أفريقياإقتصادتقارير
أخر الأخبار

الداخلة.. حين تتحول وجهة سياحية صاعدة إلى محور جدل دولي

تعكس التفاصيل اليومية للزوار طبيعة الواقع الإداري في المدينة، حيث تمر إجراءات السفر والدخول عبر قنوات رسمية مغربية، بما في ذلك الوثائق والأختام، وهو ما يعزز صورة الارتباط المؤسساتي بالإدارة المركزية، بغض النظر عن الجدل السياسي القائم على المستوى الدولي

في أقصى الجنوب المغربي، بعيداً عن المسارات السياحية التقليدية، تبرز مدينة الداخلة كواحدة من أكثر الوجهات إثارة للاهتمام في السنوات الأخيرة.

ليس فقط بسبب مؤهلاتها الطبيعية الفريدة، بل أيضاً لأن صعودها السريع على خريطة السياحة العالمية يتقاطع مع ملف سياسي معقد أعاد طرح أسئلة قديمة بصيغ جديدة، هذه المرة عبر بوابات السفر ومنصات الحجز الدولية.

فخلال فترة وجيزة، انتقلت الداخلة من مدينة هادئة شبه معزولة إلى نقطة جذب متنامية للسياح الأوروبيين، مستفيدة من طفرة في الرحلات الجوية منخفضة التكلفة التي ربطتها مباشرة بمدن كبرى مثل مدريد وباريس وجزر الكناري.

هذا التحول لم يكن عفوياً، بل جاء نتيجة استراتيجية استثمارية واضحة ركزت على تطوير البنية التحتية وتعزيز العرض السياحي، خصوصاً في مجالات الرياضات البحرية التي باتت تمثل العلامة المميزة للمنطقة.

تقرير حديث لهيئة الإذاعة البريطانية رصد هذه الدينامية، مشيراً إلى أن شركات الطيران الأوروبية لعبت دوراً محورياً في فك العزلة الجغرافية عن الداخلة، ما ساهم في إدراجها ضمن عروض السفر منخفض التكلفة، وهو ما وسّع قاعدة الزوار بشكل ملحوظ.

ومع هذا الانفتاح، بدأت المدينة تستقطب فئات جديدة من السياح الباحثين عن وجهات بديلة أقل ازدحاماً وأكثر تميزاً من حيث الطبيعة والتجربة.

غير أن هذا الحضور المتزايد وفق ذات التقرير  في السوق السياحية الدولية لم يخلُ من تداعيات سياسية. فطريقة تقديم الداخلة ضمن الوجهات المعروضة على منصات الحجز العالمية أثارت نقاشاً متجدداً حول الوضع القانوني للإقليم.

ففي حين تُدرج المدينة ضمن المغرب في مواقع شهيرة للحجز، يرى معارضون لهذا الطرح أن الأمر يتجاوز البعد السياحي ليحمل أبعاداً سياسية وقانونية مرتبطة بالنزاع الإقليمي.

وفي المقابل، وحسب التقرير البريطاني تستند الرباط إلى واقع ميداني تعززه أرقام القطاع السياحي. فقد سجلت الأقاليم الجنوبية، وفق معطيات رسمية، ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الزوار، حيث انتقل العدد من نحو 490 ألف سائح سنة 2019 إلى أكثر من 743 ألفاً في عام 2025.

ويعكس هذا النمو، بحسب الجهات الرسمية، نجاح السياسات التنموية في جعل المنطقة أكثر جاذبية، سواء من حيث البنية التحتية أو جودة الخدمات.

وتشكل الداخلة نموذجاً لهذا التحول، حيث شهدت خلال السنوات الأخيرة إطلاق مشاريع فندقية وسياحية كبرى، إلى جانب استثمارات في مجالات الرياضة والترفيه.

وقد ساهمت الظروف الطبيعية الاستثنائية، من رياح منتظمة ومياه هادئة، في ترسيخ مكانة المدينة كواحدة من أبرز الوجهات العالمية لممارسة رياضات مثل الكايت سورف والتزلج على الماء.

ومن خلال شهادات ميدانية، يتضح أن هذا التطور لا يزال في مراحله الأولى رغم وتيرته المتسارعة. فقد أشار أحد السياح الأوروبيين الذين زاروا الداخلة مؤخراً إلى أن المدينة تشهد أوراشاً مفتوحة ومشاريع قيد الإنجاز، ما يعكس دينامية اقتصادية متنامية، لكنه لفت أيضاً إلى أن التجربة السياحية ما تزال في طور التشكل ولم تبلغ بعد مرحلة النضج الكامل.

كما تعكس التفاصيل اليومية للزوار طبيعة الواقع الإداري في المدينة، حيث تمر إجراءات السفر والدخول عبر قنوات رسمية مغربية، بما في ذلك الوثائق والأختام، وهو ما يعزز صورة الارتباط المؤسساتي بالإدارة المركزية، بغض النظر عن الجدل السياسي القائم على المستوى الدولي.

وفي سياق متصل، تبرز منصات الحجز العالمية كفاعل غير مباشر في هذا النقاش، إذ تعتمد في تصنيفها للوجهات على معايير تشغيلية وتجارية، ما يجعلها تدرج الداخلة والعيون ضمن المغرب. هذا التصنيف، وإن كان تقنياً في ظاهره، إلا أنه يكتسب دلالات أوسع في ظل حساسية الملف.

ويعود أصل هذا الجدل إلى سبعينيات القرن الماضي، حين أنهت إسبانيا وجودها الاستعماري في الإقليم، لتدخل المنطقة بعدها في مرحلة صراع بين المغرب وجبهة ميلشيا البوليساريو، التي تطالب باستقلال الصحراء.

واستمرت المواجهات لسنوات قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار سنة 1991 برعاية الأمم المتحدة، دون أن يحسم هذا النزاع  المفتعل التي تقف ورائه الجزائر بشكل نهائي حتى اليوم.

حالياً، يطرح المغرب مبادرة الحكم الذاتي كحل سياسي لهذا النزاع المفتعل ، وهي مبادرة تحظى بدعم متزايد من بعض القوى الدولية، من بينها الولايات المتحدة التي أعلنت في عام 2020 اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء. في المقابل، لا يزال الملف مطروحاً في أروقة الأمم المتحدة، وسط دعوات لإيجاد حل متوافق عليه.

وبين هذه التعقيدات، تواصل الداخلة مسارها كوجهة سياحية صاعدة، مستفيدة من زخم الاستثمار والانفتاح الدولي. غير أن هذا الصعود لا ينفصل عن السياق السياسي الأوسع، ما يجعل من المدينة حالة فريدة تجمع بين فرص التنمية الاقتصادية وتحديات الجغرافيا السياسية.

https://anbaaexpress.ma/eqahm

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى