقاصد الشريعة وطبيعة النفس البشرية التي جبلت على الانفعال والتأثر ببيئتها ومحيطها.

وينكشف هذا القصور الفكري بشكل أعمق حين يسقط هؤلاء الوعاظ في فخ الخلط الفقهي المعيب، فيسارعون إلى إطلاق أحكام تحريمية قطعية على لعبة كرة القدم برمتها لمجرد اقترانها في بعض السياقات بالمراهنات التجارية، حيث يعجز وعيهم القاصر عن التمييز بين حقيقة أن للكرة في حد ذاتها حكماً فقهياً مستقلاً يقوم على الإباحة والترويح المباح عن النفس، وبين المراهنات التي تقع خلف كواليسها ولها حكم فقهي آخر منفصل تماماً يتعلق بالقمار والميسر، فيخلطون بعشوائية غريبة بين ذات الفعل الرياضي وبين الممارسات الدخيلة عليه ليجلدوا به مجتمعات بأكملها.

الدين الإسلامي جاء ليربي القلوب على الرحمة والعدل، ولم يأتِ ليكون سوطاً مسلطاً يصنف الناس ويفتش في ضمائرهم بناءً على لقطة عابرة في مدرج أو أمام شاشة، والمشاعر الإنسانية ليست صنبوراً يفتحه المرء ويغلقه بقرار فكري صارم، والبكاء حماساً أو حزناً على خسارة رياضية ليس دليلاً على موت الضمير أو نسيان قضايا الأمة، بل هو تفريغ طبيعي لضغط اللحظة يعيشه ملايين البشر بمختلف مستوياتهم الفكرية والدينية. المزايدة باسم الدين في هذا السياق تعكس وصاية فجة وعقدة استعلاء وهمية، حيث يظن هؤلاء المنتقدون أنهم بجلد هذه المرأة وتجريم عاطفتها الوطنية يخدمون قضية غزة أو ينصرون المستضعفين، بينما الذين ينصرون القضايا العادلة يفعلون ذلك بالدعاء والكتابة والعمل والدعم والوعي الحقيقي، وليس بتحويل منصات التواصل إلى محاكم تفتيش تزدري الأمهات والأخوات لمجرد أنهن عبرن عن فرح أو قلق تجاه حدث عام، فالإسلام أرحب بكثير من هذا الأفق الضيق الذي يحاول حصر التقوى في التجهم والتحريم والتعالي على مشاعر الناس العفوية.

في الحقيقة يشكل إقامة محاكمة أخلاقية بناءً على مقارنة المشهدين، وإعلاء شأن المرأة الأولى عبر الحط من قدر الثانية قمة الزيف والادعاء، وسلوك مريض يسعى لإنتاج صكوك الغفران والتقوى على حساب مشاعر البشر وعفويتهم. وضع المرأتين في موضع المقارنة والمفاضلة هو تشويه لجوهر العمل الإنساني والديني، وتحويل للمآسي الكبرى إلى مجرد مادة للمزايدة وتصفية الحسابات الافتراضية.

المرأة الأولى التي تبكي لغزة تمارس واجباً وجدانياً تفرضه الفطرة السليمة أمام مجازر وحشية، ودموعها حق لا نقاش فيه، لكن رفع مكانتها بأسلوب يهدف إلى سحق امرأة أخرى تفاعلت مع حدث رياضي هو استغلال رخيص للقضية الفلسطينية ونضال أهلها.

القضية الفلسطينية أسمى وأطهر من أن تُستخدم كأداة لجلد الشعوب، أو كوسيلة لإهانة امرأة أطلقت العنان لدموعها حماساً لمنتخب وطنها في محفل عالمي يجمع بلادها بخصوم رياضيين كبار ككندا وهولندا.

هذا المنهج الإقصائي الذي تمارسه هذه الجماعات المسيئة يعكس عجزاً فكرياً واضحاً، فهم لا يستطيعون الثناء على موقف نبيل إلا بتهديم موقف آخر، وكأن التعاطف مع قضايا الأمة يشترط اعتزال الحياة وتحريم البهجة أو الحماس. تقديس الدموع في موضع، واستباحة العِرض والكرامة باسم الدين في موضع آخر، يكشف عن تناقض صارخ ونفاق فج، فالذين يعلون من شأن الأولى لإدانة الثانية لا ينصرون غزة ولا يحترمون الدين، بل يمارسون شهوة التعالي والاستعلاء الديني الذي يرى في كل حيوية وعفوية بشريّة ذنباً يستوجب الرجم والتشهير.

من الأجدر أن يفهم هؤلاء أن النفس البشرية تتسع للكثير من المتناقضات والمشاعر المتباينة دون أن يلغي بعضها بعضاً، والتاريخ الإسلامي والإنساني حافل بنماذج وصور جمعت بين قمة الالتزام بالقضايا المصيرية وبين عيش تفاصيل الحياة الاعتيادية بنفوس منشرحة، فماذا عسى هذه الجماعات المتشددة أن تقول عن امرأة تفيض عيناها دمعاً وتدعو الله بحرارة وتبكي من أجل شيء بسيط كالملح الذي ينقصها في بيتها لتطهو طعام أبنائها، أو تدعو بإلحاح لأجل مسألة يومية صغيرة جداً لا تكاد تذكر في حسابات السياسة والحروب؟ لقد علّمنا الفقه السوي أن السلف الصالح كانوا يسألون الله تعالى كل شيء حتى شسع النعل والملح، ولم يكن التضرع لأجل صغائر الاحتياجات الدنيوية عيباً أو دليلاً على تبلد الحس تجاه قضايا الأمة الكبرى، بل هو أوج العبودية والتعلق بباب الخالق جل وعلا في كل تفاصيل الحياة صغرها أو كبرها.

لقد غفلت عقول هذه الفئات المسيئة عن حقيقة التلاحم الوجداني المتبادل بين الشعوب، فأهل غزة أنفسهم ورغم عمق جراحهم وفداحة ما يمرون به، كانوا يدعون لمنتخب المغرب وينتظرون انتصاره وقد عبروا عن ذلك بصدق وبحرارة تفوق الوصف في مونديال 2022 كما فعلت كل شعوب العالم، وشاهد الجميع كيف امتزجت دموع الفرح والافتخار في أزقة القطاع المحاصر برفع العلم الفلسطيني مع كل فوز مغربي، مما يثبت أن حب الحياة والبهجة والانتصار الرياضي لا يتناقض أبداً مع قدسية القضية ولا يقلل من شأنها في قلوب الأمة.

الشغف الجمعي والتفاف الجماهير حول راية منتخبها يمثل ظاهرة نفسية واجتماعية تدرسها مراكز الأبحاث المعاصرة، مثل دراسات علم اجتماع الرياضة التي تؤكد أن تفريغ الضغوط عبر المباريات هو آلية دفاعية تلجأ إليها المجتمعات للحفاظ على توازنها النفسي وسط ركام الأزمات الاقتصادية والسياسية العالمية، والتأثر بهكذا منافسات لا يعني انسلاخاً من الدين أو غياباً للحس الإنساني.

صناعة المحتوى القائم على الإثارة واصطناع معارك وهمية تستغل المشاعر الدينية الجياشة أصبحت وسيلة رخيصة حيث يتعمد هؤلاء المزايدون تفكيك النسيج الاجتماعي والتشكيك في عقائد الناس وضمائرهم عبر بتر اللقطات العفوية وتوظيفها في سياق تفتيشي بغيض يتنافى تماماً مع قيم الستر والرحمة والتثبت التي نادى بها الدين الحنيف.

تجاوز الحدود في تفتيش الضمائر وإخضاع العواطف الإنسانية العفوية لمحاكم التفتيش الرقمية يضع المجتمع أمام معضلة أخلاقية حقيقية تهدد تماسكه وتشوه نقاء خطابنا الديني والإنساني.

الذين يبنون أمجادهم الافتراضية على كسر خواطر الأمهات والنساء اللواتي يعبرن بصدق وعفوية عن عواطفهن، يحولون التدين من منبع للرحمة والسكينة إلى أداة للتسلط المعنوي والتشهير المجتمعي.

احترام القضايا الكبرى وعلى رأسها مأساة غزة يتطلب وعياً ناضجاً يترفع عن توظيف آلام المستضعفين في معارك جانبية لا تقدم ولا تؤخر في واقع القضية شيئاً.

ويبقى التساؤل المفتوح الذي يجب أن يواجهه المجتمع بكل شجاعة يكمن في معرفة الزمن الذي تدرك فيه هذه الفئات المسيئة أن التضامن الحقيقي مع المظلومين يبدأ بتطهير النفوس من شهوة التعالي على الخلق، وأن نصرة القضايا العادلة لا تمر أبداً عبر هدم كرامة الإنسان وتجريم فطرته السوية.

https://anbaaexpress.ma/xan4h

عبدالله فضول

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى