آراء
أخر الأخبار

نقاش الساعة.. حين يتحول الشعار إلى مهزلة

يوسف مقران

كنت قد اطلعت على مقاطع فيديو لبرنامج النقاش الذي تبثه قناة الجزيرة – لكن اليوم قررت أن أتابعه مباشرة، لأكتشف أن الفارق بين المقاطع المقتطعة والبث الكامل ليس في التفاصيل، بل في حجم الاختلال نفسه.

ما ظهر على الشاشة لم يكن نقاشا متكافئا كما يوحي شعار “الرأي والرأي الآخر”، بل مشهدا أقرب إلى محاكمة جماعية لرأي واحد.

ضيف إيراني واحد – د. حسن أحمديان – في مواجهة سبعة ضيوف آخرين، توزيع كفيل وحده بنسف أي ادعاء بالحياد. لم يكن الأمر مجرد صدفة تحريرية، بل بدا وكأنه تصميم مقصود لإغراق الصوت المخالف وسط ضجيج جماعي، بدل منحه فرصة حقيقية لعرض أطروحته.

ولم يتوقف الخلل عند هذا الحد، بل تضاعف مع أسلوب إدارة النقاش. فكلما شرع الضيف الوحيد في عرض فكرته، انهالت عليه المقاطعات من ثلاثة أو أربعة متدخلين في آن واحد، في مشهد يكاد يخلو من الحد الأدنى لقواعد الحوار.

وحين احتج على ذلك، جاءه الرد بأن “البرنامج برنامج نقاش، والمقاطعة مسموحة”، وكأن المقاطعة تحولت من أداة محدودة إلى فوضى مشروعة، بل إلى وسيلة لإسكات لا لمحاورة.

النقاش، في أبسط تعريفاته، لا يعني أن يُحاصر المتكلم بالصوت العالي، بل أن يُترك ليعرض فكرته، ثم يُناقش. أما ما جرى، فكان أقرب إلى سباق في رفع الصوت، حيث تُكافأ المقاطعة ويُعاقب الهدوء، في مفارقة تعكس خللا عميقا في فهم معنى الحوار نفسه.

وصحيح أنه قد يظهر أحيانا بين الضيوف من يتقاطع جزئيا مع طرح حسن أحمديان، أو يتبنى موقفا نقديا من الولايات المتحدة، غير أن هذا التلاقي يظل ظرفيا وسطحيا.

فبمجرد أن ينتقل النقاش إلى زاوية العلاقة بين إيران والعرب، سرعان ما تتلاشى تلك التقاطعات، ويصطف الجميع تقريبا في موقف واحد تغلب عليه نزعة قومية واضحة، تجعل النقاش أقرب إلى إجماع موجّه منه إلى تعددية حقيقية.

والمفارقة الأبرز أن هذا الاختلال لم ينجح في إخفاء ضعف بعض الأطروحات المقابلة، بل كشفه. فحين يحتاج سبعة إلى المقاطعة الجماعية لمواجهة ضيف واحد، فإن المشكلة لا تكون في عدد الأصوات، بل في هشاشة ما يقال.

ورغم الضجيج، استطاع الأستاذ حسن أحمديان أن يمرر جملا قصيرة، لكنها دقيقة، بينت بوضوح التكرار والاجترار في خطاب ظل يعاد منذ سنوات دون مراجعة حقيقية.

ما حدث في هذه الحلقة لا يمكن اعتباره تجسيدا لشعار “الرأي والرأي الآخر”، بل أقرب إلى نقيضه. فالشعار، حين لا يترجم إلى ممارسات عادلة، يفقد معناه ويتحول إلى مجرد غطاء لغلبة اتجاه واحد. وعندها لا يعود النقاش أداة للفهم، بل وسيلة لإعادة إنتاج موقف جاهز، مهما بدا في ظاهره تعدديا.

https://anbaaexpress.ma/97h6r

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى