آراءسياسة
أخر الأخبار

من أفغانستان إلى غزة.. كيف صنعت الحروب الخريطة الحزبية العربية الجديدة؟

الحديث عن "أزمة أحزاب" عربية عامة يبدو تبسيطًا مخلًا بالواقع. فالأدق أن العالم العربي يعيش منذ أربعة عقود عملية إعادة تشكيل سياسية عميقة

كلما جرى الحديث عن الحياة السياسية العربية في السنوات الأخيرة، يتكرر استنتاج يكاد يتحول إلى مسلّمة: الأحزاب تراجعت، والناس هجرت السياسة، والعصر الرقمي سحب البساط من تحت التنظيمات التقليدية.

تبدو هذه الفرضية جذابة للوهلة الأولى، لكنها تصطدم بواقع مختلف تمامًا. فالسياسة لم تتراجع في العالم العربي، والأحزاب لم تختفِ، بل إن بعضها أصبح أكثر قوة وتأثيرًا مما كان عليه قبل أربعة عقود.

ما تغير فعليًا ليس حجم السياسة، بل طبيعة القوى التي نجحت في البقاء والصعود، وتلك التي عجزت عن التكيف مع التحولات العميقة التي ضربت المنطقة.

في تقديري، يصعب فهم المشهد الحزبي العربي الراهن من دون العودة إلى حقيقة غالبًا ما يجري التقليل من شأنها؛ الحروب كانت العامل الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل الحياة السياسية العربية منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي.

فمن أفغانستان إلى العراق، ومن لبنان إلى سوريا، ومن اليمن إلى فلسطين، اضافة للحروب الدامية التي حصلت في زمن ما سُمّي بالربيع العربي، لم تكن الحروب مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل كانت مصانع ضخمة أعادت إنتاج الهويات والانتماءات والولاءات السياسية، وقررت إلى حد بعيد من يصعد ومن يتراجع ومن يختفي من المشهد.

قبل أربعة أو خمسة عقود كان المشهد مختلفًا. كانت الأحزاب القومية واليسارية تملأ الساحات والجامعات والنقابات.

كانت أسماء مثل البعث والناصرية والحركات القومية العربية والأحزاب الشيوعية تشكل جزءًا أساسيًا من الحياة السياسية والفكرية في معظم الدول العربية.

يومها كانت النقاشات تدور حول الوحدة العربية والاشتراكية والتحرر الوطني والصراع مع الاستعمار. كان الشاب العربي يدخل الحزب بحثًا عن مشروع كبير يفسر العالم ويعد بتغييره.

لكن المنطقة التي عرفها جيل الستينيات والسبعينيات لم تعد موجودة اليوم. فقد جاءت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 لتفتح بابًا جديدًا في السياسة الإقليمية، ثم اندلعت الحرب السوفياتية في أفغانستان التي تحولت إلى نقطة جذب لآلاف المقاتلين والمتطوعين من العالم الإسلامي.

وبعدها جاءت الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، قبل أن تدخل المنطقة سلسلة متصلة من الحروب والنزاعات والاحتلالات والاضطرابات التي لم تتوقف فعليًا حتى يومنا هذا.

في مثل هذه البيئات لا تبقى المجتمعات كما هي. الحروب لا تدمر الجسور والمباني فقط، بل تعيد تشكيل طريقة تفكير الناس. وعندما يعيش الإنسان سنوات طويلة في ظل الخوف وعدم اليقين، تتغير أولوياته بصورة طبيعية.

فبدل البحث عن مشروع فكري واسع أو نظرية سياسية شاملة، يصبح أكثر ميلًا للبحث عمن يوفر له الحماية، أو يمنحه شعورًا بالانتماء، أو يقدم له تفسيرًا مقنعًا لما يجري حوله.

من هنا تحديدًا بدأت الخريطة الحزبية العربية تتغير.

الخطأ الذي يقع فيه كثير من المحللين هو التعامل مع جميع الأحزاب باعتبارها تعيش الأزمة نفسها. والواقع أن العقود الأربعة الماضية شهدت مسارين متعاكسين في آن واحد: تراجع واضح لعدد من الأحزاب التقليدية، وصعود ملحوظ لأحزاب وتنظيمات أخرى، خصوصًا تلك التي نجحت في ربط السياسة بالهوية وبالشبكات الاجتماعية والخدماتية.

يكفي النظر إلى مصير بعض الأحزاب القومية الكبرى لفهم حجم التحول. فحزب البعث الذي حكم العراق لعقود انتهى عمليًا بسقوط نظام صدام حسين عام 2003.

أما البعث السوري الذي كان يمثل أحد أبرز الأحزاب القومية العربية فقد فقد الكثير من حضوره السياسي والفكري الذي تمتع به في مراحل سابقة، حتى لو بقي ممسكًا بمفاصل السلطة لغاية سقوطه ايضًا.

وفي دول أخرى تراجعت الأحزاب القومية واليسارية إلى أدوار محدودة مقارنة بما كانت عليه في النصف الثاني من القرن العشرين.

في المقابل، كانت قوى أخرى تتقدم بثبات.

العراق يقدم المثال الأوضح. فبعد إسقاط نظام صدام حسين لم تملأ الفراغ أحزاب قومية أو ليبرالية، بل أحزاب ذات مرجعيات دينية ومذهبية.

وخلال سنوات قليلة أصبحت هذه القوى اللاعب الرئيسي في الحياة السياسية العراقية، مستفيدة من التحولات الاجتماعية والأمنية التي رافقت الاحتلال الأميركي وما تلاه.

كذلك الأمر في سوريا من بعد وفاة الرئيس الأسد الأب وانتخاب الأسد الإبن الذي حاول نقل سوريا وتطويرها لم يستطع بسهولة لان البعث السوري الذي كان بحاجة الى تطوير كبير كان ممسكًا بكل مفاصل السلطة، وبعدها بدأت الحرب في سوريا لسنوات طويلة وصولًا الى مغادرة الاسد سدة الرئاسة وتولي من كان الاشد تطرفًا (دينيًا) سدة الحكم .

وفي فلسطين، ورغم كل ما تعرضت له الساحة الفلسطينية من انقسامات وضغوط وحروب، بقيت الحركات المرتبطة بقضايا المقاومة والهوية الوطنية والدينية قادرة على الحفاظ على حضورها الشعبي.

بل إن الحرب الأخيرة في غزة أعادت طرح أسئلة كثيرة حول العلاقة بين الصراع العسكري والشرعية السياسية، وحول قدرة الحركات المرتبطة بالمقاومة على استقطاب شرائح واسعة من الرأي العام العربي.

أما لبنان، فيقدم ربما النموذج الأكثر وضوحًا لفهم العلاقة بين الحروب وصعود الأحزاب. فمن الصعب الحديث عن الحياة السياسية اللبنانية خلال العقود الأربعة الماضية من دون التوقف عند تجربة حزب الله.

فالحزب الذي نشأ في ظل الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان خلال ثمانينيات القرن الماضي تحول تدريجيًا من تنظيم محدود إلى أحد أكثر الفاعلين تأثيرًا في المعادلة اللبنانية والإقليمية.

وبغض النظر عن الموقف السياسي منه، فإن تجربته تمثل نموذجًا واضحًا لكيفية مساهمة الصراعات العسكرية في إنتاج قوى سياسية تمتلك قاعدة شعبية واسعة وتنظيمًا متماسكًا ومؤسسات اجتماعية وخدماتية متشعبة.

ولم يكن حزب الله وحده في هذا السياق. فالجماعة الإسلامية في لبنان، كما العديد من القوى الإسلامية الأخرى في المنطقة، استفادت هي أيضًا من التحولات التي شهدها العالم العربي منذ الثمانينيات، وإن بدرجات وتأثيرات مختلفة.

كما أن تنامي حضور الخطاب الديني في المجال العام لم يكن ظاهرة لبنانية فقط، بل جزءًا من موجة أوسع شملت عددًا كبيرًا من الدول العربية والإسلامية.

هنا تبرز نقطة جوهرية كثيرًا ما يتم تجاهلها. فصعود الأحزاب الدينية خلال العقود الماضية لم يكن نتيجة عامل واحد، ولم يكن مجرد انعكاس لتدين المجتمعات.

لقد ارتبط أيضًا بقدرتها على أداء وظائف لم تعد الدولة قادرة على القيام بها بالكامل في عدد من البلدان. فهذه الأحزاب لم تكتفِ بإنتاج خطاب سياسي أو أيديولوجي، بل بنت مدارس ومستشفيات وجمعيات ومؤسسات إغاثية وشبكات دعم اجتماعي. وبالنسبة إلى قطاعات واسعة من المواطنين، أصبحت هذه المؤسسات جزءًا من الحياة اليومية، وليس مجرد امتداد لنشاط سياسي.

لكن العامل الأكثر تأثيرًا يبقى أن الحروب نفسها أعادت تشكيل مفهوم الهوية لدى ملايين الناس. فكل حرب طويلة تترك وراءها شعورًا جماعيًا بالتهديد.

وعندما يشعر الناس أن وجودهم أو أمنهم أو مستقبلهم معرض للخطر، فإنهم يميلون إلى الاحتماء بالهويات الأكثر رسوخًا في وعيهم، سواء كانت دينية أو مذهبية أو قومية أو حتى مناطقية. ولهذا السبب لا يمكن فصل صعود العديد من الأحزاب الدينية عن البيئة الأمنية والسياسية التي أنتجتها الحروب.

بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك والقول إن الحروب لم تكن مجرد عامل مساعد في صعود هذه الأحزاب، بل كانت في كثير من الأحيان الوقود الذي منحها شرعيتها الشعبية ومصادر قوتها التنظيمية.

فمن أفغانستان إلى العراق ولبنان وفلسطين، يصعب العثور على تجربة كبرى لصعود حزب ذي مرجعية دينية بمعزل عن سياق صراع أو مواجهة أو شعور جماعي بالخطر.

في المقابل، وجدت الأحزاب القومية واليسارية نفسها أمام تحديات أكثر تعقيدًا. فالأفكار التي شكلت أساس مشروعها السياسي تعرضت لاختبارات قاسية خلال العقود الماضية.

فشل مشاريع الوحدة العربية، وانهيار الاتحاد السوفياتي، وصعود الاقتصاد العالمي الجديد، وتراجع دور الدولة التقليدية، كلها عوامل أضعفت الكثير من الأدوات الفكرية التي استندت إليها هذه التيارات لعقود طويلة.

والأهم من ذلك أن هذه الأحزاب لم تنجح دائمًا في إنتاج خطاب جديد يجيب عن أسئلة العصر. فالشاب العربي الذي كان يبحث قبل نصف قرن عن مشروع للتحرر الوطني أو العدالة الاجتماعية، بات منشغلًا اليوم بقضايا الأمن وفرص العمل والهجرة والهوية والاستقرار الاقتصادي. وفي كثير من الأحيان بدت الأحزاب التقليدية وكأنها تخاطب جمهورًا لم يعد موجودًا بالصيغة نفسها.

ثم جاءت الثورة الرقمية لتضيف طبقة جديدة من التعقيد. فقد أصبح بإمكان أي شخصية أن تخاطب جمهورًا من الملايين عبر شاشة هاتف، من دون الحاجة إلى حزب أو صحيفة أو تنظيم.

واعتقد كثيرون أن هذا التطور سيقود إلى نهاية الأحزاب التقليدية. لكن ما حدث على أرض الواقع كان أكثر تعقيدًا. فالنفوذ الرقمي أثبت أنه قادر على خلق شعبية سريعة، لكنه ليس دائمًا قادرًا على بناء تنظيم مستدام.

وقد أظهرت تجارب عديدة في العالم العربي أن الحركات أو المبادرات التي تحقق انتشارًا واسعًا عبر الإعلام أو وسائل التواصل تواجه صعوبة كبيرة عندما يحين وقت الانتقال من الاحتجاج إلى التنظيم، ومن الشعار إلى البرنامج، ومن الجمهور الافتراضي إلى البنية السياسية القادرة على الاستمرار.

فالسياسة، مهما تغيرت أدواتها، لا تزال تحتاج إلى تنظيم، والتنظيم يحتاج إلى قيادة وهياكل ومؤسسات وقواعد اجتماعية.

لهذا السبب ما زالت الأحزاب الأكثر تجذرًا هي الأكثر قدرة على الصمود. ليس لأنها تمتلك الخطاب الأفضل بالضرورة، بل لأنها تملك ما هو أهم في لحظات الأزمات: التنظيم، والشبكات الاجتماعية، والقدرة على التعبئة، والإحساس بالهوية المشتركة.

ومع دخول المنطقة مرحلة جديدة من التحولات الجيوسياسية، من الصعب الاعتقاد أن دور الأحزاب سيتراجع في المستقبل القريب. ما سيحدث على الأرجح هو استمرار عملية الفرز التي بدأت قبل عقود.

بعض القوى سيواصل التقدم، وبعضها سيواصل التراجع، تبعًا لقدرته على فهم المجتمعات التي تغيرت بفعل الحروب والصراعات والانهيارات الاقتصادية.

لذلك فإن الحديث عن “أزمة أحزاب” عربية عامة يبدو تبسيطًا مخلًا بالواقع. فالأدق أن العالم العربي يعيش منذ أربعة عقود عملية إعادة تشكيل سياسية عميقة. وخلال هذه العملية لم تغب السياسة عن حياة الناس، ولم ينصرفوا عنها كما يقال أحيانًا، بل أعادوا تعريف أولوياتهم واختاروا القوى التي رأوا فيها قدرة أكبر على تمثيل مخاوفهم والدفاع عن هوياتهم وتقديم إجابات عملية على أسئلة المرحلة.

ومن هنا ربما يكون السؤال الأكثر أهمية في السنوات المقبلة ليس؛ هل انتهى زمن الأحزاب؟ بل، أي الأحزاب ستكون قادرة على قراءة المجتمعات التي صنعتها الحروب، وأيها سيبقى يتحدث بلغة زمن مضى ولم يعد موجودًا إلا في كتب التاريخ؟

https://anbaaexpress.ma/biw9v

داني الامين

صحفي لبناني ومستشار علاقات عامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى