آراءسياسة
أخر الأخبار

التصعيد الإيراني وإعادة تشكيل المشهد الإقليمي.. بين الرسائل العسكرية وحسابات التفاوض

لا تبدو الضربة الإيرانية حدثًا عسكريًا معزولًا، بل جزءًا من صراع أوسع يتعلق بإعادة رسم موازين النفوذ والتأثير في المنطقة..

شهدت المنطقة تطورًا لافتًا تمثل في قيام الحرس الثوري الإيراني بإطلاق صواريخ بالستية باتجاه إسرائيل، في خطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع الذي يشهد حراكًا سياسيًا وأمنيًا متسارعًا على أكثر من جبهة.

فالتصعيد جاء في لحظة تتقاطع فيها عدة مسارات تفاوضية حساسة، سواء على صعيد المفاوضات المتعلقة بالحرب في غزة، أو على مستوى التفاهمات الجارية بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، الأمر الذي يضفي على هذا التحرك الإيراني أبعادًا تتجاوز طبيعته العسكرية المباشرة.

من هذا المنطلق، يبدو أن الضربة الإيرانية تحمل جملة من الرسائل السياسية والإستراتيجية. فمن ناحية، تسعى طهران إلى التأكيد على استمرار حضورها وتأثيرها في معادلات الأمن الإقليمي، وإظهار قدرتها على التدخل في مسارات الأزمات الكبرى متى رأت أن مصالحها أو مصالح حلفائها مهددة.

ومن ناحية أخرى، يمكن فهم هذا التصعيد بوصفه محاولة للتأثير في البيئة السياسية المحيطة بالمفاوضات الجارية، خصوصًا في ظل ما تردد عن ضغوط دولية وإقليمية متزايدة لدفع الأطراف الفلسطينية نحو ترتيبات جديدة تتعلق بإدارة السلطة وتنظيم السلاح، إلى جانب الحديث عن تقدم نسبي في المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، قد يُنظر إلى التصعيد الإيراني باعتباره أداة لإعادة تشكيل موازين الضغط والتفاوض، بما يمنح حلفاء طهران هامشًا أوسع للمناورة السياسية، أو يحد من الضغوط التي يتعرضون لها في هذه المرحلة.

فإيران تدرك أن أي تسويات سياسية أو أمنية في غزة أو لبنان قد تترك انعكاسات مباشرة على شبكة نفوذها الإقليمية، الأمر الذي يدفعها إلى محاولة التأثير في مخرجات هذه المسارات قبل وصولها إلى مراحل أكثر تقدمًا.

غير أن التطور الأهم لا يتعلق فقط بالدوافع الإيرانية، بل أيضًا بكيفية تعامل الولايات المتحدة مع هذا التصعيد. فواشنطن تجد نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين التزاماتها الأمنية تجاه إسرائيل وحلفائها في المنطقة، وبين رغبتها في تجنب اندلاع مواجهة إقليمية واسعة قد تفرض عليها انخراطًا عسكريًا وسياسيًا أكبر في الشرق الأوسط.

كما أن الإدارة الأمريكية تبدو حريصة على الحفاظ على حالة من الاستقرار النسبي تسمح لها بتركيز اهتمامها على أولويات دولية أخرى، فضلًا عن الاعتبارات السياسية الداخلية المرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية والحسابات الاقتصادية.

 ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في سياسة الاحتواء دون الانجرار إلى مسار تصعيدي أوسع؟ فنجاح هذه السياسة يتوقف إلى حد كبير على قدرتها في تحقيق توازن دقيق بين الردع ومنع التوسع، وهو توازن يزداد صعوبة كلما ارتفع مستوى التوتر بين إيران وإسرائيل.

في المقابل، فإن مسار الأحداث خلال المرحلة المقبلة سيظل مرتبطًا بشكل وثيق بطبيعة الرد الإسرائيلي وحجمه وأهدافه. فإسرائيل تواجه بدورها معادلة معقدة؛ إذ إن عدم الرد قد يُفسَّر بوصفه تراجعًا في مستوى الردع، في حين أن الرد المفرط قد يؤدي إلى توسيع دائرة الصراع وإدخال أطراف إقليمية أخرى في المواجهة.

ولذلك، فإن أي خطوة إسرائيلية مقبلة لن تكون مجرد رد عسكري، بل ستشكل رسالة سياسية وإستراتيجية موجهة إلى إيران وحلفائها، وإلى الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في الوقت ذاته.

وعليه، فإن مستقبل المشهد الإقليمي سيتحدد بدرجة كبيرة وفق طبيعة التفاعلات بين هذه الأطراف الرئيسية ومدى قدرتها على ضبط مستويات التصعيد. فإذا نجحت الجهود الدولية والإقليمية في احتواء الأزمة، فقد تستمر المسارات التفاوضية القائمة مع بعض التعديلات في موازين القوى وشروط التفاوض.

أما إذا اتجهت الأطراف نحو تبادل أوسع للردود العسكرية، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، بما ينعكس على الملفات المفتوحة في غزة ولبنان، ويؤثر في شكل الترتيبات السياسية والأمنية التي يجري العمل على صياغتها في الشرق الأوسط.

في المحصلة، لا تبدو الضربة الإيرانية حدثًا عسكريًا معزولًا، بل جزءًا من صراع أوسع يتعلق بإعادة رسم موازين النفوذ والتأثير في المنطقة.

وبين الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأمريكية، تبقى المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، قد تحدد نتائجها شكل التفاعلات الإقليمية ومستقبل التسويات السياسية خلال السنوات المقبلة.

https://anbaaexpress.ma/hlvia

د. منصور أبو كريم

باحث وكاتب فلسطيني في الشؤون السياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى