رحل قبل أيام أحد أبرز فلاسفة التعقيد، وأكثرهم فرادة وجدية في مشوار العبر-مناهجية: إدغار موران. سيغادر في لحظة تاريخية معقدة، فقد فيها النظام الدولي آخر الموازين لقيام سلم عالمي على قاعدة العدل الدولي.
إدغار موران صيحة فريدة في عالم هيمن عليه الصمم واللامعنى. كان إدغار ناشطا وقياديا في إنجاز ميثاق العبر- مناهجية سنة 1994 بالبرتغال إلى جانب باسراب وآخرين. فلقد طور وفرع في فكرة نيتشية تناهض النظرة التبسيطية للعالم. هؤلاء كانوا جادين في تنمية الوعي بالعالم والناس والمعرفة.
لنتذكر أن الفكر التعقيدي كان ولا زال هو مخرج الإنسانية من هيمنة التبسيط الذي جعل من الكوكب بيئة فاسدة وملوثة بالتفكير الآحادي، كسر الجسور بين العلوم، اختزال العالم في بعد واحد، كل هذا يجعل العالم بيئة غير قابلة للعيش المشترك.
مع إدغار موران الفيلسوف الذي فكر في مد الجسور بين الثقافات، منح المعرفة سر المجاوزة والتعددية، نمنح العالم أملا في ملامسة إنسانيته. ينحت موران مفاهيمه بعناية، هو مفكر_صانع، لا يوفر جهدا في إكمال مبانيه النظرية وتشطيبها.
وها نحن نكون قد ودعنا قامة وازنة في عالم صناعة المفاهيم التي بها قوام المعنى والإستمرارية في عالم يشكوا من الجهل المقنع. سنفتقد نموذجا من قادة الفكر الإنساني، ناضل في تخوم المعنى، امتلك الشجاعة من أجل الوجود، ناهض الاستعمار والهيمنة والعدوان، آمن حتى الرمق الأخير بقضية الإنسان والشعور وقضايا الأمم العادلة، لم شيخ ادغار، وقد آمن دائما بأن الشيخوخة تبدأ حين يتوقف العقل عن التساؤل.
في المنهج والاخلاق والتاريخ والعقل والتقنية الخ، كان إدغار قد عمر طويلا وجاوز القرن، ولم يتوقف عن العطاء، بل التقت في فكره كل العصور وامتزجت في مقارباته حكمة النوع الخالدة في التاريخ.
مع إدغار موران، ندرك المسافة التي تفصلنا عن التقليد، مع التفاهة وهي عبر إعادة الإنتاج تصر على دك المسافة بين صناعة المفاهيم و التقاطها كأعقاب سجائر على طول الرصيف المعرفي.
يحزننا رحيل من منحوا الحياة كل جهدهم لاكتشاف ما يقوم به صلاح النوع، وفي الوقت نفسه يرعبنا هذا الرحيل، لأن المعرفة تفقد أحد أبرز حراسها الأوفياء، حراسها من السقوط أو الشطط أو التبسيط أو إقبار المفاهيم في الإنشاء المخاتل والتكرار غير المنتج.
لكن لا ننسى أيضا أن رحيل قامة علمية متعددة المهارات، سيمنح فكرها مزيدا من العنفوان. ومن هنا سنحرص في صيحتنا العربية العبرمناهجية القادمة، أن ننظم أسبوع إدغار موران، تذكيرا بفكره وتكريما لمساره الحافل بالعطاء، والأهم من كل ذلك، سنسعى لمفارقة خلاقة، ألا وهي: كيف نبسط الفكر التعقيدي الموراني وكيف نذكر بأن التعقيد هنا هو بكل بساطة عدم غض الطرف عن الزوايا الأخرى المقومة للمعنى، والحذر قدر الإمكان من أخطاء بارالاكس؟!




