أعادت التداعيات التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر فتح نقاش فلسطيني واسع حول طبيعة الخيارات السياسية والاستراتيجية التي حكمت مسار الحركة الوطنية الفلسطينية خلال العقود الماضية، وفي مقدمتها مشروع المقاومة المسلحة كما تبنته ودافعت عنه قوى وتيارات سياسية وفكرية متعددة.
ولم يعد هذا النقاش مقتصرًا على تقييم حدث بعينه أو قرار سياسي محدد، بل بات يتعلق بمراجعة شاملة للمقدمات الفكرية والسياسية التي أسست لهذا المسار، وللنتائج التي ترتبت عليه على المستويين الوطني والإنساني.
على مدار عقود، أسهم تيار سياسي وثقافي مؤثر في ترسيخ سردية تقوم على أولوية المقاومة المسلحة بوصفها المسار الحصري لتحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية.
وفي إطار هذه السردية، جرى اختزال مفهوم المقاومة في العمل العسكري، مع إقصاء أو تهميش الأدوات الأخرى الممكنة في إدارة الصراع.
كما رُوّج لفكرة أن الكفاح المسلح وحده يمتلك القدرة على تحقيق التحرير الشامل لفلسطين، من البحر إلى النهر، الأمر الذي أدى إلى تضخيم دور الوسيلة العسكرية وإحاطتها بهالة أيديولوجية حدّت من إمكان إخضاعها للنقاش النقدي أو لتقييم جدواها في ضوء موازين القوى والنتائج المتحققة على أرض الواقع.
وفي المقابل، جرى التعامل مع مشاريع التسوية السياسية، وعلى رأسها اتفاق أوسلو، باعتبارها تعبيرًا عن التنازل أو التفريط بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وهو ما أدى إلى رفض أي نقاش جدي حول ما حققته هذه العملية من مكاسب سياسية ومؤسسية، بصرف النظر عن حدودها وإخفاقاتها.
فبرغم الانتقادات الواسعة التي وُجهت إلى أوسلو والنتائج التي آلت إليها العملية السياسية لاحقًا، فقد أسهم الاتفاق في إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية بوصفها أول إطار حكم وإدارة فلسطيني على جزء من الأرض الفلسطينية منذ فقدان الكيانية السياسية الفلسطينية عقب التحولات التي أعقبت وعد بلفور والانتداب البريطاني.
كما أتاح عودة عشرات الآلاف من الفلسطينيين من المنافي والشتات للمشاركة في بناء المؤسسات الوطنية، وأسهم في ترسيخ حضور القضية الفلسطينية ضمن الأجندة الدولية من خلال الاعتراف المتبادل وفتح المجال أمام تمثيل سياسي ودبلوماسي أكثر فاعلية للفلسطينيين في المحافل الدولية.
وقد أدى تجاهل هذه الإنجازات أو التقليل من أهميتها إلى إنتاج قراءة ثنائية للصراع، تقوم على المقابلة بين “المقاومة” و”التسوية” بوصفهما خيارين متناقضين بصورة مطلقة، دون الأخذ في الاعتبار أن التجارب الوطنية المعاصرة غالبًا ما تتشكل من تداخل أدوات متعددة تشمل النضال السياسي والدبلوماسي والقانوني والشعبي، إلى جانب أشكال أخرى من المقاومة.
ونتيجة لذلك، انقسم المجال السياسي الفلسطيني بين خطاب يرفع سقف الأهداف والشعارات الوطنية إلى أقصى حد، وخطاب آخر يدعو إلى التعامل مع الواقع السياسي وموازين القوى القائمة باعتبارها معطيات لا يمكن تجاوزها عند صياغة الاستراتيجيات الوطنية.
غير أن الإشكالية الأساسية لم تكن في مشروعية المقاومة بوصفها حقًا سياسيًا وقانونيًا للشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وإنما في طبيعة التصورات السياسية والاستراتيجية التي أحاطت بهذا الحق.
فقد ساد في أوساط واسعة من أنصار هذا المشروع ميلٌ إلى التقليل من أهمية موازين القوى الفعلية، وإلى التعامل مع الإرادة السياسية أو الصلابة المعنوية بوصفهما عاملين قادرين وحدهما على تعويض الفجوات الهائلة في القدرات العسكرية والسياسية والاقتصادية. كما جرى في كثير من الأحيان تقديم الشعارات الكبرى بوصفها بدائل عن الاستراتيجيات الواقعية القابلة للتحقق.
لقد أسهم هذا المناخ الفكري والسياسي في إنتاج خطاب تعبوي وشعبوي اتسم بدرجة عالية من الاستقطاب العاطفي، حيث جرى التعامل مع القضايا الاستراتيجية الكبرى من خلال منطق التعبئة والحشد أكثر من منطق التحليل والتقييم.
وفي ظل هذا المناخ، تراجعت أهمية الأسئلة المتعلقة بالجدوى السياسية، وموازين القوى، والكلفة البشرية والاقتصادية، والنتائج المتوقعة للخيارات المطروحة، لصالح خطاب يركز على النوايا والشعارات والرمزية السياسية.
ولم يقتصر الأمر على تفضيل خيار بعينه، بل امتد إلى بناء منظومة خطابية أضفت على هذا الخيار طابعًا شبه مقدس، بحيث أصبحت مساءلته أو إخضاعه للنقد تُفسَّر باعتبارها موقفًا مناهضًا للمقاومة ذاتها.
وبذلك، تحولت الدعوات إلى تقييم الخسائر أو دراسة البدائل السياسية أو مراعاة اختلال موازين القوى إلى موضع شك واتهام، حيث وُصم أصحابها بالتفريط أو الانهزامية أو التخلي عن الثوابت الوطنية.
وقد أدى ذلك إلى إضعاف مساحة النقاش العقلاني داخل المجال العام الفلسطيني، وإلى تراجع ثقافة المراجعة النقدية والمساءلة السياسية، إذ لم يعد السؤال المطروح هو: ما مدى قدرة هذه الاستراتيجية على تحقيق أهدافها؟ وما هي كلفتها الوطنية والإنسانية؟ بل أصبح السؤال في كثير من الأحيان: هل تؤيد المقاومة أم تعارضها؟ وهي ثنائية اختزلت نقاشًا سياسيًا معقدًا في موقف أخلاقي مجرد، وحالت دون تطوير حوار وطني جاد حول أفضل السبل للدفاع عن الحقوق الوطنية وتحقيقها في ظل معطيات الواقع القائم.
وجاءت أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها من حرب مدمرة لتضع هذا المشروع أمام اختبار تاريخي غير مسبوق. فقد كشفت التطورات اللاحقة حجم الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج المتحققة، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول العلاقة بين الوسائل والغايات، وبين شرعية الفعل السياسي وجدواه الاستراتيجية.
كما أظهرت أن تجاهل اعتبارات القوة والبيئة الإقليمية والدولية لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير هذه المعادلات، بل قد يفضي إلى نتائج معاكسة تزيد من حجم الأعباء الوطنية والإنسانية.
ومن اللافت أن جزءًا من النخب السياسية والثقافية التي دافعت طويلًا عن هذا النهج بدأ، بعد الكارثة التي أعقبت السابع من أكتوبر، في تبني خطاب جديد يقوم على مفاهيم الواقعية السياسية وحسابات الربح والخسارة وإدارة الصراع وفق الممكن والمتاح.
ومن حيث المبدأ، لا يمكن النظر إلى المراجعات الفكرية بوصفها أمرًا سلبيًا؛ فالمراجعة والنقد الذاتي يمثلان شرطًا أساسيًا لتطور المجتمعات والحركات السياسية. إلا أن قيمة هذه المراجعات تتوقف على مدى استعداد أصحابها للاعتراف بمسؤولياتهم الفكرية والسياسية عن المرحلة السابقة.
فالمسألة لا تتعلق بمجرد تغيير الموقف بعد تغير الظروف، وإنما بضرورة إجراء مراجعة نقدية صريحة للمقدمات التي تم الترويج لها لعقود، وللأدوار التي لعبها المثقفون والكتّاب والنشطاء في تشكيل وعي عام قائم على المبالغة في تقدير القدرة الذاتية والتقليل من أهمية القيود الموضوعية.
إن الانتقال السريع من موقع التنظير لخطاب تعبوي إلى موقع التنظير للواقعية السياسية لا يعفي من المسؤولية الأخلاقية والفكرية عن النتائج التي ساهم ذلك الخطاب في إنتاجها أو تبريرها.
إن أي مراجعة وطنية جادة لمسار مشروع المقاومة ينبغي أن تنطلق من مبدأ المساءلة الفكرية والسياسية، لا من محاولة إعادة التموضع أو الهروب إلى الأمام. فالتاريخ السياسي للشعوب لا يُكتب فقط من خلال القرارات التي اتخذتها القيادات، بل أيضًا من خلال الأفكار والخطابات التي منحت تلك القرارات شرعيتها وأنتجت البيئة الاجتماعية المؤيدة لها.
ولذلك فإن الاعتراف بالأخطاء وتحمل المسؤولية يشكلان خطوة ضرورية نحو بناء رؤية وطنية أكثر توازنًا، تجمع بين التمسك بالحقوق الوطنية المشروعة وبين إدراك حدود القوة وإكراهات الواقع.
وفي نهاية المطاف، فإن القضية الفلسطينية لا تحتاج اليوم إلى مزيد من السرديات التبريرية بقدر ما تحتاج إلى مراجعة نقدية شاملة تضع النتائج الفعلية للسياسات والاستراتيجيات المختلفة تحت مجهر التقييم الموضوعي.
فالأمم لا تتقدم عبر تكرار الأخطاء أو إعادة إنتاج الخطابات ذاتها، وإنما عبر القدرة على التعلم من التجارب القاسية وتحويلها إلى فرصة لإعادة التفكير في المستقبل.




