آراء
أخر الأخبار

لا زال الأمل في أنطولوجيا تنموية.. على هامش عرض مشروع د. طارق السعيد

ألمس جدية خاصة في هذا العرض، وفيما وفرته جمعية الاقتصاديين المغاربة، التي تميزت بمبادراتها الجادة. وفي هذا التوقيت الذي تحركت فيه ماكنة الحملة الانتخابية..

ثمة عناية مفارقة، تجسد قوة حضور اللاقياسي (incommensurable) في مسار يخضع لعنف وحتمية خيبات الأمل.

حتى البخت لن يبقى كذلك إذا ما عللناه، فسيخرج حتما عن بخته. وفي تلك الأمسية من يوم الخميس (4يونيو 2026) سأتلقى دعوة كريمة من جمعية الاقتصاديين المغاربة بمقرها بالرباط، في إطار افتتاحها لدورة جديدة، وذلك لحضور نقاش علمي يؤطره الأستاذ طارق السعيد، وهو طبيب وخبير في الحكامة والتنمية المستدامة واستراتيجيات الالتقائية المجالية.

وهو إطار مستقل بحضوره يستمد تميزه من خبرته وعلمه وليس فقط كونه شقيق د. محمد جلال السعيد أحد فقهاء القانون الجنائي المميزين بالمغرب، ورئيس مجلس المستشارين في البرلمان المغربي في الفترة ما بين 1997 و2002.

وسيدور النقاش حول الحكامة الترابية، الصحة والتشغيل: من أجل تحقيق السيادة الصحية والاجتماعية والاقتصادية المستدامة. حيث افتتح رئيس الجمعية السيد مصطفى الكثيري اللقاء، وهو رئيس اتحاد الاقتصاديين العرب، وأيضا المندوب السامي لقدماء المحاربين وأعضاء جيش التحرير، ورئيس الفدرالية العالمية لقدماء المحاربين (FMAC)، التي تأسست سنة 1950 بباريس، والتي تضم ما يربو عن 60 مليون عضو من قدماء المحاربين بالعالم على امتداد 120 دولة.

حيث سبق واستضافت المندوبية السامية ورشا كبيرا حول قضايا الصحة بالنسبة لشريحة قدماء المحاربين، أسفر عن مخرجات مهمة تضمنها تقرير تم توزيعه عبر فروع الفدرالية العالمية وأعضاءها من أشخاص ومنظمات، وقد سبق وتطرقنا لهذه الفعاليات في حينها.

هذه المرة، سيكون موضوع الورشة راهني يلامس الآن والمآل المغربيين. ليت الأحزاب السياسية في تدافعها الانثربو_انتخابي في أفق هذا العام حضروا كي يواكبوا سؤال التدبير، وهو تمرين على اتخاذ القرارات الصعبة، فالفعل هو ابن التنزيل والمخرجات الواقعية هي بنت الفعل. إنها قضية ممكنة، لكن غياب الإرادة السياسية هي من يفتح الباب أمام ممشى طويل من الانتظارات.

أنصت بتركيز كبير على تفاصيل العرض، الذي خطأ توقعي، فلم يكن عرضا باردا، بل حتى المفاهيم كانت تخضع لتدبير محترف. وجدت نفسي أتفق مع كل ما تناوله البروفسور طارق بعمق علمي كان يحيطه بتواضع حقيقي. ليس ذلك فحسب، بل كان كل مرة يعبر عما كان يجيش في خاطري.

آثرت أن لا يكون لي أي تعليق، لولا أن السيد د.مصطفى الكثيري أخرجني من صمتي وحسنا فعل. كنت أخشى كما ذكرت حينها أن أخرجهم عن الموضوع وأفتح متاهة فلسفية، غير أن المشروع كما لم يخب ظني كان أكثر استيعابية؛ والاستيعابية هي عنوان المشروع الذي اشتغلت عليه أكثر من ثلاثة عقود ونيف.

وحيث تهمني المفاهيم في تدبير التنمية واستيعابها قبل التنزيل، ما يقتضي اقتدارا على تدبير المفاهيم، كنت أتابع بتركيز دقيقة طريقة البروفسور طارق في تنزيل المفاهيم، وبحس نقدي حاولت أن أن أتصيد ثغرة هنا أو هناك، لكنني ألفيت نفسي أمام صانع يتقن إدارة المفاهيم باحترافية فلسفية ناذرة، فالطبيب هنا أدرك تشخيص المرض والتصدي في تدبير وصفة عملية دون الوقوع في مغالطة الأرقام.

يمكن من خلال الخلاصة الوقوف عند النقاط التالية التي ستكون منطلقا لتفاعلي مع هذا العرض، لأنه وأخيرا سأكتشف في هذا كل انتظاراتي، بل جوابا على صيحات جرت بعيدا في واد.

أولى هذه التوافقات، المقاربة الشمولية لسائر القطاعات، وهذا تحديدا ما عنيت به تجاوز السياسة القطاعية وايجاد جسور تواصليا خلاقة بين القطاعات، وهذا يتطلب ضربا من التركيب كما يتطلب أولا وقبل كل شيء إرادة سياسية وقدرة على اتخاذ القرار.

القضية الأخرى تتعلق بفعالية الإنجاز، أي الإنصات لسيرورة التنزيل والتنجيز والتفاعل مع احتمالات ما يكشف عنه مسار التطبيق للبرنامج وليس الوفاء للرؤية النظرية الكلية.

وهذا ما اعتبرته يوما عطبا في مقاربة سؤال التنمية، حيث الأزمة هي بنيوية، وما كان كذلك لا يصار إلى حلحلته إلا بتفعيل البنية بفعل خلاق وإعادة تموضع خوارزميات الحل البنيوي، باعتبار تعقيد الفعل البنيوي، هذا ما ينتهي بترشيح البنية الفاعلة إلى ترشيح مخرجات الأزمة ومدخلات الحل، فليس للإرادة السياسية إلا قرار تحريك البنية باتجاه اكتشاف مخرجات الأزمة. الفكرة هنا تقوم على تداخل وتصالح الإرادة والبنية.

سأكتشف في عرض البروفسور طارق جرأة قلما أدركها منظر أو خبير، أعني بذلك الجرأة على تغيير البارديم. هذه ليست مهمة سهلة في التقاليد العلمية الأكثر وفاء للبارادايم من العلم نفسه. لكن هنا وفي خلاصة قوله عبارة أريد أن أقف عندها لمزيد من اعلان التوافق.

يقول د. طارق: (Changer les paradigmes vers une réduction du temps de travail pour plus d’ emploi) كان هذا ما لفت انتباهي من خلال تعليقي المختصر، ليس من حيث أن مقاربة د.طارق تجاوزت سلطة البارديم، بل هنا الأمر يتعلق بمعضلة عالمية وتاريخية.

فالخبير الذي شارك في برامج دولية، يدرك تشابك العلاقات الدولية، يدرك أيضا أهمية المصاحبة لمؤسسات دولية تربطها بالمؤسسات الوطنية والمحلية عقود تعاون، فضلا عن مواثيق محددة للعمل المشترك. ومن هنا لفتني استعمال مصطلح(Histogeopolitique)، ما يؤكد أن برامج التنمية الوطنية والمحلية ليست بمنأى عن الحدث الإقليمي والدولي، تأثيرا وتأثرا.

ومع أنني أعتقد أن “ماكندر” في أول تفكر له في الجغرافيا السياسية جعل الجغرافيا هي نفسها محور التاريخ(pivot de l l’histoire)، حيث كل فعل تاريخي يتضمن حقيقة جغرافية، فإن قلب الصورة هنا، يتعلق بإعادة الاعتبار لتاريخ الفعل والإنجاز، وعدم تجاوز مكاسب الفعل، وهو ما يفرض تمييزا بين وظيفة الدولة ووظيفة الحكومة.

هنا يتعين وجود الضامن في المشاريع الاستراتيجية الكبرى، بتعبير آخر، تحرير المشاريع الاستراتيجية من التداول الحكومي والتنازعات النظرية حول باراديم التدبير.

وعودا على الفكرة التي تتعلق بتغيير الباراديم باتجاه تقليل زمن الشغل لتوفير مزيد من فرص الشغل، تبدو القضية هنا جريئة من حيث أنها تغامر في تغيير باراديم كامل، بل عند التأمل سنقف عند فكرة أرى أنها نضجت بما فيه الكفاية، وأعني بذلك مفهوم الزمن.

ومع أن ماركس خالف الكلاسيك بالتركيز على الزمن النسبي اجتماعيا لتحديد قيمة البضاعة والخدمة، وقد تقدم في استيعاب النسبية، إذ لم يعد الزمن الاجتماعي خارج حساب النسبية العامة.

لكن ما يبدو لي هنا، حتى نجعل الدعوة لتعديل البارادايم المذكور ممكنة، هو أن معضلة الاقتصاد السياسي منذ ريكاردو وحتى اليوم، هو اعتبار الزمن معيارا لإنتاج بضاعة أو إنجاز خدمة، وليس هو في ذاته قيمة يجب تمكين الشغيلة من رصيد من مكتسبات الزمن.

إذا توفقنا في زحزحة الباراديم لتقليص ساعات العمل، فهذا وبموجب ما ذكرنا لن يكون هدرا، بل قيمة تنضاف لكائن يدخل الزمن نفسه في تموجده كدازاين. فأي قيمة للتطور التكنولوجي إن كان الإنسان لن يحقق تحرره الكامل؟ تخشى الرأسمالية من تحرير الزمن لأنها تدرك أن من هناك يتحرر الانسان. متى يا ترى يصبح المطلب الأنطولوجي في صلب مشروع وسؤال التقدم وموضوعا لا غنى عنه في التنمية البشرية؟!

ألمس جدية خاصة في هذا العرض، وفيما وفرته جمعية الاقتصاديين المغاربة، التي تميزت بمبادراتها الجادة. وفي هذا التوقيت الذي تحركت فيه ماكنة الحملة الانتخابية، كان هناك من يعمل لتطوير الأسس و المفاهيم الضرورية لتحسين للحكامة الترابية في مجال الصحة والتشغيل ومن ثمة باقي القطاعات غير المنفكة.

إن المعضلة أو بالأحرى الإصلاح الحقيقي، كما أكدت خلاصة العرض المذكور، ليس فقط في الأدوات والمشاريع، بل يكمن في طريقة حكامة النظام أو النسق، وهو ما يتحقق بإعادة تموضع وتنظيم العديد من العناصر، التي تناولها العرض بشكل مكثف يستحق اشتغالا جماعيا على كل تفاصيله.

وفي تصوري أنه يشكل إطارا لتنهيض شمولي واعد، وهي بالفعل حسب توصيات اللقاء سيترتب عليها فتح ورش للنقاش حول تفاصيل المشروع، استجابة لتحدي سؤال التقدم في أفق خيار عبرمناهجي، وفي سياق علائق دولية تخليفية تفرض نباهة فائقة ورؤية فلسفية “تعقيدية” مرنة!

https://anbaaexpress.ma/v5xoa

إدريس هاني

باحث ومفكر مغربي، تنصب إهتماماته المعرفية في بحث قضايا الفكر العربي، أسئلة النهضة والإصلاح الديني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى