يتصاعد الاهتمام داخل الأوساط السياسية والأمنية في إسرائيل بالتطور اللافت في العلاقات العسكرية بين مصر وتركيا، خاصة عقب انطلاق مناورات جوية مشتركة واسعة النطاق على الأراضي المصرية، في خطوة يُنظر إليها على أنها تحمل أبعاداً تتجاوز الإطار التدريبي التقليدي.
وبحسب تقديرات دوائر إسرائيلية، فإن هذه المناورات تمثل مؤشراً على تحول نوعي في مسار العلاقات بين القاهرة وأنقرة، بعد سنوات من التوتر السياسي، ما يفتح الباب أمام شراكة عسكرية قد يكون لها تأثير مباشر على موازين القوى في منطقة شرق البحر المتوسط، التي تشهد تنافساً محتدماً على النفوذ وموارد الطاقة.
وتُجرى التدريبات الجوية الحالية في عدد من القواعد العسكرية داخل مصر، بمشاركة طائرات مقاتلة متعددة المهام، ومن المرتقب أن تستمر لعدة أيام.
وعلى خلاف مناورات سابقة، لم يُعلن عن اسم رسمي لهذا التمرين، وهو ما يراه مراقبون دليلاً على حساسية طبيعته الاستراتيجية، مقارنة بمناورات بحرية سابقة حملت طابعاً أكثر علنية.
في المقابل، تشير القراءة المصرية لهذا التعاون إلى أنه يندرج في إطار تطوير القدرات العملياتية للقوات الجوية، وتعزيز جاهزية الطيارين لتنفيذ مهام مشتركة، إضافة إلى تبادل الخبرات العسكرية بين البلدين.
غير أن هذا التفسير لا يقلل من دلالات التقارب المتسارع، الذي يُنظر إليه إقليمياً باعتباره إعادة تموضع في خريطة التحالفات.
القلق الإسرائيلي لا ينبع فقط من طبيعة المناورات، بل من السياق الأوسع الذي تأتي فيه، حيث تتقاطع ملفات الأمن والطاقة والسيطرة البحرية في شرق المتوسط.
فمصر تمتلك ثقلاً عسكرياً كبيراً في المنطقة، بينما تُعد تركيا لاعباً إقليمياً بارزاً بقدرات متقدمة في مجالي الطيران والبحرية، ما يجعل أي تنسيق بينهما محل متابعة دقيقة من تل أبيب.
ويزداد هذا القلق في ظل إدراك إسرائيلي بأن هذا التقارب جاء بعد قطيعة طويلة استمرت أكثر من عقد، الأمر الذي يمنحه طابعاً مفاجئاً ويعكس تغيراً في الحسابات السياسية والاستراتيجية لدى الطرفين.
كما تخشى إسرائيل من أن يؤدي هذا التعاون إلى تقليص هامش تحركها، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة حول مشاريع الغاز وخطوط نقل الطاقة في المنطقة.
وتُظهر المعطيات أن المناورات الجوية الحالية ليست حدثاً معزولاً، بل تأتي ضمن سلسلة من الأنشطة العسكرية المشتركة التي شهدت زخماً متصاعداً خلال الفترة الأخيرة، من بينها تدريبات للقوات الخاصة في تركيا، ومناورات بحرية سابقة، إضافة إلى مشاركة مشتركة في تمارين إقليمية أُجريت في ليبيا. هذا التراكم يعزز الانطباع بوجود مسار تدريجي نحو بناء شراكة عسكرية أكثر تماسكاً.
وتشير تقديرات تحليلية إلى أن هذا التعاون قد يتطور مستقبلاً ليشمل مجالات أوسع، مثل التصنيع العسكري وتبادل التكنولوجيا الدفاعية، فضلاً عن تنسيق أكبر في العمليات البحرية، وهو ما من شأنه أن يخلق ثقلاً إقليمياً جديداً قد يعيد تشكيل معادلات الأمن في شرق المتوسط.
في المقابل، يرى مراقبون أن القاهرة وأنقرة تتحركان أساساً وفق منطق المصالح الاستراتيجية، بعيداً عن استهداف طرف محدد، وأن هذا التقارب يعكس توجهاً نحو تنويع الشراكات وتعزيز القدرات الدفاعية في بيئة إقليمية مضطربة.
غير أن هذا الطرح لا يلغي حقيقة أن الموقع الجغرافي للبلدين وثقلهما العسكري يمنحان لأي تعاون بينهما أبعاداً تتجاوز حدودهما الثنائية.
ومع تسارع التحولات في الشرق الأوسط، يبدو أن التقارب العسكري بين مصر وتركيا سيظل أحد أبرز الملفات التي تثير اهتمام المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ليس فقط بسبب تداعياته الحالية، بل أيضاً لما يحمله من احتمالات مستقبلية قد تؤثر في توازنات القوة والنفوذ في المنطقة، خاصة في ظل احتدام التنافس على موارد الطاقة ومساراتها الحيوية.




