عاد ملف الصحراء المغربية إلى واجهة النقاش في الأوساط الأكاديمية الإسبانية، بعدما وجه عدد من الباحثين والخبراء المعروفين بقربهم من أطروحات جبهة البوليساريو انتقادات للموقف الذي تبنته حكومة بيدرو سانشيز منذ عام 2022، معتبرين أن التحول الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية لم يحظ، بحسب رأيهم، بنقاش سياسي أو مؤسساتي كاف داخل إسبانيا.
وخلال ندوة أكاديمية تناولت انعكاسات التحولات الجيوسياسية على الاقتصاد الإسباني، رأى مشاركون أن قرار مدريد يمثل قطيعة مع نهجها التقليدي في التعاطي مع النزاع، بينما دعا آخرون إلى العودة إلى ما وصفوه بالمرجعية الأممية القائمة على تنظيم استفتاء لتقرير المصير، وهو الطرح الذي دافع عنه أيضًا ممثل جبهة البوليساريو في إسبانيا.
وفي مداخلة أثارت اهتمام الحضور، اعتبر أستاذ العلاقات الدولية كارلوس إتشيفاريا أن الصحراء تمتلك مؤهلات اقتصادية كبيرة قد تجعلها، في حال استقرارها واستغلال مواردها، أشبه بـ”كويت جديدة” في شمال غرب إفريقيا، في إشارة إلى ما تزخر به المنطقة من ثروات طبيعية وموارد استراتيجية.
كما تطرق بعض المتدخلين إلى قضايا مرتبطة بالسيادة البحرية والموارد الطبيعية في المحيط الأطلسي، منتقدين ما وصفوه باتساع المطالب المغربية، خاصة في المناطق البحرية القريبة من جزر الكناري، والتي تكتسب أهمية متزايدة بسبب احتياطاتها المحتملة من المعادن والطاقة.
في المقابل، يواصل الائتلاف الحكومي الإسباني التمسك بالموقف الذي أُعلن في مارس 2022، عندما اعتبرت مدريد مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب الإطار الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع، وهو الموقف الذي فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية بين الرباط ومدريد، وأسهم في تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي والسياسي بين البلدين.
وتعكس هذه الندوة استمرار وجود تيار داخل بعض الأوساط الأكاديمية والسياسية الإسبانية يرفض التحول الذي أقرته حكومة سانشيز في ملف الصحراء، إلا أن تأثير هذه المواقف يبقى محدودًا على مستوى القرار الرسمي.
فمنذ إعلان مدريد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي، لم تُظهر الحكومات الإسبانية أي مؤشرات على التراجع عن هذا الخيار، بل عززته عبر شراكة استراتيجية مع المغرب شملت ملفات الأمن والهجرة والطاقة والتبادل التجاري.
كما أن وصف الصحراء بأنها قد تصبح “كويت جديدة” يكشف إدراكًا متزايدًا للأهمية الجيوسياسية والاقتصادية للمنطقة، في ظل احتدام المنافسة الدولية على الموارد الطبيعية والمعادن الاستراتيجية.
وهو ما يفسر استمرار الجدل داخل إسبانيا حول هذا الملف، ليس فقط من زاوية القانون الدولي، بل أيضًا باعتباره قضية ترتبط بالمصالح الاقتصادية والأمنية في غرب البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن النقاش الدائر داخل بعض الأوساط الإسبانية يعكس تباينًا في الرؤى أكثر مما يعكس تحولًا في السياسة الخارجية للدولة، التي ما زالت تعتبر أن دعم مبادرة الحكم الذاتي يشكل الأساس الذي تبني عليه علاقتها الاستراتيجية مع المغرب، في وقت تزداد فيه أهمية الرباط كشريك رئيسي لإسبانيا والاتحاد الأوروبي في ملفات الأمن الإقليمي والهجرة والطاقة.




