يواجه الناس في زماننا هذا تحولات سريعة ومقلقة غيرت طبيعة حياتهم اليومية، وملأتها بالركض المتواصل وراء لقمة العيش ومطالب الدنيا التي لا تنتهي.
لقد سحرت الهواتف والشاشات عقول الشباب، وجعلتهم يلهثون وراء الأرباح السريعة والظهور المستمر على منصات التواصل الاجتماعي. كما سرقت هذه الوسائل منهم لحظات الهدوء والسكينة.
طبعا، يزداد هذا الوضع صعوبة بسبب انتشار ثقافة مادية جافة، تقيس قيمة الإنسان ومكانته بما يملك في جيبه وبما يستهلكه من سلع وبضائع.
هذا الأمر أدى إلى إضعاف عادات التضامن الفطري، وأمات التعاطف الأخوي بين أبناء المجتمع الواحد، وترك الفقراء والضعفاء يعيشون في عزلة وتهميش لعجزهم عن مجاراة حسابات السوق والمصالح الضيقة.
وأمام هذه الأزمات الروحية المتراكمة، والتحولات البيئية والصحية التي باتت تهدد سلامة الجميع في غياب حلول تدبيرية مرنة، يبرز سؤالان هامان يفرضان نفسهما بصدق على كل غيور.
كيف تسبب جمود الخطاب الدعوي الحالي في إبعاد الدين عن معالجة هذه الهموم النفسية والاجتماعية الواقعية للناس؟ وكيف نستطيع بناء إرشاد روحي جديد يفهم مشاكل العصر ويقدم حلولاً عملية تحمي قلوب وعقول البسطاء؟
يقف الخطاب الدعوي المعاصر اليوم بعيداً جداً عن الساحة الحقيقية لمعاناة الناس، حيث يبدو منفصلاً عن واقعهم اليومي، وعاجزاً عن فهم الأزمات النفسية والروحية التي تؤرق بال الشباب والآباء على حد سواء.
فبينما يغرق عامة الخلق في مشاكل وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها المباشر على تربية الأبناء وقيم الأسرة، يصر كثير من الوعاظ على إعادة إنتاج مواضيع قديمة ومساجلات تاريخية ماتت منذ قرون ولم يعد لها أي تأثير في واقعنا المعيش.
ونرى تجليات هذا التيه واضحة عندما نجد بعض الدعاة والوعاظ أنفسهم قد سقطوا في فخاخ الاستعراض الرقمي فهم يتسابقون في توثيق خلواتهم وتصوير لحظات وعظهم أو عبادتهم ونشرها على المواقع، لاهداف لايعلمها الا الله.
هذا السلوك تسبب في فقدان الخطاب الدعوي هيبته وجوهر إخلاصه، وتحول الواعظ في كثير من الأحيان إلى شخص يبحث عن الشهرة الافتراضية، بدلاً من غرس السكينة والوقار في قلوب الخلق.
هنا يظهر عجز الإرشاد الديني السائد، الذي يكتفي دائماً بإصدار فتاوى مكررة خاصة عن التحريم ، دون أن يمتلك الكفاءة لفهم كيف أعادت هذه الهواتف صياغة عقول البشر وعلاقاتهم الاجتماعية.
يمتد هذا القصور التربوي ليصبح صمتاً محيراً من طرف المؤسسة الدعوية أمام مصاعب الحياة والظلم الاجتماعي. فالناس يكتوون بنار الغلاء وقسوة الظروف المادية والفرز الطبقي الذي يهمش الفقراء، بينما يكتفي الخطاب الوعظي بتقديم نصائح عامة وتبريرات جاهزة تغض الطرف عن غياب التكافل الحقيقي والعدالة الاجتماعية.
ولعل من أعجب المشاهد الحية، أن نرى وعاظاً ومؤسسات دعوية يباركون قيام شركات استثمارية كبرى بتصميم تطبيقات تتيح للناس التبرع ومساعدة المحتاجين، بشرط أن يرفعوا من نسب إنتاجيتهم لكي تزيد أرباح الشركة.
يقف الخطاب الدعوي مبهوراً بهذا الاستغلال المادي معتبراً إياه فتحاً وتسهيلاً لأعمال الخير، دون أن ينتبه لخطورة شرعنة تحويل التعاطف الإنساني والرحمة بين البشر إلى تجارة نفعية كاسدة.
مثلما غاب هذا الفكر الدعوي عن مشاكل المجتمع المعقدة غاب أيضاً عن قضايا الفضاء العام. يقف هذا الفكر عاجزاً بأفكاره البيروقراطية القديمة أمام أزمات كبرى مثل الجفاف والتغيرات المناخية، فلا يجد هؤلاء الوعاظ ما يقدمونه للناس سوى القول بأنها عقاب وغضب غيبي، بدلاً من توجيه المجتمعات إلى حماية الطبيعة كمسؤولية أخلاقية وأمانة دينية مشتركة، مما يجعله خطاباً يدير ظهره للمستقبل ويعجز تماماً عن ربط إيمان المرء بسلوكه العملي في الحياة.
يرتبط هذا العجز الدعوي ارتباطاً وثيقاً بنوعية التكوين المعرفي الذي يتلقاه المشتغلون في الحقل الديني حيث يلاحظ هنا غياب شبه تام لعلوم العصر والعلوم الإنسانية والاجتماعية عن برامجهم التعليمية واهتماماتهم الفكرية، مما جعل العقل الفقهي المعاصر يعيش في عزلة شبه كاملة داخل أسوار المتون القديمة، وغير قادر على استيعاب تعقيدات الواقع الذي يتحرك فيه إنسان اليوم.
لا يمكن للداعية تجديد الفتوى أو تقديم إرشاد نفسي سليم للشباب الحائر وهو يجهل أبسط مبادئ علم النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد الحديث.
تفسر هذه العلوم كيف تتشكل الرغبات الإنسانية، وكيف تصنع المنظومات المادية الحديثة سلوك الأفراد وتوجه خياراتهم اليومية.
يفرض هذا الأمر على أهل الوعظ ضرورة التسلح بهذه المعارف الحديثة، والاطلاع الواسع على منجزات الفكر الإنساني المعاصر، ليس من أجل الذوبان فيها وإنما لتطوير الآليات الفقهية وتوسيع مدارك النظر في النوازل المستجدة.
بدون هذا الانفتاح المعرفي الجاد، سيظل العقل الفقهي يكرر إجابات قديمة لأسئلة لم تعد مطروحة أصلاً، ويبقى يدور في حلقة مفرغة تفصله يوماً بعد يوم عن نبض الشارع وهموم البسطاء الذين يترقبون منه خطاباً يزاوج بين أصالة الوحي وحكمة العصر الحالية.
يتطلب الخروج من هذا الجمود المعرفي مراجعة طريقة تفكيرنا بالكامل، والبدء فوراً في ترك صغائر الأمور والالتفات إلى جوهر المعاناة الإنسانية والاجتماعية.
و هذا الوضع يحتم ولادة خطاب روحي جديد يفهم لغة العصر ويتصالح مع العقل البشري. خطاب يقوم فيه الدعاة بتقديم العبادات الدينية كأدوات حقيقية للتحرر والراحة النفسية.
هنايمكنهم مثلا شرح كيف يتحول الصيام من مجرد جوع وعطش تقليدي، إلى تدريب ممتاز على مقاطعة الشاشات الرقمية وإغلاق الهواتف مؤقتاً، بهدف تنقية النفس واستعادة السلام الداخلي والسيطرة على الوقت.
ينبغي التركيز كذلك على قيم الكرامة الإنسانية، والوقوف مع المحتاجين والضعفاء كواجب ديني أساسي ينتقد جشع المنظومة المادية التي تحول البشر إلى مجرد آلات لإنتاج المال.
إن التأسيس لخطاب بصير وبانٍ يتطلب شجاعة كاملة لفتح باب الحوار، وتبني أفكار مرنة تعيد تعريف صلة الإنسان بمحيطه، حيث تعتبر المحافظة على البيئة والتوازن الطبيعي جزءاً لا يتجزأ من العبادة والوفاء بالأمانة الوجودية، بهدف جعل الدين حصناً أخلاقياً حياً، وطاقة روحيّة دافعة تعيد للإنسان بوصلته المفقودة، وتمنحه القدرة على صون كرامته ومواجهة تقلبات الزمن بثبات وأمل مستدام.
ومن هذا المنطلق، يظهر جلياً أن تجديد الفكر الدعوي ليس مجرد تزيين للكلمات أو رفع لشعارات براقة لتغطية القصور الحالي، بل هو حاجة ماسة ومستعجلة لإنقاذ الإنسان ومصالحة التدبير الديني مع مجريات العصر وتصحيح سلوك الفرد في المجتمع، وهو تحول يستدعي وعياً كبيراً من المؤسسات التربوية والثقافية لفتح العقول ومراجعة المناهج والأساليب بكل صراحة ودون خوف من التغيير.
وأمام هذه التحديات الراهنة، يبقى السؤال مطروحاً بصدق على كل من يتصدر للوعظ والإرشاد في مجتمعنا، لمعرفة ما إذا كان القائمون على الشأن الديني اليوم يمتلكون الشجاعة المعرفية والمرونة النفسية الكافية لمراجعة أنفسهم وترك أسلوب الوصاية القديم، من أجل بناء خطاب جديد يستوعب أسئلة العصر ويلامس هموم الناس البسطاء، أم أن التمسك بالحلول الجاهزة سيبقى هو الملاذ الأسهل لحماية الأفكار.




