في السنوات الأخيرة، صار المغرب وجهة مفضلة لعدد متزايد من الإستثمارات الأجنبية في الصناعة والهندسة والخدمات التقنية.
ويقدم هذا التوجه غالبا بإعتباره دليلا على ثقة الخارج في الإقتصاد الوطني، وعلى قدرة البلاد على جذب مشاريع ذات قيمة مضافة عالية.
غير أن خلف هذا الخطاب المتفائل سؤالا جوهريا لا ينبغي إخفاؤه: هل نحن أمام نقل حقيقي للمعرفة والتكنولوجيا، أم أمام نقل للكلفة من أوروبا إلى المغرب؟
حين تقرر شركة أجنبية، تعاني في بلدها الأصلي من ارتفاع الأجور وضغط التكاليف وتراجع الطلب، أن تفتح مركزا هندسيا في المغرب، يبدو الأمر في ظاهره خبرا إقتصاديا مشجعا.
تتصدر الأرقام المشهد: مئات مناصب الشغل، مهندسون شباب، مراكز تقنية، حديث عن البحث والتطوير، وربط للمغرب بسلاسل القيمة العالمية.
لكن الإقتصاد لا يقرأ بالصور ولا بالبلاغات فقط. فالقيمة الوطنية لا تقاس بعدد الوظائف المعلنة، بل بنوعية هذه الوظائف، وبمدى قدرتها على بناء خبرة محلية مستقلة، وبحجم التكنولوجيا التي تستقر فعلا داخل البلاد.
إن إستبدال المهندس الأوروبي مرتفع الكلفة بمهندس مغربي أقل أجرا قد يكون قرارا مربحا للشركة المستثمرة، لكنه ليس بالضرورة مكسبا إستراتيجيا للمغرب.
فإذا إقتصر دور المهندس المغربي على تنفيذ مهام جزئية، أو معالجة ملفات تقنية مرسلة من الخارج، أو إنجاز أعمال دعم لا تمنحه سلطة القرار ولا فرصة الإبتكار، فإننا لا نكون أمام إقتصاد معرفة، بل أمام مناولة جديدة بلباس هندسي أنيق.
المغرب لا يحتاج إلى أن يكون أرخص من أوروبا فقط. يحتاج إلى أن يكون أكفأ، أذكى، وأكثر قدرة على إنتاج قيمة لا يمكن تعويضها بسهولة.
فالإقتصاد الذي يبني جاذبيته على إنخفاض الأجور يظل إقتصادا هشا، لأن المستثمر الذي يأتي بحثا عن الكلفة المنخفضة قد يغادر غدا نحو بلد أقل كلفة.
أما الإقتصاد الذي يجذب المستثمرين بفضل جودة التكوين، وإستقرار المؤسسات، وكفاءة الموارد البشرية، والقدرة على الإبتكار، فهو إقتصاد يفاوض من موقع قوة لا من موقع إنتظار.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم منصب شغل سيخلق؟ بل: أي نوع من مناصب الشغل سيخلق؟ هل هي وظائف مستقرة أم عابرة؟ هل تمنح المهندسين المغاربة فرصا حقيقية للتعلم والترقي؟ هل تضعهم في قلب القرار التقني أم في هامشه؟ هل تسمح بتكوين فرق محلية قادرة مستقبلا على قيادة مشاريع كاملة؟ وهل تخلق حولها منظومة وطنية تضم الجامعات والمختبرات والشركات الناشئة والموردين المحليين؟
الإستثمار الأجنبي في الهندسة والتكنولوجيا يمكن أن يكون فرصة ثمينة للمغرب، لكنه يصبح فرصة حقيقية فقط عندما يتحول إلى أداة لبناء الكفاءة الوطنية، لا إلى مجرد ملجأ للشركات الباحثة عن تخفيض نفقاتها. لذلك، لا ينبغي التعامل مع هذه المشاريع بعقلية إحتفالية، بل بعقلية إستراتيجية.
المطلوب هو ربط التحفيزات والإمتيازات بشروط واضحة: نقل المعرفة، تكوين الكفاءات، تشغيل المغاربة في وظائف ذات مسؤولية، إشراك الجامعات الوطنية، وخلق مسارات مهنية طويلة الأمد.
كما ينبغي ألا تبقى الأرقام المعلنة خارج المساءلة. فكثيرا ما تبدو الوعود جذابة في لحظة الإفتتاح، لكن الحقيقة الإقتصادية تظهر بعد سنوات.
كم منصبا تحقق فعلا؟ ما متوسط الأجور؟ كم مهندسا مغربيا وصل إلى مواقع تدبيرية؟ كم مشروعا طور محليا لا مجرد تنفيذه؟ وكم معرفة بقيت في المغرب بعد انتهاء العقود؟
المغرب لا يرفض الإستثمار الأجنبي، بل يحتاج إليه. لكنه يحتاج أكثر إلى إستثمار يرفع مستوى الإقتصاد، لا فقط عدد العاملين فيه.
فليس الطموح أن نكون سوقا للمهندس الأرخص، بل فضاء للمهندس الأكفأ. والفرق بين الإثنين هو الفرق بين إقتصاد يستعمل لتقليص كلفة الآخرين، وإقتصاد يصنع لنفسه مكانة حقيقية في عالم الصناعة والتكنولوجيا.
لذلك، يجب أن يقرأ كل مشروع أجنبي جديد بميزانين: ميزان التشغيل السريع، وميزان السيادة الإقتصادية بعيدة المدى. الأول مهم، لكنه لا يكفي.
أما الثاني فهو الذي يحدد ما إذا كان الإستثمار سيبقى مجرد رقم جميل في بلاغ رسمي، أم سيتحول إلى خطوة فعلية نحو إقتصاد مغربي أكثر إستقلالا وإبتكارا وقيمة.
