منذ اندلاع الأزمة النووية الإيرانية قبل أكثر من عقدين، ظل السؤال الأساسي الذي يشغل الولايات المتحدة وحلفاءها يتمحور حول نقطة واحدة: هل تسعى إيران إلى امتلاك سلاح نووي أم أنها تكتفي بتطوير برنامج نووي للأغراض السلمية؟ وعلى الرغم من تعدد جولات التفاوض والعقوبات والضغوط العسكرية والسياسية، بقيت هذه القضية العقدة الرئيسية التي تعيق الوصول إلى تسوية دائمة بين الطرفين.
وفي ضوء التفاهمات الأخيرة بين واشنطن وطهران، يركز كثير من المراقبين على المكاسب الاقتصادية والسياسية التي قد تحصل عليها إيران، سواء من خلال تخفيف العقوبات أو استعادة جزء من علاقاتها التجارية والمالية مع العالم.
إلا أن هذه القراءة، على أهميتها، قد تغفل جوهر الاتفاق الحقيقي، والذي يتمثل في انتزاع التزام إيراني واضح بعدم إنتاج أو شراء أسلحة نووية وعدم السعي إلى امتلاك قدرات نووية عسكرية.
تكمن أهمية هذا الالتزام في أنه لا يقتصر على كونه تعهدًا سياسيًا بين دولتين، بل إنه قد يتحول إلى التزام قانوني دولي ملزم إذا ما تم إقراره من خلال مجلس الأمن الدولي.
وعندها تصبح أي محاولة إيرانية للالتفاف على هذا التعهد أو خرقه مسألة تتجاوز الخلاف الثنائي مع الولايات المتحدة لتتحول إلى مخالفة للشرعية الدولية، بما يفتح الباب أمام ضغوط وعقوبات وإجراءات دولية جديدة.
ومن هنا يمكن فهم سبب إصرار الولايات المتحدة على جعل هذا البند حجر الأساس في المفاوضات. فواشنطن تدرك أن القضية ليست مرتبطة فقط بمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية، بل بإعادة رسم حدود القوة الإيرانية في المنطقة.
فامتلاك السلاح النووي أو حتى الاقتراب من عتبته التقنية يمنح إيران أوراق قوة استراتيجية تغير موازين الردع في الشرق الأوسط، وهو ما تعتبره الولايات المتحدة وحلفاؤها خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.
في المقابل، تدرك طهران أن التخلي عن هذا الخيار أو القبول بقيود طويلة الأمد على برنامجها النووي يعني التخلي عن أحد أهم أوراق الضغط التي استخدمتها خلال العقود الماضية.
ولذلك فإن المفاوضات الحالية لا تدور في حقيقتها حول رفع عقوبات أو تحرير أموال مجمدة فحسب، بل حول مقايضة استراتيجية كبرى بين الأمن والاقتصاد؛ أي بين تقليص الطموحات النووية الإيرانية مقابل إعادة دمج الاقتصاد الإيراني في النظام المالي والتجاري العالمي.
ولهذا السبب تقوم فلسفة الاتفاق على مبدأ “العصا والجزرة”. فكل خطوة إيرانية باتجاه الشفافية النووية والتعاون مع الجهات الدولية المختصة تقابلها حوافز اقتصادية وسياسية، وكل تراجع أو مماطلة يقابله تشديد للضغوط والعقوبات.
ويبدو أن الولايات المتحدة تراهن على أن التحديات الاقتصادية التي تواجهها إيران ستكون دافعًا كافيًا لدفعها نحو الالتزام بهذه المعادلة.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل تمتلك إيران الإرادة السياسية للالتزام الكامل بهذه الشروط على المدى البعيد؟
الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، لأن التجارب السابقة تشير إلى أن العلاقة بين الطرفين تتجاوز الملف النووي نفسه. فهناك ملفات أخرى لا تقل أهمية، مثل النفوذ الإقليمي الإيراني، وبرامج الصواريخ الباليستية، والعلاقات مع القوى الحليفة في المنطقة، فضلاً عن حالة انعدام الثقة المتراكمة بين واشنطن وطهران منذ عقود.
ولذلك فإن معالجة الملف النووي وحده لا تعني بالضرورة انتهاء أسباب الصراع.
ومن هذا المنطلق، قد يكون من المبالغة اعتبار الاتفاق الحالي مقدمة لتسوية نهائية وشاملة. فالأرجح أنه يمثل إطارًا لإدارة الأزمة ومنع انفجارها أكثر من كونه حلًا جذريًا لها. فالطرفان يسعيان إلى تجنب المواجهة المباشرة وتخفيف كلفة الصراع، لكنهما لم يقدما بعد ما يكفي من التنازلات لمعالجة جذور الخلاف الاستراتيجي بينهما.
وعليه، فإن أقصى ما يمكن أن ينتج عن هذا التفاهم في المرحلة الحالية هو إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل مرحلة التصعيد والحرب.
وقد يشمل ذلك ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، ورفع القيود المفروضة على الموانئ الإيرانية، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وفتح قنوات أوسع للتبادل التجاري والمالي. غير أن هذه الإجراءات، على أهميتها، تبقى في إطار إدارة التوتر لا إنهائه.
إن نجاح الاتفاق أو فشله لن يُقاس بحجم المكاسب الاقتصادية التي سيحققها لأي من الطرفين، بل بمدى قدرة الطرفين على الالتزام بالتعهدات الأساسية التي قام عليها.
فإذا اعتبرت إيران أن التنازلات المطلوبة تمس جوهر أمنها القومي ومكانتها الإقليمية، فإن فرص الوصول إلى تسوية دائمة ستبقى محدودة.
أما إذا نجحت الحوافز الاقتصادية والسياسية في إقناع طهران بأن فوائد الاندماج في الاقتصاد العالمي تفوق مكاسب الاحتفاظ بخيار الردع النووي، فقد يشكل الاتفاق بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين الجانبين.
وحتى تتضح هذه المعادلة، سيظل الاتفاق أقرب إلى هدنة سياسية واستراتيجية مؤقتة منه إلى سلام دائم أو تسوية نهائية للصراع الأمريكي – الإيراني.




