قبل أسابيع فقط، كان السؤال المطروح في لبنان مختلفاً تماماً. يومها انصبّ النقاش على سبب استمرار الدولة اللبنانية في مسار تفاوضي لم ينجح في وقف الغارات الإسرائيلية ولا في حماية قرى الجنوب والبقاع من الاستهداف اليومي.
كانت إسرائيل تواصل تصعيدها العسكري، فيما كانت السلطة اللبنانية تتمسك بخيار التفاوض وتقديم المزيد من المرونة السياسية أملاً في الوصول إلى وقف لإطلاق النار أو إلى تفاهمات تضع حداً للعدوان.
أما اليوم، فقد تبدلت الصورة إلى حد بعيد. فبعد سلسلة تطورات متسارعة، لم يعد السؤال مرتبطاً بجدوى التفاوض بقدر ما بات يتعلق بموقع السلطة اللبنانية نفسها من المسار الذي أنتج هذه التحولات. كيف وجدت الدولة نفسها تراقب من الخارج تطورات كانت تعتبر أنها صاحبة الدور الأساسي في إدارتها؟
ما جرى خلال الفترة الأخيرة لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد تفصيل سياسي عابر. فالملف اللبناني انتقل خلال وقت قصير من مرحلة التصعيد المفتوح إلى مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار والبحث في ترتيبات جديدة للمرحلة المقبلة، وسط حراك إقليمي ودولي كثيف أعاد رسم الكثير من المعادلات التي حكمت الأشهر الماضية.
منذ البداية، تمسكت إيران بشرط واضح في أي تفاهم مع الولايات المتحدة، وهو وقف إطلاق النار في لبنان. لم يكن الأمر بنداً إضافياً يمكن تأجيله أو ترحيله إلى مراحل لاحقة، بل جرى التعامل معه باعتباره المدخل الضروري لأي تقدم في الملفات الأخرى.
وفي المقابل، بدت إسرائيل وكأنها تحاول استخدام التصعيد العسكري لتحسين شروطها السياسية أو لعرقلة مسار التفاهم من أساسه.
لكن مع مرور الوقت، وتزايد الضغوط الإيرانية، وارتفاع منسوب القلق من احتمال انهيار الجهود السياسية المبذولة، بدا أن واشنطن وصلت إلى قناعة بأن استمرار المراوحة لم يعد يخدم أهدافها. عندها بدأ التحول الفعلي.
مارست الإدارة الأميركية ضغوطاً مباشرة على حكومة بنيامين نتنياهو، وانتهى الأمر بإعلان إسرائيلي رسمي عن الالتزام بوقف إطلاق النار. ولم يقتصر الأمر على البيانات السياسية، بل ظهرت مؤشرات ميدانية عززت الانطباع بأن قراراً قد اتُّخذ بالفعل بالانتقال إلى مرحلة مختلفة.
فقد بدأت إسرائيل تقليص وجودها العسكري في بعض المناطق الجنوبية، وأصدرت تعليمات عملياتية جديدة لقواتها، كما خففت جزءاً كبيراً من الإجراءات التي كانت مفروضة على المستوطنات الشمالية.
وجاء الإعلان الأخير المتعلق بإنهاء استدعاء فرق الطوارئ والخدمة في شمال فلسطين المحتلة اعتباراً من الأسبوع المقبل ليضيف مؤشراً إضافياً على أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتعامل مع الوضع الجديد بوصفه واقعاً قائماً وليس مجرد هدنة مؤقتة.
بالتوازي مع ذلك، انعقدت الجلسة التي طال انتظارها في سويسرا، بعد إصرار إيراني على أن تكون الجلسة الأولى مخصصة حصراً للملف اللبناني قبل الانتقال إلى أي ملف آخر.
وهذه ليست مسألة شكلية كما قد يعتقد البعض. فخلال الأشهر الماضية، سمع اللبنانيون كثيراً دعوات تتحدث عن ضرورة “فصل لبنان” عن الصراعات والتفاهمات الإقليمية.
لكن ما حصل عملياً كان العكس تماماً. فالملف اللبناني لم يُرحَّل إلى مرحلة لاحقة، ولم يُوضع على هامش المفاوضات، بل جرى التعامل معه كبند أول يستوجب المعالجة قبل غيره.
ولعل من أبرز النتائج التي خرجت بها اجتماعات بورغنشتوك أنها لم تقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل تناولت أيضاً البحث في آليات جديدة لإدارة المرحلة المقبلة ومنع العودة إلى التصعيد.
وبحسب المعطيات المتداولة، تم الاتفاق على إنشاء لجنة لفض النزاعات تكون مهمتها متابعة تنفيذ وقف الأعمال العدائية، ومعالجة الخروقات والحوادث التي قد تؤدي إلى توتر جديد، وإنشاء قنوات اتصال سريعة تسمح باحتواء أي تطورات ميدانية قبل توسعها.
وتشير المعلومات إلى أن اللجنة تضم الولايات المتحدة وإيران ولبنان بشكل مباشر أو عبر ممثليه الرسميين، فيما اضطلعت كل من قطر وباكستان بدور الوسيط والضامن للتفاهمات التي تم التوصل إليها، من دون أن يتأكد حتى الآن ما إذا كان هذا الدور سيتحول إلى عضوية دائمة ضمن آلية المتابعة الجديدة.
أهمية هذا التطور لا تتعلق فقط باستحداث لجنة جديدة، بل بما يحمله من دلالات سياسية تتجاوز شكلها وآلية عملها. فمجرد الانتقال إلى إطار مختلف يعني عملياً أن الآلية السابقة المعروفة باسم “الميكانيزم” لم تعد قادرة على الاستمرار بالصورة نفسها، بعدما تعرضت طوال الفترة الماضية لانتقادات واسعة نتيجة عجزها عن منع الاعتداءات الإسرائيلية أو إلزام تل أبيب بالتعهدات التي كانت تُطرح في الاجتماعات الدبلوماسية.
أما اليوم، فإن الحديث عن وقف طويل الأمد لإطلاق النار، مقروناً بإنشاء آلية جديدة لمعالجة النزاعات والخروقات، يوحي بأن هناك توجهاً نحو مقاربة مختلفة عما كان قائماً خلال الأشهر السابقة.
المفارقة أن هذه التطورات، رغم ما تحمله من مؤشرات إيجابية بالنسبة إلى لبنان، لم تدفع السلطة اللبنانية إلى إعادة النظر في مقاربتها السابقة، بل بدا في بعض الأحيان وكأنها فوجئت بحجم التحولات التي جرت من حولها.
ومع بدء ظهور نتائج التفاهمات على الأرض، صدرت مواقف وإشارات عكست وجود امتعاض رسمي من الطريقة التي أُدير بها الملف خلال المرحلة الأخيرة.
ومن بين هذه المؤشرات ما صدر عن رئيس الجمهورية جوزيف عون، الذي رحب بأي جهد يساعد على إنهاء الحرب، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن لبنان دولة ذات سيادة وأن أحداً لا يفاوض نيابة عنها. وقد قرأ كثيرون هذا الموقف على أنه رسالة سياسية مرتبطة بالجهات التي لعبت دوراً مباشراً في تثبيت وقف إطلاق النار وفي إدارة المسار الذي قاد إلى اجتماعات سويسرا.
وفي السياق نفسه، تحدثت معلومات متقاطعة عن مشاورات واتصالات أجرتها أطراف إقليمية ودولية مع رئيس مجلس النواب نبيه بري باعتباره الجهة اللبنانية الأكثر التصاقاً بتفاصيل الملف، فيما ترددت معلومات أخرى عن سعي رسمي لبناني لضمان حضور الدولة بشكل مباشر في أي مسار تفاوضي يتناول الشأن اللبناني بين واشنطن وطهران.
كما تحدثت تسريبات صحفية عن مطالبات لبنانية بأن يكون التنسيق مباشراً مع رئيس الجمهورية في كل ما يتعلق بالملفات اللبنانية، إلى جانب رغبة حكومية بأن تكون الدولة شريكاً كاملاً في أي تفاهمات أو ترتيبات يتم التوصل إليها.
وبصرف النظر عن دقة كل معلومة من هذه المعلومات، فإن الصورة العامة تبدو واضحة إلى حد كبير.
هناك سلطة تشعر بأنها لم تكن حاضرة بالحجم الذي كانت تتوقعه في لحظة صناعة القرار.
والمفارقة أن هذا النقاش لم يكن مطروحاً بهذا الزخم قبل أسابيع. يومها كانت الأولوية المعلنة وقف العدوان الإسرائيلي ووقف نزيف الدم والدمار.
أما اليوم فقد انتقل الجدل إلى مكان آخر، يتعلق بمن حضر الاجتماعات ومن شارك في التفاوض ومن امتلك القدرة على التأثير في النتائج. وهذا التحول بحد ذاته يكشف حجم التغيير الذي طرأ على المشهد خلال فترة قصيرة.
عند هذه المرحلة يصبح من المشروع التساؤل عن الأسباب التي أوصلت السلطة اللبنانية إلى هذا الموقع.
في الواقع، لا يبدو الأمر معقداً إلى هذا الحد. فالسياسة لا تُقاس بالنوايا الحسنة ولا بالرغبات المعلنة، بل بحجم النفوذ والأوراق التي يمتلكها كل طرف وقدرته على تحويلها إلى عناصر تأثير فعلية عند لحظة التفاوض.
وخلال الأشهر الماضية، تصرفت السلطة اللبنانية على أساس أن المجتمع الدولي قادر وحده على فرض الحلول المطلوبة، وأن تقديم المزيد من المرونة السياسية سيؤدي تلقائياً إلى تحسين موقعها التفاوضي وإقناع الأطراف الأخرى بمراعاة مصالحها.
لكن الأحداث سارت في اتجاه مختلف.
فالولايات المتحدة لم تمارس ضغوطها على إسرائيل نتيجة المواقف اللبنانية الرسمية، وإسرائيل لم توقف إطلاق النار بسبب بيانات الاستنكار أو المواقف الدبلوماسية.
ما حصل كان نتيجة تداخل عوامل إقليمية ودولية متعددة، كان من بينها الإصرار الإيراني على ربط الملف اللبناني بمسار التفاهمات الأوسع مع واشنطن.
لهذا السبب يبدو من الصعب التعامل مع ما جرى وكأنه تفصيل ثانوي أو حدث عابر. فلبنان انتقل من مرحلة كانت إسرائيل ترفض خلالها أي التزام واضح بوقف النار، إلى مرحلة يجري فيها تثبيت وقف طويل الأمد والبحث في آليات جديدة لمعالجة النزاعات والخروقات ومتابعة تنفيذ التفاهمات.
كما أن هذا التحول لم يكن نتيجة المسار الذي كانت السلطة اللبنانية تسوق له طوال الفترة الماضية، وهو أمر بات واضحاً حتى بالنسبة إلى كثير من المراقبين الذين لا يتفقون بالضرورة مع القراءة السياسية نفسها.
من حق الدولة اللبنانية أن تطالب بدور أكبر في أي مفاوضات تتعلق بمستقبل البلاد، بل إن هذا حق طبيعي لا يمكن لأحد أن يجادل فيه. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا المطلب إلى محاولة لتجاهل الوقائع التي أنتجت التطورات الأخيرة أو القفز فوق الأسباب الحقيقية التي أوصلت الأمور إلى ما هي عليه اليوم.
فلو كانت السلطة تمتلك فعلاً القدرة على التأثير في مجريات الأحداث بالقدر الذي كانت تعتقده، لما وجدت نفسها مضطرة للمطالبة بموقع داخل مسار كانت تعتبر نفسها جزءاً أساسياً منه منذ البداية.
لذلك فإن ما سيحصل في الأسابيع المقبلة سيكون أكثر أهمية من كل السجالات السياسية التي شهدناها خلال المرحلة الماضية. فالمسألة لم تعد تتعلق بتسجيل النقاط أو بتحديد من أصاب ومن أخطأ، بل بكيفية استثمار المناخ الجديد لحماية لبنان وتثبيت الاستقرار في الجنوب ومنع العودة إلى دوامة الحرب.
وبغض النظر عن المواقف المتباينة حيال ما جرى، فإن الوقائع التي تراكمت خلال الأيام الماضية يصعب إنكارها. وقف إطلاق النار بات أمراً واقعاً، والاجتماعات انعقدت، والتفاهمات بدأت تجد طريقها إلى التنفيذ الميداني، فيما يجري العمل على إطار جديد لإدارة المرحلة المقبلة.
ويبقى السؤال الذي يفترض أن يشغل اللبنانيين اليوم: هل ستتعامل السلطة مع هذه الوقائع كما هي وتحاول البناء عليها بما يخدم المصلحة الوطنية، أم أنها ستبقى منشغلة بمعركة إثبات الحضور في وقت باتت فيه الأحداث تتقدم بسرعة أكبر من السجالات السياسية الداخلية؟
