فدوى سعد – القاهرة
تُشكل رواية “حاملات” (من هنا إلى هناك وبالعكس) للروائية السودانية القديرة زينب بليل، سردية استثنائية مفارقة للسائد. صَدَرت الطبعة الأولى من الرواية عام 2014 بتقديم خطَّه الأستاذ محمد حسن رابح، ت في 245 صفحة، مُوزعة على تسعة وعشرين فصلًا.
“حاملات القرابين” عملٌ روائي باذخ العمق، يتجاوز بثرائه حدود الأوراق النقدية العاجلة؛ ولذا ترتكز هذه القراءة على محاور ومكاشفات ظلت عالقة بالذاكرة بعد الانتهاء من فعل القراءة، التي واكبتها حالة من الإرباك والدهشة الوجودية، تأكيدًا على أننا أمام بنيان سردي اعتنَت به الكاتبة في أركانه كافة: من بنية الشخصيات، واللغة، والثيمات، وصولًا إلى التقنيات والحبكة العبقرية الخيالية السابقة لزمانها ومكانها.
حين تجتمع الفانتازيا بالهالات النورانية، تتبدى “حاملات القرابين” بوصفها سردية “الرَّحِم الكوني الأول”؛ وهو متخيل سردي يتشكل داخل فضاء يوتوبي خالص.
يتجسد هذا الفضاء في بيضة لؤلؤية دائرية معلقة في سديم الكون، غزلتها الكاتبة بعناية فائقة من مزيج هلامي مدهش يختلط فيه العطر بالضوء، لترسم فانتازيا عابرة وديكورًا مسرحيًا يجسد أنثروبولوجيتها الفلسفية الخاصة بالفطرة في نقائها البكر المطلق.
في هذا الفضاء النوراني، يعيش الوعي الإنساني متمثلًا في الكائنات أو “الأخوات السبع” اللواتي يرفلن في سلام وأمان تام، معزولات كليًا عن لوثة الطمع الأرضي وصراعات البشر المادية.
ولكن، بدافع من واقعية السرد وديناميكيته، يحدث الانقلاب الروائي الذي يرفض الاستقرار الطويل في طمأنينة البدايات الفردوسية؛ فتطوح الكاتبة ببطلاتها (الأخوات النورانيات السبع) نحو التجربة عبر معبر رمزي عبقري وخطير هو “البوابة الزرقاء”، وذلك تحت تأثير دافع إنساني بكر: الفضول، والرغبة الجارفة في كشف المجهول، وسبر أغوار العوالم الأخرى.
لم تكن هذه “البوابة الزرقاء” في مشروع زينب بليل مجرد ممر مكاني أو جدار يفصل بين ردهتين، بل كانت المعبر التراجيدي الحتمي الذي تتسلل منه الفطرة البكر إلى أتون الشقاء الأرضي.
ومن هنا تحديدًا، تبدأ التجربة وتلوح نهاياتها نحو “الهبوط الحتمي”؛ هبوطٌ من سماء النقاء والضوء والعطر، إلى أرض مأزومة بوحلها المجتمعي الثقيل الذي سيلتصق بأجساد الصبيات السبع ويلوث طهرهن الفطري.
صدمة الارتطام بالواقع وآليات الظلم: تتكشف عوالم زينب بليل في رصدها الذكي والعميق لـ “صدمة الارتطام بالواقع البشري”.
فالأرض التي تهبط إليها الكائنات النورانية السبع لا تتبدى كمستقبل مرحب بالجمال، بل تظهر كبيئة عدائية بامتياز، محكومة بمجتمعات نسجت قوانينها وصاغت تقاليدها وأعرافها برؤى صارمة وقاسية، وهي رؤى عاجزة بنيويًا عن التسامح مع النقاء المفرط أو استيعاب الاختلاف الفطري الصافي.
وحين تخرج الفطرة إلى العلن، وتتجلى أمام أعين البشر في صور مادية ملموسة (متمثلة في ولادة الأخوات بأسنان مكتملة وقدرتهن الفورية المذهلة على المشي)، يعجز المجتمع الأرضي عن استيعاب هذا الامتلاء الروحي والبيولوجي الخارق.
وبدلاً من أن يُجابه هذا الجمال بالترحاب، يُترجم الاختلاف فورًا في المخيلة الجمعية إلى “رعب” كوني، وتهديد يهدد استقرار البنى التقليدية السائدة. وأمام هذا العجز البشري الفادح عن احتواء النور، يمارس المجتمع آليته المفضلة والمتوارثة: آلية النفي، والعزل، والإقصاء القسري.
يتم إبعاد الأخوات النورانيات فورًا إلى أطراف الوجود البشري وهوامشه القاسية داخل ضريح قديم لـ “ولي صالح”، ليتحول الضريح من مكان ديني مخصص للسكينة والملاذ الروحي، إلى سجن مظلم وقاهر يُفرض على الفطرة النقية ليقمعها ويشوهها تشويهًا لا يمكن إصلاحه.
وتكتمل سلطة القمع والاستبداد متجسدة في شخصية “الملك الخادم”، وهو الرمز السردي الذي تختزل فيه الكاتبة سلطة الطغيان والذكورية وطمع الإنس والجان معًا؛ حيث يحاول بكل أدواته استغلال هذا الجمال النوراني الفطري عبر محاولات مستمرة لتحويل الأخوات السبع وقدراتهن الروحية إلى قرابين مادية تُستثمر لاسترداد عروش سياسية مفقودة وممالك زائلة.
التحول الرمزي وجذور الوجدان السوداني: إن التحول الرمزي المتمثل في تبدل أكف الأخوات السبع الغرّاوات إلى مواقد مشتعلة من جمر لاهب لا ينطفئ أبداً، يقدم أبلغ إسقاط نقدي تطرحه زينب بليل على كيفية تعامل المجتمعات البشرية مع النقاء البكر.
فاليد التي كانت في فضائها الأول رمزًا للملامسة اللطيفة العذبة، ومنح النور والشفاء، وبث الأمان في النفوس الخائفة، تحولت إلى مجامر مشتعلة ترصد مطالب الحشود في طبقات الدخان، خاصة حين يتحول الطعام جمرًا في أيديهن، وعندما يُطلق عليهن الحشود اسم “الطعاميات”.
وهنا تكمن القوة الإبداعية الحيوية اللامعة في هذا النص، والتي تجعل القارئ والناقد يقفان أمامه مبهورين: قدرة زينب بليل الفذة على هندسة عوالم فانتازية تبدو للوهلة الأولى مفارقة للواقع ومغرقة في السحرية، بينما هي في جوهرها تضرب بجذورها العميقة في تربة الذاكرة والتاريخ والوجدان الجمعي السوداني؛ إذ لاح لي أثناء القراءة طيف “ست مريم أم اليتامى” و”نصرة بنت عدلان”، تلحق بهن زينب بليل وبيدها “حاملات القرابين”. عتبات الرواية وبنيتها الدلالية
1. عتبة العنوان الرئيسي والفرعي: يبدأ النص بمواجهة أولى ومربكة مع العنوان: “حاملات القرابين”. وهو عنوان مشحون بحمولة أنثروبولوجية وطقسية ثقيلة؛ فالقرابين تحيلنا فورًا إلى عوالم الميثولوجيا، والفداء، والاسترضاء للقوى الغيبية.
لكن العبقرية تتجلى في العنوان الفرعي الشارح: (رحلة العبور من هنا إلى هناك وبالعكس). هذا القوس التفسيري هو أول إشارة حيوية لحركة النص؛ إنه يكسر ثبات الموت الذي توحي به كلمة “قرابين”، ليمنح البطلات حركة فيزيائية دائرية تعلن مبكرًا عن فلسفة السفر بين يوتوبيا النقاء البكر ووحل كوكب الأرض
2 . العتبة البنيوية (تقسيم المتن إلى 29 فصلًا): عندما تختار زينب بليل تقسيم روايتها إلى تسعة وعشرين فصلًا، فإنها لا تمارس تقطيعًا عشوائيًا للزمن، بل توزع الأنفاس السردية على محطات متلاحقة.
هذا التقسيم يخدم حيوية التدفق الفانتازي، حيث تلاحق الفصول رحلة الأخوات السبع منذ أن كنّ وعيًا خالصًا معلقًا في الفضاء، وحتى ارتطامهن بالواقع ثم تحولهن إلى مجامر مشتعلة.
الفصول هنا تعمل كـ “مشاهد مسرحية” متصلة ومنفصلة في آن واحد، تحافظ على إيقاع الصدمة وتنامي الدراما الإنسانية التي تدفع بالقارئ للتنقل بين الصفحات بشغف.
3. عتبة البوابة الزرقاء (العتبة السردية الكبرى): داخل البنية الداخلية للنص، تبرز “البوابة الزرقاء” كعتبة رمزية ومجازية داخلية فاصلة. إنها ليست مجرد جدار أو باب، بل هي العتبة التراجيدية التي تفصل بين عالمين؛ بين “الرحم الكوني الأول” بنقائه البيضي اللؤلؤي، وبين الشقاء الأرضي بوحله وطمعه.
وقوف الأخوات السبع عند هذه العتبة، مدفوعات بالفضول الإنساني البكر، هو اللحظة الحيوية التي تحرك الحدث الروائي وتدفع به إلى منطقة الصراع والارتطام الفاجع بالواقع البشري.
بنية الشخصيات وتصنيفها الأنطولوجي تتحرك الرواية عبر استراتيجية تقسيم الشخوص إلى بنيتين متوازيتين تلتقيان في نقطة واحدة وهي: “المعاناة والوجع” باختلاف أسبابه وأنواعه ونسبه.
الشخصيات النورانية (كائنات الفانتازيا واليوتوبيا): الأخوات السبع يمثلن الشخصية الفطرية النقية. إنهن لا يتطورن بالمعنى السيكولوجي التقليدي، بل يمثلن “رموزًا للفطرة المطلقة”.
ولدت الشخصية النورانية هنا مكتملة (الأسنان، المشي الفوري، النطق)، وهو ما يجعلها “شخصية أيقونية” ثابتة في نقائها، تتحرك ككتلة واحدة في مواجهة التشويه الأرضي. اللغة السردية وظلالها الدلالية تتسم لغة الرواية بأنها لغة شعرية كثيفة وعذبة، مشحونة بالرمزية والإحالات، ويمكن تقسيمها إلى مستويين دلاليين:
1. لغة فضاء اليوتوبيا: لغة تميل إلى الدائرية، والاتساع، والمجاز العالي (العطر، الضوء، الهلام، اللؤلؤ)؛ وهي لغة تعبر عن وعي بكر لم يتلوث بعد باليومي والمادي
2. اللغة الواقعية (فضاء الأرض): لغة حادة، حافلة بألفاظ البتر، والنار، والدم، والحديد. الكاتبة تستخدم اللغة هنا كمشرط جراح يشق طبقات الوجع والألم ليعري قسوة المجتمع، كما يتجلى في قولهن: (اكتشفتُ بأن الحفرة دُفنت فيها الأجزاء التي بُترت مني، دُفنت معها سبعة أنواع من البقول).
رمزيّة الرقم سبعة (7) الرقم سبعة في “حاملات القرابين” ليس مجرد رقم حسابي لعدد البطلات، بل هو “العتبة الرمزية” الأعمق التي أسست عليها زينب بليل البنية الفلسفية للرواية برمتها.
اختيار هذا الرقم تحديدًا يمنح النص أبعادًا كوزمولوجية وطقسية؛ فزينب بليل ابنة بيئتها، والرقم سبعة له ظلال كثيفة في المتخيل الشعبي والطقسي السوداني، فهو مرتبط بالتمائم، والرقية، والشفاء، والحماية من “العين” والشرور، مثلما هو مرتبط بطقوس (السبوع).
وحين تحولت أكف الأخوات السبع إلى مجامر لاهبة وأطلق عليهن الحشود اسم “الطعاميات”، تبرز هنا طقوسية الرقم؛ فالبخور والقرابين والعادات في الذاكرة السودانية تحتاج دائماً إلى شروط عددية ليكتمل مفعولها السحري أو الروحي.
لقد شكّل الرقم سبعة الجسر الرمزي الذي استخدمته زينب بليل ليربط بين “النورانيات” في فضائهن الأول، وأتون الشقاء الأرضي؛ إنه رقم يحمل في طياته هالة الحماية منذ خروجهن وحتى ترقبهن لسماع صفارة العودة. تقنيات السرد وبراعة الحكي: عندما تمتلك الكاتبة المقدرات الأدواتية، فإنها تطوع اللغة وتشكلها بمرونة واقتدار.
شيخة الروائيين السودانيين زينب بليل استخدمت مجموعة من التقنيات السردية الحديثة لكسر خطية الزمن التقليدي لصالح سردية متعددة العوالم، وجاءت هذه التقنيات باحترافية عالية.
الفانتازيا الواقعية: دمج الغرائبي (الولادة بأسنان، الأكف التي تتحول لمجامر، الطيران) بالواقعي اليومي المحض (الطبخ، الزار، الطين، الزواج التقليدي). هذه التقنية جعلت من الفانتازيا مرآة مكبرة لفضائح الواقع وتناقضاته وليست مجرد هروب منه.
الاسترجاع (Flashback): كسر خط الزمن المتوالي للعودة إلى لحظات البتر الأولى؛ مثل ارتداد “نوار” المستمر لصباح الختان الصادم، أو ارتداد الأخوات لحظة عبور البوابة الزرقاء وسماع الصافرات.
تعدد الأصوات (البوليفونية): تداخل صوت الراوي العليم مع الأصوات الداخلية للشخصيات المقهورة عبر المونولوج النفسي، مما أتاح لكل وجع أن يروي حكايته، ويسكب صوته الخاص بملء الحرية والخصوصية.




