يقول الإمام الزهري فيما أثبته الدكتور عبد السلام هارون بكتابه (تهذيب سيرة بن هشام) طبعة سنة 1374 خ، صفحة 215، عن إقرار “أمر الهدنة، صلح الحديبية” في آخر سنة ست من الإخراج النبوي الشريف الموافق لسنة 630م، قال:
[فما فتح في الإسلام قبله كان أعظم منه، إنَّما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وأمِن الناس بعضهم بعضاً، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر].قال ابن هشام:
[والدليل على قول الزهري أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف]. انتهى.دعني ألخص عاليه بما يجري على واقعنا الحالي مع أخذ تجربتين معاشتين للتدليل والإسقاط، هما النموذج السوداني المعاصر والمجتمع الدولي، طيلة هذا الكتاب.
نعيش نحن في السودان مؤخراً حرباً شنَّتها مليشيا الدعم السريع التي تمرَّدت على قانون القوات المسلحة السودانية، والتي كانت جزءاً منها بقانون برلماني لسنة 2017، ثم ما لبثت أن تمرَّدت على الدولة السودانية والقوات المسلحة السودانية.
وبغض النظر عن طبيعة هذه الحرب وتفاصيلها التي نشبت / راجع كتابي “السودان، حرب السنوات الست والاجتياح العظيم” تحت الإعداد الآن، لمزيد من التفاصيل / صبيحة يوم السبت 15 أبريل 2023، على مجريات اتخاذ القرار النبوي من إبرام اتفاق سلام سياسي بينه وبين أهل مكة في سنة ست من الإخراج النبوي الشريف كما ذُكر عاليه، ومن ثم إقرار هدنة إنسانية لعشر سنوات تضع فيها الحرب أوزارها قبل أن تخرق الاتفاقية فيما بعد، كما حدث في اتفاقية أديس أبابا بين الحركة الشعبية لجنوب السودان والرئيس الأسبق جعفر نميري (1972–1983)، عشر سنوات بعد التدقيق على الشهور، ثم خرقت الاتفاقية وبدأت الحرب من جديد (1983–2005)، وانتهت بتوقيع سلام نيفاشا 2005، تم بعدها فصل جنوب السودان عن شماله 2011.
إنَّ أهم النتائج التي أفضت للتعاقد التفاوضي كما في دراسة العلوم السياسية والعسكرية في الجامعات والمعاهد العلمية ذات الصلة لأي طرفي نزاع مسلح في العالم، قائم على سيادة الدولة ونفاذ القانون ضد تقويض نظامها الحاكم كما رأته قريش من تعدي النبي على سيادتها القبلية، أو قل سيادتها الدولية آنذاك، ومما رءاه النبي حقاً لدولته ودعوته في إطار الإصلاح المجتمعي حفاظاً على المكوِّن الاجتماعي لمعافاة السيرة والسريرة بين سكان جزيرة العرب وما حولها من القرى، فقد حدثت التباسات بين النظامين: النظام الحاكم السائد في قريش، الذي يعتبر نفسه سيد الموقف وصاحب الدولة العميقة، وبين النظام العالمي الجديد وصاحبه النبي وأصحابه، والذي يُمَثِّل بالنسبة لقريش المعارضة السياسية الخارجة عن أُطُر دستورية نظام القبيلة أو الجهة إذا صح التعبير، وفي ذات الوقت يرى نفسه النظام الحقيقي (أي نظام النبي الجديد) الذي يجب أن تدار به الدولة المدنية المعاصرة في القرن السابع الميلادي.
وبطبيعة الحال، نتجت خلافات سياسية وعسكرية بين الطرفين، قريش والمسلمين، مما يعطي بالنسبة لي أقَلَّاها التباين والاختلاف في وجهات النظر وكيفية إقامة الدولة المدنية البديلة لدولة القبيلة السائدة في عموم جزيرة العرب، موضع كلمتنا هذه مما رواه الزهري وأصحاب السير فيما سبق ذكره.
هذا، ما بين تقويض النظام الدستوري القبلي من جهة، وما بين المعارضة السياسية التي يُمَثِّلها النبي وأصحابه في تحويل الأيديولوجية الفكرية بضرورة تحويل أو تقويض النظام الحاكم لنظام مدني حر ديمقراطي يؤمن بالتعددية والإثنية وحقوق المواطنة لطبيعة القانون الاجتماعي الجديد، أحد أعمدة الوجود في النظام البشري، بتكوين دولة مدنية تعددية لا أحادية ولا شمولية كما هو الحال في قبضة وتسلط وسيطرة القبيلة أو القبلية على النظام الجهوي القبلي القرشي ومن حالفها، من جهة ثانية.
إذاً، مما سبق، فقد وضَّحنا باختصار شديد طبيعة وشكل الصراع آنذاك للحيلولة دون التباس الأمر على العقل الجمعي المتلقي الآن حينما نسقطه على واقعنا المعاصر اليوم من تعدد أشكال الصراع وتوسيع دائرة النفوذ السلطوي المحلي والإقليمي والدولي كما يحدث الآن بين أوكرانيا وروسيا، وما بين واشنطن وطهران، وما بين الحوثيين واليمنيين، والخرطوم وأبو ظبي، وهلم جرا.
في دور لافت للنظر أهمية التدخلات الخارجية والوساطات الدولية لإحلال السلام الإنساني والتعايش السلمي العالمي، وما بين زيادة أوج الحروب في ذات الوقت لتضارب وتقاطع المصالح المشتركة للبعض، وهذه معادلة جيوسياسية نعود إليها لاحقاً.
لكن الآن دعوني ألخص أهمية إقرار الهدنة الإنسانية بإبرام اتفاقية صلح الحديبية إسقاطاً على مشاكلنا المعاشة حالياً، على النحو أدناه:
توقف القتال، أو ما يعرف اليوم بوقف إطلاق النار، ويستنتج من هذا البند أنَّ توقف إطلاق النار مشروط في حالة الاختراق للهدنة، ودائم حالة الالتزام ببنود الاتفاق.
فتح ممرات آمنة لانسياب التدفقات الغذائية والعلاجية وإعمار ما دمرته الحرب، ويمكن التدقيق على هذا البند بالرجوع إلى جملة خبر الصلح، إذ يُستشف منه عودة الحياة لطبيعتها قبل الحرب أو قبل إبرام الاتفاق.
عودة الأمن والسلم الاجتماعيين، بحيث انتهاء التعدي بين الطرفين بموجب الاتفاق.
التفاوض أساس الاستقرار والتنمية والسلام الدولي.
فض النزاعات بين المتخاصمَين يستوجب وضع المشاكل المتفاقمة والتي يمكن أن تنشأ لاحقاً جانباً والبدء فوراً في إيجاد الحلول المرضية للطرفين، فيجب وضع حد لها، والحال عندنا في السودان ما يعرف بالحروب الأهلية المناطقية، ويدخل هنا دور الإدارات الأهلية لإقرار الصلح وطي صفحة الحرب.
حضور الإعلام والإعلان الداخلي والخارجي، وتفعيل إذاعة الخبر في الأمصار (الدول) لما تم الاتفاق عليه بضرورة وقف الحرب والاتجاه نحو التنمية والإعمار، وهنا ينجلي دور القنوات الفضائية أو الإعلام بأفرعه الثلاثة: المرئي، والمسموع، والمقروء، في دعم الاتفاقات الدولية وذيوعها للناس من أجل الاطمئنان على الأوضاع الحياتية كافة.
الشروع عند بعض جبهات القتال في مناطق أخرى سمعت بخبر الصلح وإقرار الهدنة للحذو مثلها في تجنب التصعيد الإعلامي السالب أو المواصلة في الاقتتال والمتاجرة بالدماء من أجل الكسب الرخيص المؤقت.
جبر الضرر والتنمية الاجتماعية الشاملة.
التعويضات اللازمة المترتبة على الاتفاق، ما عدا قتلى أسرى الحروب فلهم وضعية مغايرة، سواء كانت التعويضات هذه عينية أو مادية أو الاثنان معاً.
الترتيبات السياسية والعسكرية والدعوية وما أشبه الملازمة، لوضع أسس السلام المستدام في المنطقة.
يمكننا إرداف بعض الملاحظات هنا مما ورد آنفاً بناءً على مجريات الأحداث آنذاك والآن، فإنَّ التاريخ البشري يتشابه ولا يتطابق، على شاكلة:
اختيار المُفَاوِض الحَذِق لإدارة التفاوض والوفد المرافق له (طاقم التفاوض)، كموفد قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي (فلما رءاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلاً قال: “قد أراد القوم الصلح”)، وعلي بن أبي طالب، موفد رسول الله وكاتبه.
الإدراك التام لأس المشكلة وجذورها المتسببة في الحرب وكيفية علاجها وحلها نهائياً.
مراجعة الجهات الموفِدة للوفود أو السلطات العليا للدولة المخول لها البت في أمر مجريات تفاصيل التفاوض وسقوفاته من المختصين والخبيرين، كما جاء من ذات المرجع السابق، ص 213: (فلما انتهى سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، تكلم، فأطال الكلام، وتراجعا، ثم جرى بينهما الصلح).
انتبه لكلمة “تكلم، فأطال الكلام” عند إسقاطها المعاصر، فهي تفيد طول زمن التفاوض وجديته، كما حدث إبان مفاوضات نيفاشا 2005 وما قبلها التي استمرت سنتين (2003–2005) بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان عبر رئيس الحركة الدكتور جون قرنق، والأستاذ علي عثمان محمد طه، ممثل الحكومة آنذاك.
كذلك كلمة “تراجعا” تفيد المزيد من المشاورات والمناورات السياسية والمراجعات مع الجهات المختصة لكسب أكبر قدر ممكن من الاتفاق وتقليل الخسارة ما أمكن.
في صلح الحديبية “الدخول في عقد محمد وعهده، وقريش وعهدها”، تفيد ما يعرف اليوم بالدمج والتسريح وإعادة الدمج بالنسبة للقوات المشاركة في القتال أو التحالفات السياسية [فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم] والعسكرية، مثل أبي جندل بن سهيل بن عمرو (ابن كبير مفاوضي قريش) وهو يرسف في الحديد حينما أخذته قريش عنوة من عهد محمد إلى عهدها بموجب الالتزام بالاتفاق كتطبيق فوري وإنفاذ سريع للبند المتفق عليه.
التعريفات الواضحة لممثلي الجهات المتفاوضة وتحديد صلاحياتهم التفاوضية.
إظهار الجهات المتحالفة والداعمة والممولة مع كل طرف (المجتمع الدولي).
التأييد الشعبي الجماهيري أو المعارض (موقف عمر بن الخطاب المعارض من إبرام بعض بنود الاتفاقية).
التوقيع والشهود، سواء كانوا دوليين أو جهات داخلية محلية أو إقليمية.
وهذا الباب واسع ومتشعب للغاية، وجدير بإعادة المراجعة بالمزيد من البحث والاستقصاء، لكن أكتفي بهذا القدر من تفعيل وتعريف السُّنَّة النَّبَوِيَّة في إحدى جوانبها المُهِمَّة.




