آراءمنوعات
أخر الأخبار

دكان والدي

كان حلم والدي أن أكون عطارا مثله ولكن خيبت ظنه فأصبحت طبيبا جراحا وكاتبا ومفكرا ومؤلف عشرات الكتب. وأكتب هذه الأسطر وقد جافاني النوم وتذكرت الحديث الذي يتحدث فيه عن نوم داوود عليه السلام أنه كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وعندما وصف حياته قال كان يصوم يوما ويفطر يوما، وأما العمل فقال خير ما أكل المرء من عمل يده وأن داوود عليه السلام ـ الذي كانت الجبال تؤوب معه والطير ـ كان يأكل من عمل يده، ونحن نعرف من القرآن أنه (ألان) له ربي الحديد أي كان حدادا، وهي بالمناسبة مهنة يمارسها اليهود في المغرب، حيث كانوا يسكنون في حي يسمى (الملاح) قبل أن تستهويهم الدعاية الصهيونية؛ فيغادروا إلى اسرائيل، وهناك يشكلوا على ما علمت نسبة هامة من المجتمع الإسرائيلي؛ فهذا كان الأمر الأول في ليلتي هذه.

أما الأمر الثاني الذي تنفسنا فيه الصعداء ونذكره للتاريخ؛ فهو الحرب التي سلطت على إيران بهجوم ثنائي من أمريكا وإسرائيل، وكان ذلك يوم السبت اليوم الأخير من فبراير 2026 فقطعوا رأس القيادة وقتل في تلك الليلة الرأس الروحي (الخامنئي) ومعه أفراد من عائلته وفصيل لا يستهان بها من القيادة الإيرانية، وتابعت الحرب أوزارها وأنا أكتب بعد أربعين يوما بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي ترامب مهلة كانت يومين فأصبحت خمسا فعشرة أيام وختمها مع كتابة هذه الأسطر بأسبوعين، وهي في الغالب سوف تتوقف بعد أن بدأت إيران تتحكم في مضيق هرمز الذي يرفد العالم بربع الطاقة العالمية من نفط وغاز ومعادن نادرة.

كل هذا قفز إلى ذهني وأنا أتابع سرد السيرة الذاتية ويصعق العالم بحرب مهددة للسلام العالمي؛ حيث جرى الحديث عن استخدام السلاح النووي ونحن نعرف ـ ما قال كارل ساجان ـ أن الحرب الكونية الأخيرة التي استمرت ستة سنوات ألقي فيها أكثر من مائة ألف قنبلة بطاقة 2 ميجا طن (أقوى من هيروشيما بما لا يقل عن مائة ضعفا) سوف يحملها رأس نووي واحد لإنهاء الحضارة في ست ساعات؛ فهذه هي الحرب وما الحديث عنها بالقول المرجم. (عن جوجول = تبلغ قوة 1 ميجا طن (مليون طن من مادة (تي إن تي) حوالي 60 إلى 80 مرة قوة قنبلة هيروشيما (ليتل بوي) تقريبًا).

أعود إلى دكان والدي في تسلسل السيرة الذاتية. كان دكان والدي في منتصف سوق البلدة حيث زحام الناس؛ فكان يربح بشكل جيد، مما أضاف لحياة أسرته حياة مريحة طعاما وشرابا وسكنا ولباسا ومتعة في الحياة. الدكان كان يواجه (العَرَصَة) أي مكان بيع الخضار والفواكه، وهي كما وصفناها في حلقة سابقة مربع يقوم على أعمدة من الفولاذ مغطاة بزجاج سميك (تكسر معظمه كالعادة بعدم المحافظة على بقايا المستعمر كما رأيت ذلك في المغرب بتخريب التعاونيات الفرنسية) بناها الفرنسيون في فترة احتلال سوريا القصيرة في موضعين واحد للحوم والثاني للفاكهة.

كان والدي أمام الأولى وهي النظيفة خلاف مكان اللحوم حيث اختلطت الروائح مع أوحال الشارع ومن الغريب أن المسجد الكبير كان في هذا المكان حيث الأوساخ ودكاكين الأرمن لإصلاح السيارات فاجتمعت الضجة والقذارة فلا تكاد تسمع الأذان؟.

بجنب دكان والدي إلى اليسار دكان (جوزيف خوري) الملاصق يبيع المعتقات من الخمور بأشكال شتى، وعن يساره رجل بئيس اسمع (كرمو جيجي) بدكان يصفر فيها الهواء. كان مقطوع الذراع حذاء الكتف. كان يروي عن حادثة سير أطاحت بذراعه.

كان يستعمل دوما في أنفه ما يشمه (عطوس). لم يكن بيته بأفضل في حارة اليهود حيث كان بيت جدي شيخموس وصفي (حوش = مساحة واسعة في اطرافها تتراص مجموعة من البيوت ما يعادل نصف مربع من السكن = كان جدي يؤجر خمسة إلى ست بيوت فضلا عن سكنه وسكن ابنه يونس البدوي من قبيلة طي من زوجته البدوية عماش قبل أن يبني بيتا خاصة لابن زوجته الأرمنية طلعت وصفي).

الآن ما بقية دكاكين السوق؟ صلاح قنجي المشهور بحبوب القهوة قبل التحميص. مقابله دكان عجيب لبائع كتب وقصص (عبدي كوكب) وبجنبه في الزاوية دكان (فهمي كنجو) وهو ابن عم والدي ولم يكن ذلك الرجل الناجح جدا مثل بقية أخوته محسن وزكي، وهذه سوف نفرد له قصة خاصة عن صراع العائلات على الثروة، حيث قام والدي بحركة عجيبة في استبدال اسمه بالكامل فانخلع من اسم (كنجو) إلى (جلبي) وانتبهوا هنا إلى لفظ الحروف (الجيم هنا معطشة بثلاث نقط فلا تلفظ جيم ولا شين بل بينهما؟).

في السوق أيضا (جميل كندورة = انتبهوا أيضا هنا الى حرف الكاف فهي ليست كاف ولا جيم بل بينهما مثل Garageباللاتيني) رجل محله في الزاوية وبيت جميل في حارتنا ووالدي بعلاقة طيبة مع الجميع.

كان خلقه أقرب للمثالية في التعامل فإن جاء من يشتري ثم يرجع اليه ليقول له أن البضاعة ناقصة أعاد له ماله أو عوضه عن النقص. كما لم أره مشتبكا في صراع مع أي زبون أو مشتري سوى أن له بعض التعليقات المضحكة على من يشتري وهو يلعب بالصفن عفوا فيقول له وكان الرجل كرديا فكان يتحدث بلغتهم وتعلمنا بعض الكلمات (أف شيا أف تزبيا = انتبهوا مجددا للكلمات الكردية وسوف اكتبها باللاتيني قد تكون واضحة = Av chia av zsbia) وترجمتها ما هذه هل هي مسبحة؟ والمعنى واضح أي لا تلعب بأماكن وسخة معيبة وأنت تتحدث مع الاخرين فهي من ضروب الاحترام.

كان السوق يضم خليطا من العباد منهم لبناني كان والد صديقنا عبد المجيد القادري، وآخر دكان في الزاوية في مدخل السوق لبيت حمامي وكانوا ثلاثة عدنان وأخوين له أحدهما أظنه كان مريضا بآفة صدرية، وقصة عدنان مع المصرية (سوسو) التي أتى بها من مصر ثم ولت الأدبار قصة عجيبة تستحق رواية خاصة، ومن هذه العائلة وبيتهم قريب من بيتنا كان ثمة ثلاث فتيات عزيزة وهيام وخالصة.

الثالثة كانت من حصة بائع أقمشة، وعزيزة لم أفهم وضعها هل كانت مطلقة أو ارملة؟ ولكن جدي المزواج لم يكن عنده مانع أن يتزوجها وهو مقعد في السرير، بعد أن كسر عنده الحوض (كانوا يسمونه كسر الزر كسر الموت) وأفتى الأطباء عندنا في القامشلي له ولجدتي ماما ريا بنفس الإصابة (ما في جارة = أي ليس ثمة علاج وانتبهوا مجددا للحرف المعطش بثلاث نقط هنا هو ليس جيم وليس شين بل بينهما وهي كلمة تركية في الغالب) مثل أيضا لفظة جلبي العراقي الذي دخل على ظهر دبابة أمريكية إلى العراق المنهوب وهو نفس لقب عائلتنا، ولها قصة من التاريخ العثماني بعد معركة سهل أنقرة عام 1402 م حين كادت الدولة العثمانية أن تنتهي فأعاد ترميمها محمد الأول ابن بايزيد الأول الذي تسمى جلبي على نفس النطق (جيم معطشة) وهو اسم مشهور في تركيا انتبه له الرحالة ابن بطوطة فقال هو نوع من الاحترام وكأن يا سيدي، ومن المضحك عن الأنساب والأسماء انني في ألمانيا اجتمعت برئيس أطباء إيراني اسمه بختيار أو مختاري (Oberarzt) فلما سألني عن اسمي عرفت أن معناه عندهم المحتال؟ لا تنس الصراع العثماني ـ الصفوي لمئات السنوات وذيوله حتى يومنا هذا مع التهام إيران أربع عواصم عربية، قبل أن تلتهمها أفعى الأناكوندا الأمريكية مع الثعلب الصهيوني النتن.

الآن نأتي إلى نهاية القصة ولم تنته بين كومة دكاكين السوق حيث كان يعمل والدي، ثم أخي محمد من بعده، وحاليا مازال الدكان يعمل وقد انتقل بالوكالة إلى قوم آخرين. ومن أصل الأخوة التسعة الذين خلفهم والدي لم يبق في القامشلي بعد أن التهمها الأكراد إلا أخي أحمد على خوف من قسد وفسد في جيدها حبل من مسد، وسبحان مغير الأحوال ومبدل الأمم. ولقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب.

بالطبع ثمة صور متلاحقة في ذهني عن دكاكين أخرى أسعد المسيحي الناجح بدكان مضاعفة. حاج رشيد يوسفان الإخواني بائع الأحذية المستقيم الذي يبيع بسعر محدد ليس فيه مفاصلات وأخذ ورد. الأعور الأرمني اشتريت منه مسدس وهمي. آرام بائع السندويش اللذيذ. طوروس بائع الحمص المدهش.

وآخر ارمني أعور يدور بسلة ويبيع أرغفة محشوة بلحم لذيذ. وحموي يبيع على عربة متنقلة سندويش عجة وفلافل ولكن ليس بالنظيف. آغاسي بجنب دكان الحمامي ناجح في عمله. أكراد في (القيسرية) يبيعون ملابس جاهزة. الحلبي بجنب الحمامي وهو يشتبك بمعركة مع ابنه الرياضي مع آخر ذو بأس شديد.

ولا أنس الحمالين أصحاب (الجناقل = هي آلة تشبه علامة الاستفهام ؟ بقبضة محكمة يضرب بها صاحبها الجوال = الخنشة = الكيس الثقيل فيحمله) ولكن الويل إن وقعت الواقعة ونشبت معركة بين الحمالين بهذه الأسلحة المخيفة وحصلت؟.

https://anbaaexpress.ma/g09ff

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى