ولدت أمي جاهدة في تركيا على البحر الأسود عام 1926م فهي من الجيل الكمالي (كمال أتاتورك) كتبت بالحرف اللاتيني ودرست المرحلة الابتدائية هناك وعشقت الثقافة الإسطنبولية فكنا نتقيد بالعرف التركي فنقبل اليد ونضعها فوق رؤوسنا.
كانت تكتب وتقرأ القرآن أيضا باللغة التركية. مغرمة بالموسيقى التركية وتتحدث مع والدي في البيت باللغة التركية، ولكنهم لم يعلمونا إياها وكان تقصيرا منهم.
بقي في أذني رنين بعض الكلمات (سان قوروشما؟ اللهن دديو اولر. بير إكي أوج دورت بيش التي يدي سيكز دوقز أون= اصمت لتكن مشيئة الله ـ واحد اثنين ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة حتى العشرة) وأخي رياض أتقنها في أشهر قليلة لأن أنغامها في آذاننا.
اشترى والدي لها بيتا في حارة جميلة في القامشلي ووضع البيت باسمها وهذا مهم لأحداث سوف تأتي. وعشقها لمدة تزيد عن نصف قرن.
حسب شهود الحدث الجميل أن والدي وأهله بقوا عاما كاملا يضربون بيت شيخموس طلبا ليد العروس التركية جاهدة وكانت في عمر المراهقة 16 عاما.
وقال من شهد الحدث أن أمي جاءت إلى القامشلي وهي تعتمر القبعة التركية فلما رآها والدي أقسم أن تكون أو لا زواج بعدها. وفي اللباس مشت في مراحل نحن نعرف الملاية الزم في طفولتنا ثم ترقى الحال بعد ثلاثين عاما إلى لبس المانطو (المعطف الطويل) والجلباب.
شخصية أمي جاهدة عالم قائم بذاته فهي جمعت بين (1) الفن في عشق الصوت الجميل وعزف العود، (2) والحكمة وضرب الأمثال في عشرات الأمثلة، وأتعجب كيف حفظتها، (3) والجمال فهي التركية الحسناء التي عشقها والدي فلم يفتر؛(4) والأناقة في الملبس وكريم لا يفارقها في دهن كفيها الناعمتين وراحة عطر يفوح (الريف دور وسوار دي باري ترافقها فهي أفضل عطورات ذلك الزمان) (5) وروح التطوير لتحسين أثاث المنزل مرة بعد المرة، (6) والثقافة الطبية فهي من انتبهت إلى قصر البصر عندي، وهي التي أنقذتني من الهلاك بالإسهال المتتابع فوصلت إلى خلطة من الغذاء (لحم نيئ مدقوق بالبرغل) شفيت فيها من إسهال مدمرٍ، ومنها تعلمنا أسماء أدوية شتى؛ فجاهدة كانت أشبه بالطبيب والصيدلاني فحيث حلت رافقتها صيدلية كاملة من ادوية شتى.
(7) وفن الطبخ فكانت تتحفنا بطبخات لا تنسى خاصة يوم العيد (صدر خاروف على تلة من الرز باسم غالبا تركي = قبرغاية) فضلا عن البامية والمحشي والملوخية وألذها (الجوقات والكيبا = امعاء ومعدة الخاروف) (8) وحسن التربية فلم تسكت على انحراف، (9) وعشق الموسيقى خاصة التركية، (10) وحسن التدبير، (11) وحب الورد (كانت تملأ الحوش بصناديق تطل منها وريدات جميلات مثل الجوري) (12) والبراعة في رواية القصص، (13) وقبل ذلك الإيمان العميق وحب القرآن الذي كانت تقرؤه بالتركية، (14) وكانت تجيد الكتابة فلم تكن بالأمية فهي من الجيل الكمالي التركي الذي كتب بالحرف اللاتيني، وهي من دفعني لحفظ أول سورة في حياتي وكانت تحبها: سورة مريم، (15) والكرم مع أن البخل لا يعاب في النساء وكانت تردد الصدقة تدفع القضا والبلا أي القضاء والبلاء، (16) وقدرة على رواية الحكايات الغريبة فنسمعها فنبكي أو نغرق في الخيال، بكلمة مختصرة كانت عالما قائما بذاته، في خصال تتمناها أي أنثى.
وأذكر في هذا (عالم الاجتماع العراقي الوردي) وهو يتحدث عن (قرة عين) التي انتهت حياتها قتلا حين تمردت على الثقافة المحلية. وصفها (الوردي) بأربع صفات لو كانت واحدة في امرأة لكفى: الجمال والفصاحة وقوة الشخصية وقوة الحضور. وكذلك كانت والدتي ذكية جميلة متحدثة لبقة خلاف والدي تبني العلاقات مع خيرة نساء المدينة فكان محفلها يضم نساء أطباء المدينة.
(1) ونرجع الى امي جاهدة فأول صفاتها حبها للفن (وهي خصلة يتميز بها الأتراك خاصة الغناء المختلط بنشيج الحزن) وضربها على العود خاصة اغنيتها ربما الكردية لوركا لوركا.
كانت والدتي ليس تحب الغناء بل امتلاك عود خاص بها تضرب على أوتاره الألحان، وطبعا حين ذكرت هذا وكتبته جن المتشددون واعتبروا أن هذه نقيصة في عائلتنا. وأنا اعترف أن الموسيقى الجميلة هي من الملهمات الأربعة بعد كشف العلاقات الخفية بين الأشياء، والاجتماع بشخصيات عظيمة، والعودة الى الطفولة؛ لأنها الجنة كما قال المسيح لن تدخلوا الجنة حتى تعودوا أطفالا.
ليس هذا فقط بل اشترت لي اكورديون غالي الثمن اتعلم عليه الموسيقى، وكان أحب المغنيين لها من الأتراك (زكي موران) وما زلت اسمعه حتى اليوم؛ فيحرك الشوق أن اجتمع بجاهدة امي مجددا، ولكنها مضت الى الله بالسكري المختلط.
ولا أنسى والدتي حين أرسلتني الى السيدة زكية لتعلمني قراءة القرآن هي في الواقع زرعت في قلبي الإيمان منذ الطفولة. كما لا أنسى عشقها لسورة مريم مما دفعني لحفظها بجرسها الموسيقي العذب.
وقبل أن أخلص إلى الأمثال التي كانت تضربها أشير إلى خصلة نادر تواجدها في تعامل (الكنة ـ الحماة) فقد خدمت حماتها المقعدة 14 عاما وفي محنتها الأخيرة وهي تموت بانسداد معوي والأطباء الجهلة يقولون لهم ليس من حل (حسب اللهجة المحلية مافي جارة = تكتب كلمة “جارة” باستخدام الجيم المعطشة (چ) التي تُنطق مثل صوت /Ch/ (كما في تشارلي) برسم حرف الجيم مع إضافة ثلاث نقاط (ججج) بدلاً من نقطة واحدة، لتصبح “چارة”.
يُستخدم هذا الحرف في اللهجات العراقية، الكويتية، وبعض مناطق الخليج والعراق) وليس فقط حماتها من طرف الزوج بل زوجة جدي الأرمنية سميحة بقت معها حتى لحظاتها الأخيرة وهي تخدمها وهي قمة في التفاني (حيث تزوج جدي ثلاثا بدوية عماش من عشيرة طيء وتركية هي عائشة والدة أمي جاهدة والأرمنية سميحة وأنا عاصرت وجود التركية والأرمنية).
(2) أما الحكمة وضرب الأمثال فلا يكاد تنطق بجملتين إلا وأردفتها بمثال حي، والقرآن يستخدم القصة والمثل لتقريب المفهوم. ولذا كانت الأمثال مستودع الحكمة الشعبية لا تخلو من فائدة ولعنة أيضا.
وفي الختام أذكر والدتي بحكمتها وأمثالها التي لا تنتهي. كانت أمي جاهدة وصفي لا تتكلم بكلمتين إلا وضربت مثلا مما حفظته من الوسط المحيط بها. سوف نستعرض لكم نماذج فيما يلي ولو باللهجة المحلية:
1 ـ كومة عمايا على هالعصايا (مجموعة من العميان يستندون على عصا واحدة).
2 ـ من يوم مالحقو ولادي مابقا يشبع منقاري (مع كبر الأطفال ومسؤوليتهم والأنفاق عليهم لم أجد ما آكل؟).
3 ـ القنفذ وضع ايدو على أولاده قال كلو شوك بشوك (حين وضع القنفذ يده على ظهر أولاده صرخ كله شوك في شوك. فحين نظر الرجل فيمن حوله من ذريته فلم يجد منهم إلا الأشواك).
4 ـ كل شي من السوق والمحبة من فوق (أشياء كثيرة يمكن شراءها من السوق أما المحبة فشيء مختلف ونور يقذف في القلب ولا يمكن شراؤه).
5 ـ عادة البدن مو يغيرها غير الكفن (العادة المستحكمة لن يغيرها شيء حتى الممات).
6 ـ اللي يتزوج من غير ملتو يقع في غير علتو (التباين الثقافي في الزواج نهايته مرض لا علاج له).
7 ـ خود البصلة وشمها والبنت تطلع لأمها (البنت تبقى تربية امها فلينتبه لمن يتزوج).
8 ـ المكتوب من عنوانه معروف (الانسان يعرف من تصرف واحد).
9 ـ شعرة من جلد الخنزير مكسب (الكسب لا تفرط فيه ولو من جلد خنزير).
10 ـ حكي الجرايا مايزبط على السرايا (ما يتفق عليه الناس في القرية سيكون شيء آخر مع النزول للواقع).
11 ـ الورد يخلف شوك والشوك يخلف ورد (كناية أن الأب السيء قد يترك الذرية الصالحة وبالعكس ولنا المثل في هذه عن نوح وابنه وإبراهيم وأبوه).
12 ـ الخط الأعوج من الثور الكبير.
13 ـ فاس وقع في الراس لا فكة منها ولا خلاص (كناية عن الزواج الكاثوليكي لا طلاق فيه).
14 ـ قالوا: حبني زوجي أنا الصبية. حبوني جيراني أنا السخية. حبوني أهلي أنا الغنية.
15 ـ الأقرع كشف عن راسو وبزعنا (مع انكشاف الصلعة أصبنا بالرعب).
وطبعا هناك أمثلة رخيصة يصعب إيرادها ولكنها تصيب الهدف تماما كما في قصص جحا.
كل يوم أدعو لوالدي بالرحمة فقد كانوا أمثلة ريادية في التربية وحسن العشرة والرحمة والتوجيه والنفقة والكرم والإحسان.



