آراءسياسة
أخر الأخبار

اتفاق الإطار.. عندما سبق التنازلُ الانسحاب

يمكن فصل هذا الاتفاق عن السياق الإقليمي الذي وُلد فيه. فلبنان لم يكن يومًا ساحة منفصلة عن توازنات المنطقة، بل كان دائمًا جزءًا من شبكة معقدة تتداخل فيها الحسابات اللبنانية مع المصالح الأميركية والإيرانية والإسرائيلية، إلى جانب أدوار عربية ودولية لا تقل تأثيرًا

ليست كل الاتفاقات التي تُوقَّع في أعقاب الحروب تُكتب بالحبر نفسه. فبعضها يولد من توازنات فرضتها ميادين القتال، وبعضها الآخر يأتي انعكاسًا لاختلال موازين القوى، فيتحول من محاولة لإنهاء الصراع إلى أداة لإعادة صياغته وفق شروط المنتصر.

وبين هذين النموذجين يقف ما بات يُعرف بـ”اتفاق الإطار” بين لبنان والعدو الإسرائيلي، وهو اتفاق لا تبدو أهميته في كونه ينظم مرحلة ما بعد الحرب فحسب، بل في كونه يرسم معالم مرحلة سياسية وأمنية جديدة، تختلف في طبيعتها عما عرفه لبنان منذ اتفاق وقف الأعمال العدائية عام 2006.

وبعيدًا عن الاحتفاء الرسمي الذي رافق الإعلان عنه، كما عن الرفض الحاد الذي قوبل به من قبل قوى المقاومة، يبقى النص نفسه هو المرجع الوحيد للحكم عليه. ففي السياسة لا تُقاس الاتفاقات بعدد المؤتمرات الصحافية التي تعقب توقيعها، ولا بحجم الحملات الإعلامية التي ترافقها، بل بما تفرضه من التزامات، وما تمنحه من حقوق، وما توفره من ضمانات، وما تتركه معلقًا على شروط المستقبل.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، يصبح السؤال مشروعًا: ماذا أخذ لبنان؟ وماذا التزم به؟ وماذا حصلت عليه إسرائيل في المقابل؟

قراءة متأنية لبنود الاتفاق تبيّن أن الحديث لا يقتصر على وقف للأعمال العسكرية أو على تثبيت هدنة جديدة، بل يتجاوز ذلك إلى إطلاق مسار سياسي متكامل يهدف، وفق نصه، إلى معالجة أسباب الصراع والسير نحو إنهائه عبر مفاوضات مباشرة برعاية الولايات المتحدة.

وقد يرى مؤيدو الاتفاق في هذا التحول فرصة لفتح صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية–الإسرائيلية، إلا أن قوى المقاومة تنظر إليه من زاوية مختلفة تمامًا، معتبرين أن الانتقال إلى هذا المستوى من الالتزامات السياسية قبل حسم ملفات الاحتلال والحدود والضمانات الأمنية، يعني عمليًا تقديم تنازلات جوهرية قبل الحصول على أي مقابل ملموس.

فالخلاف الحقيقي يكمن في مبدأ التفاوض المباشر نفسه. فلبنان سبق أن فاوَض وانتج اتفاق 17 ايار /مايو وسقط بعد عدة اشهر.

وعاد وفاوض بطريقة غير مباشرة في عدة محطات ونجحت تلك المفاوضات لانها انطلقت من نقاط قوة حافظ عليها لبنان وهي المقاومة، ولم يكن التفاوض يومًا، بحد ذاته، دليل ضعف أو استسلام.

إنما تكمن الإشكالية في مضمون التفاوض، وفي ترتيب الالتزامات، وفي الثمن الذي يدفعه كل طرف قبل أن ينال ما يعتبره حقًا له.

وهنا تبدأ الأسئلة التي تجعل من “اتفاق الإطار” أكثر من مجرد وثيقة أمنية.

فالالتزامات التي يرتبها الاتفاق على السلطة اللبنانية تبدو، في النص، واضحة ومباشرة. إذ تتعهد الدولة باستعادة احتكارها الكامل للسلاح، ونزع سلاح جميع (الجماعات المسلحة) غير الحكومية، وتفكيك بنيتها العسكرية، وبسط سلطتها الأمنية على كامل الأراضي اللبنانية، ضمن آليات تحقق ورقابة ودعم تقودها الولايات المتحدة.

وهذه ليست بنودًا إجرائية أو تقنية، بل التزامات تمس واحدة من أكثر القضايا حساسية في الحياة السياسية اللبنانية منذ عقود، لأنها تتصل مباشرة بمستقبل سلاح حزب الله، وبالتوازنات الداخلية التي نشأت بعد عام 2006.

أما في المقابل، فإن الالتزامات الإسرائيلية لا تظهر بالوضوح نفسه. فالانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، بحسب المسودة المتداولة، لا يأتي كالتزام مستقل محدد بتاريخ واضح، وإنما يرتبط بمراحل تنفيذ الالتزامات اللبنانية وبنتائج عمليات التحقق التي تشرف عليها جهات دولية تقودها الولايات المتحدة.

وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية، من يملك حق تقرير أن لبنان أوفى بما هو مطلوب؟ ومن يحدد أن المرحلة الأولى انتهت لتبدأ المرحلة التالية؟ وإذا بقي هذا التقدير خاضعًا لتفسيرات سياسية متباينة، فما الذي يمنع أن يتحول الانسحاب إلى استحقاق مؤجل إلى أجل غير معلوم؟

فجوهر الاتفاقات لا يكمن في النصوص وحدها، بل في آليات تنفيذها. وكلما ارتبط تنفيذ التزام أحد الطرفين بشروط فضفاضة أو بمعايير قابلة للتأويل، ازداد خطر أن يتحول الاتفاق من إطار لإنهاء النزاع إلى وسيلة لإدارته، ومن ضمانة للاستقرار إلى أداة ضغط دائمة على الطرف الأضعف.

ولا يقتصر الأمر على مسألة الانسحاب. فالاتفاق، كما يظهر من بنوده، يعيد ترتيب العلاقة بين الأمن والسياسة على نحو يجعل تنفيذ الالتزامات الأمنية المدخل الإلزامي لكل ما يليها. فإعادة الإعمار، وعودة السكان، وتدفق المساعدات، وحتى الانتقال إلى مراحل لاحقة من التنفيذ، كلها ترتبط بمدى التقدم في تنفيذ الالتزامات الأمنية ونتائج عمليات التحقق.

قد يجادل مؤيدو الاتفاق بأن هذا الربط يشكل ضمانة لعدم تكرار المواجهات، وأن المجتمع الدولي لن يضخ أموالًا لإعادة الإعمار قبل التأكد من استقرار الأوضاع.

إلا أن قوى المعارضة الاتفاق يطرحون سؤالًا مختلفًا، هل يجوز أن يصبح حق اللبنانيين في العودة إلى قراهم وإعادة بناء منازلهم حقًا مشروطًا بمسار سياسي وأمني طويل ومعقد؟ وهل تتحول معاناة مئات آلاف المواطنين الذين دمرت الحرب بيوتهم إلى ورقة تفاوض إضافية في يد الجهات المشرفة على تنفيذ الاتفاق؟

وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل. فالحقوق الإنسانية، وفي مقدمها حق العودة إلى المنازل وإعادة الإعمار، يفترض أن تكون منفصلة عن التجاذبات السياسية، لا أن تصبح جزءًا من منظومة الشروط المتبادلة. وكلما طال أمد تنفيذ الالتزامات الأمنية، طال معه أمد انتظار السكان، وازدادت الكلفة الاجتماعية والاقتصادية للحرب، حتى بعد توقف العمليات العسكرية.

وتزداد هذه القراءة تعقيدًا عند التوقف أمام الدور الأميركي في الاتفاق. فالولايات المتحدة لا تؤدي دور الوسيط التقليدي الذي يكتفي بتقريب وجهات النظر، بل تظهر، وفق نص الاتفاق، شريكًا في آليات التحقق، والتنسيق، والإشراف على مراحل التنفيذ، وربط جزء من المساعدات والبرامج الداعمة بمؤشرات محددة وقابلة للقياس.

ويرى مؤيدو الاتفاق في هذا الدور ضمانة دولية لتنفيذ الالتزامات ومنع أي طرف من التنصل منها، بينما يعتبره معارضوه انتقالًا بواشنطن من موقع الوساطة إلى موقع الشريك التنفيذي، بما يمنحها تأثيرًا مباشرًا في تفسير البنود وتحديد مدى الالتزام بها، وهو ما يطرح، في نظرهم، أسئلة تتعلق بهامش القرار اللبناني واستقلاليته في إدارة ملف بهذه الحساسية، وخصوصًا ان واشنطن حليف فعلي للعدو الاسرائيلي.

ولا يقل أهمية عن ذلك ما ورد في الاتفاق بشأن وقف الأعمال في المحافل السياسية والقانونية الدولية. صحيح أن النص لا ينص صراحة على منع الدعاوى الفردية، لكنه يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مستقبل المسارات القانونية التي قد تلجأ إليها الدولة اللبنانية، أو تدعمها، في مواجهة إسرائيل.

فهل يشكل هذا البند خطوة لبناء الثقة وتهيئة المناخ السياسي لإنجاح الاتفاق؟ أم أنه يحد من إحدى الأدوات القليلة التي امتلكها لبنان طوال السنوات الماضية في مواجهة إسرائيل على المستوى الدبلوماسي والقانوني؟ إنه سؤال لا يقل أهمية عن الأسئلة الأمنية، لأن الصراع بين الدول لا يُدار بالسلاح وحده، بل بالقانون أيضًا، والتنازل عن أي أداة ضغط يجب أن يقابله مكسب واضح ومحدد، لا وعدًا مفتوحًا على احتمالات متعددة.

ومن هنا، لا تبدو الإشكالية في وجود التزامات على لبنان، فكل اتفاق يفرض التزامات متبادلة، بل في طبيعة هذا التبادل نفسه. فحين تكون الالتزامات اللبنانية محددة وفورية وقابلة للقياس، بينما تبقى الالتزامات المقابلة مرتبطة بشروط وتقديرات ومراحل غير محددة زمنيًا، يصبح السؤال عن توازن الاتفاق سؤالًا مشروعًا، لا موقفًا سياسيًا مسبقًا.

وعلى المستوى الداخلي، لم يكن مستغربًا أن يعيد الاتفاق فتح الانقسام اللبناني حول قضايا ظن كثيرون أنها أُرجئت ولم تُحسم. فالنقاش لم يعد يقتصر على تفاصيل تقنية تتعلق بآليات التنفيذ أو جداول الانسحاب، بل عاد إلى الأسئلة الكبرى التي رافقت الحياة السياسية اللبنانية منذ عقود؛ مفهوم السيادة، وحدود سلطة الدولة، ومستقبل سلاح المقاومة، وطبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، والسقف الذي يمكن أن تبلغه أي تسوية مع إسرائيل.

ولهذا جاءت ردود الفعل متباينة إلى حد بعيد. فهناك من رأى (حلفاء اميركا – السعودية- الامارات) في الاتفاق فرصة لإعادة تثبيت سلطة الدولة وفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقرارًا، بينما اعتبره فريق المقاومة انتقالًا إلى مرحلة جديدة تُقدَّم فيها التنازلات السياسية والأمنية قبل الحصول على المقابل، بما يبدل قواعد الاشتباك التي حكمت الجنوب اللبناني منذ انتهاء حرب تموز/يوليو.

ومن وجهة نظر معارضي الاتفاق، فإن الخلل لا يكمن في مبدأ التسوية، بل في ترتيب عناصرها. فالتسويات الناجحة، في عرف السياسة، تقوم على تبادل متوازن للالتزامات، بحيث يحصل كل طرف على مقابل واضح ومحدد لما يقدمه.

أما عندما تصبح التنازلات فورية، فيما يبقى المقابل مؤجلًا إلى مراحل لاحقة مرتبطة بشروط يحددها الطرف الآخر أو الجهات المشرفة على التنفيذ، فإن ميزان الاتفاق يصبح موضع نقاش مشروع، مهما كانت التسميات التي تُطلق عليه.

ولهذا السبب يذهب بعض المعارضين إلى اعتبار أن ما جرى يتجاوز مجرد اتفاق أمني، ليصبح تحولًا سياسيًا عميقًا في طريقة إدارة الصراع مع إسرائيل، لأن السلطة اللبنانية الحاكمة الآن، وافقت على تنفيذ التزامات جوهرية تتعلق ببنيتها الأمنية قبل أن تحصل على ضمانات نهائية تتعلق بالانسحاب، أو بوقف الاعتداءات، أو بحسم الملفات العالقة.

ولا يمكن فصل هذا الاتفاق عن السياق الإقليمي الذي وُلد فيه. فلبنان لم يكن يومًا ساحة منفصلة عن توازنات المنطقة، بل كان دائمًا جزءًا من شبكة معقدة تتداخل فيها الحسابات اللبنانية مع المصالح الأميركية والإيرانية والإسرائيلية، إلى جانب أدوار عربية ودولية لا تقل تأثيرًا.

ومن هنا، يرى كثير من المراقبين أن مستقبل الاتفاق لن يتحدد فقط بما يجري داخل لبنان، بل أيضًا بمصير التفاهمات الإقليمية التي أحاطت بولادته. فكل تبدل في العلاقة الأميركية–الإيرانية، أو أي عودة إلى التصعيد في المنطقة، سينعكس بصورة مباشرة على فرص تنفيذ الاتفاق أو تعطيله.

وفي هذا الإطار، استندت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في مواقفها المعلنة، إلى ضرورة الحفاظ على السيادة اللبنانية ووحدة أراضيها، مع التشديد على وجوب انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة ضمن جدول زمني واضح وغير مشروط.

كما ربط مسؤولون إيرانيون استقرار أي تفاهمات إقليمية باحترام هذه المبادئ، معتبرين أن أي إخلال بها من شأنه إعادة التوتر إلى الواجهة.

ويقرأ معارضو الاتفاق هذه التصريحات باعتبارها مؤشرًا إلى أن الملف اللبناني لا يزال جزءًا من المشهد الإقليمي الأوسع، وأن أي محاولة لفصل المسارين اللبناني والإيراني بصورة كاملة قد لا تكون قابلة للاستمرار إذا اختلت التوازنات التي أنتجت هذا الاتفاق.

في المقابل، ترى قوى المقاومة أن ما جرى على الأرض منذ الإعلان عنه لا يبعث على الاطمئنان. فمن وجهة نظرهم، لا تزال إسرائيل تتعامل مع الاتفاق بوصفه أداة تمنحها هامشًا أوسع للحركة، فيما تتحمل الدولة اللبنانية عبء تنفيذ التزاماتها تحت رقابة دولية مشددة. ويعتبر هؤلاء أن الخلل لا يكمن فقط في النصوص، بل في ميزان القوة الذي سيحكم تفسيرها وتطبيقها خلال المرحلة المقبلة.

ويذهب أصحاب هذه القراءة إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن الاتفاق، بصيغته الحالية، لا يفصل فقط بين مرحلتي الحرب والسلم، بل يؤسس أيضًا لواقع سياسي وأمني جديد في الجنوب، يختلف جذريًا عما كان قائمًا طوال السنوات الماضية.

فبالنسبة إليهم، لا يقتصر الأمر على إعادة انتشار أو ترتيبات أمنية، بل يتعداه إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك، ونقل مركز الثقل من معادلة الردع الميداني إلى منظومة رقابة دولية تقودها الولايات المتحدة، بما يمنحها دورًا يتجاوز الوساطة إلى التأثير المباشر في إدارة الملف اللبناني.

ولهذا السبب لم يكن مستغربًا أن يحتفي مسؤولون إسرائيليون بالاتفاق، لا باعتباره مجرد تفاهم أمني، بل بوصفه محطة يمكن أن تفتح الباب أمام تحولات سياسية أوسع.

ويستند معارضو الاتفاق إلى هذه المواقف ليقولوا إن إسرائيل لم تُخفِ قناعتها بأنها حققت من خلال المسار السياسي ما عجزت عن تحقيقه بالكامل في الميدان، وهو استنتاج يرفضه مؤيدو الاتفاق الذين يعتبرون أن البديل كان استمرار الحرب وما تحمله من خسائر بشرية واقتصادية وسيادية.

لكن، بعيدًا عن السجال الداخلي، تبقى حقيقة يصعب تجاوزها، إن أي اتفاق لا يقاس فقط بما يرد في بنوده، بل أيضًا بقدرته على الصمود أمام أول اختبار عملي. فالنصوص، مهما بلغت دقتها، لا تصنع الاستقرار إذا كانت آليات تنفيذها غامضة، ولا تحقق السلام إذا شعر أحد الأطراف بأنه قدّم أكثر مما أخذ، أو أن التزاماته أصبحت نهائية فيما بقيت التزامات الطرف الآخر معلقة على شروط مفتوحة.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كان الاتفاق قد أوقف الحرب وهو لم يوقفها اصلاً، بل بما إذا كان قد عالج أسبابها، وأرسى توازنًا مستدامًا يمنع عودتها. فإذا تحولت الالتزامات اللبنانية إلى واقع ثابت، فيما بقي الانسحاب الإسرائيلي رهينة التفسيرات والاشتراطات، فإن الاتفاق سيكون قد نقل الأزمة من الميدان إلى السياسة، لا أنهى أسبابها.

إن أخطر ما في هذا الاتفاق، وفق القراءة التي يتبناها معارضوه، ليس أنه ينص على ترتيبات أمنية جديدة، بل أنه يعكس انقلابًا في ترتيب الأولويات. فالانسحاب، الذي كان يفترض أن يكون المدخل الطبيعي لأي تسوية، أصبح نتيجة مشروطة بتنفيذ سلسلة طويلة من الالتزامات اللبنانية. وبذلك، لم يعد إنهاء الاحتلال نقطة البداية، بل بات، عمليًا، المكافأة التي تُمنح إذا اقتنع الطرف الآخر بأن الشروط قد استوفيت.

ومن هنا جاء وصف كثيرين له بأنه اتفاق سبق فيه التنازلُ الانسحاب، لا لأن هذا الوصف شعار سياسي، بل لأنهم يرون أن بنيته نفسها تقوم على التزامات لبنانية فورية، يقابلها انسحاب مؤجل، وضمانات قابلة للتأويل، وآليات تحقق يملك الطرف الأقوى فيها تأثيرًا وازنًا.

قد يختلف اللبنانيون في توصيف هذا الاتفاق، كما يختلفون في تقييمه السياسي. فهناك من يراه فرصة لإعادة تثبيت سلطة الدولة وفتح نافذة للاستقرار، وهناك من يعتبره تنازلًا واسعًا عن أوراق قوة امتلكها لبنان لعقود.

لكن ما يكاد يكون موضع اتفاق بين الجميع هو أن هذه الوثيقة ليست مجرد ترتيب أمني عابر، بل محطة مفصلية ستترك آثارها على مفهوم السيادة، وعلى طبيعة العلاقة مع إسرائيل، وعلى شكل الدولة اللبنانية ودورها في السنوات المقبلة.

لهذا، فإن الحكم النهائي على “اتفاق الإطار” لن يصدر يوم التوقيع، ولا بعد انتهاء المؤتمرات الصحافية، ولا مع تبادل البيانات المرحبة أو المنددة. وحدها الوقائع على الأرض ستمنح الجواب، هل كان الاتفاق بدايةً لاستقرار حقيقي يقوم على توازن الالتزامات والحقوق، أم أنه شكّل، محطة انتقل فيها لبنان من إدارة الصراع إلى إدارة شروطه او الى توتر داخلي لا اخد يعرف ان يتجه لبنان بسببه؟

فالأيام وحدها هي التي ستجيب عن السؤال الذي تجاهلته الاحتفالات، وتجنبت السلطة الإجابة عنه: هل كان هذا اتفاقًا أنهى الحرب.. أم اتفاقًا أعاد تعريفها بوسائل أخرى؟

https://anbaaexpress.ma/3mfuo

داني الامين

صحفي لبناني ومستشار علاقات عامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى