عشت مراهقة أتعبت فيها نفسي وأهلي دون وعي مني، كنت أعتقد نفسي أنني أثبت رجولتي، فبحثت عن كل شيء يمكن أن يجعلني مختلفا، وشم ظاهر وباطن على مناطق محددة ومختارة بعناية على جسدي، شعر صفف بطريقة مختلفة، حديث بإشارات باليد وبلغة سوقية مستفزة، لباس فضفاض بكتابة وصور وبمرقعات، أرهقت والدي وأتعبت كل أفراد أسرتي، لم يكن يهدأ لي بال حتى أنال مرادي..
اشتروا لي دراجة نارية من نوع خاص ومرتفعة الثمن، دراستي أهملتها فطردت، أزعجت راحة الجيران بكثرة الخصومات والمشاجرات، فأصبحت عنصرا مشاغبا غير مرغوب فيه، وحظيت بفرصة السفر خارج الوطن، سافرت لكن من سوء حظي أن تم اعتقالي ضمن شبكة تتجر في المخدرات.
قضيت مدة الاعتقال، وتم ترحيلي لبلدي، ولم يمض سوى شهر على خروجي من السجن، فوقع عراك بيني وبين شاب جار لنا، فتم اعتقالي ثانية لتبدأ مرحلة جديدة من حياتي، سجن مختلف عن سجن أوروبا من حيث عدد الأشخاص، غرفة صغيرة بأعداد كبيرة من المعتقلين في غياب كامل للأفرشة والأغطية إلا نزر قليل مهترئ ورائحته جد كريهة..
لم يمض اليوم الأول حتى تشاجرت مع زعيم الغرفة الذي حاول إهانتي والاعتداء علي، لكن ردة فعلي جعلته يتراجع بعد أن أشبعته ضربا، فتم حبسي في غرفة صغيرة يطلق عليها اسم “الكاشو” لمدة أسبوعين، وبعدها أصبحت محطة احترام من جميع سجناء الحي الذي كنت نزيله، وكان يسمح لنا بفسحة يومية داخل السجن لمدة ساعة.
فرصة كنت أستغلها للمشي وأخذ قسط من أشعة الشمس تلامس جسدي الذي حرمها بسبب هذا الاعتقال، وكم كان شوقي كبيرا لأحظى بزيارة والدي الذي يحضر لي معه ملابس تليق بالفصل الذي نحن نعيشه، إن كان فصل شتاء فالملابس تكون صوفا وساخنة، وإن كان صيفا فتكون قطنا وخفيفة، ومبلغا ماليا يمنح لموظف السجن فيحوله لوصل أتسلمه به، أتدبر بعض مشتريات من دكان السجن، من خضر وفواكه ومواد غذائية ومواد نظافة..
ذات مساء ونحن في جلسة مسائية كعادتنا نشاهد التلفاز، فسمعنا صراخا في الغرفة المقابلة لغرفتنا، شاب أصيب بنوبة هستيرية من البكاء، تلاها كلام مسترسل على لسانه: “أنا الغبي، كنت في بيتنا معزز مكرم في غرفتي الفسيحة النظيفة، أحظى بعناية وحنان والدي، وها أنا ذا أعيش أسوأ أيام حياتي، ظروف صعبة، حرية مقيدة وأيام متشابهة، ولغة مغايرة، وانضباط مفروض كأنني في تكنة عسكرية..
والدي يأتي من مدينة بعيدة لزيارتي، يخرج صباحا باكرا وينتظر في طابور ليقوم بزيارتي، مجرد من هاتفه وساعته اليدوية ومن محفظة بطائقه ونقوده، ليجلس معي لدقائق قليلة، ثم يعود للبيت باكيا..
كم كنت أنانيا، يا ليتني ما فعلت ما فعلت، ازداد حزني لما علمت من جار لنا بأن والدتي أصيبت بشلل نصفي يوم سماعها خبر الحكم علي بسنتين..”.
بعد كل ما شاهدت وسمعت استحضرت الآية الكريمة: “إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ”، فاتخذت عهدا مع نفسي أن أبدأ حياة جديدة، وأستغفر ربي على ما فرطت في حق نفسي ووالدي، وما سببته لأسرتي والجيران من أذى، وتزامن كل هذا مع بداية السنة الدراسية، وسجلت نفسي في شعبة الحلاقة.
ووفقت وحصلت على دبلوم، مكنني بعد انقضاء مدة محكوميتي أن أصبح لي صالونا للحلاقة أطلقت عليه اسم “صالون الأمل”، وبمداخيله استطعت تكوين أسرة صغيرة، وتشافت والدتي، وأصبح والدي يفتخر بي وكل الأسرة والجيران.
فأصبحت محط احترام وتقدير ممن يعرفونني، فرب ضارة نافعة، فبعد أن كان سجني مصدر عذابي، بفضل الله ودعاء الصالحين وتعاون المحبين، أصبح نعمة، فالحمد لله على ما صرت عليه.




