آراءسياسة
أخر الأخبار

نفكر.. كأننا ذاهبون إلى الحرب

تستطيع أن تلحظ قسوةً أو إصراراً قاسيا لدى المثلث الناشئ: الإمارات وإسرائيل وإثيوبيا على تطويق الإقليم من أطرافه، أقصد بالإقليم: المشرق العربي أي مصر وليبيا والسودان ووادي النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر والجزيرة العربية والخليج والعراق الشام..

يبدو العالم كله كأنه عائد من حرب، كما يبدو كأنه ذاهب إلى حرب جديدة، انقضى ربع قرن، أشد ما يكون اضطراباً، بدأته أمريكا الجريحة عقب إصابتها في 11 سبتمبر 2001 بإسقاط نظام الحكم في أفغانستان، ثم اختتمته بمحاولة إسقاط نظام الحكم في إيران، وبين التاريخين خمسة وعشرون عاماًن لم تترك أمريكا موضع قدم في العالم، دون أن تحقنه بحقنة الحرب، سافرةً كانت أم مستترةً، ربع قرن من عدوانية أمريكية مريضة لم يسلم منها حتى أقرب حلفائها إليها.

وسوف يظل الحال في العالم كله كذلك، طالما بقيت أمريكا ترغب في البقاء فوق قمة العالم، وطالما بقيت مملوءة بالرغبة في السيطرة على موارد العالم، وطالما استمرت تتحلل من روابط التعاون الدولي، وتؤثِر أن تصول وتجول ذئباً منفرداً، لا يطمئن لغيره ولا يطمئن غيره له.

هذه الأجواء التي اتسم بها الربع الأول من القرن الحادي والعشرين مرشحة للاستمرار مع التصعيد في الربع الثاني منه، فالعالم حتى 2050 لن يعرف غير المزيد من تفكيك النظام الدولي القديم والسقوط في فوضى دولية، تبدأ تحت السيطرة ثم لا تلبث أن تخرج عنها، وتنفلت من كل عقال وتتحرر من كل قيد، وتعيش البشرية واحدة من لحظات العنف المكثف الذي سبق أن جربته مرتان: مرةً في الربع الأول من القرن العشرين، ثم مرة أشد وأعنف في الربع الثاني من القرن ذاته.

في الربع الأول كانت الحرب العالمية الأولى 1914- 1918 والتي لم يكن منها مفر منذ توحدت ألمانيا وتوحدت إيطاليا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ثم ظهرت كل منهما على المسرح الدولي تطالب بنصيبها من كعكة الاستعمار، فكان الصدام قدراً محتوماً، ليس منه مفر، فكانت الحرب الأولى، ثم الحرب الأولى لم تكن كافيةً للقضاء على نوازع الرغبات الاستعمارية الطامحة لدى اليابان وألمانيا وإيطاليا، فكانت الحرب الثانية هي المحتوم الثاني المتمم للمحتوم الأول، وبين الحربين أعيد تشكيل العالم كله ظاهراً وباطناً، وانتهى الاستعمار القديم، وجاء استعمار جديد، كانت أمريكا وما زالت هي عنوانه الأظهر.

كنا في مصر بعضاً من الوقود المباشر لفترة ما بين الحربين في الربع الأول ثم الربع الثاني من القرن العشرين: ففي فترة ما بين الحربين انقطعت إلى الأبد الصلة بالسيادة العثمانية التي استمرت دون انقطاع من 1517- 1914.

وفي فترة ما بين الحربين عرفت مصر أكبر ثورتين، أعادت كل منهما تشكيل المجتمع والدولة على نحو مختلف عما كان قبلها، عرفنا ثورة 1919 بعد الحرب الأولى، ثم عرفنا ثورة 23 يوليو 1952 بعد الحرب الثانية.

ثم نحن اليوم جزء من الوقود المباشر لحربين تجريان أمام أعيننا: حرب أولى جرت فصولُها بالفعل في الخمسة وعشرين عاماً الماضية، حيث أطول حرب خبيثة لإسقاط الأنظمة وتفكيك الدول وتمزيق المجتمعات تخططها وتنفذها أمريكا من إسقاط أفغانستان ثم العراق ثم دول الربيع العربي ثم السودان ثم سوريا، ثم كانت إيران ختام هذه الحرب الأولى أو حرب الربع الأول من القرن الحادي والعشرين.

ثم حرب ثانية تبدو نُذُرُها الكامنة تحت أقدام قوى وليدة في الإقليم- الإمارات وإسرائيل وإثيوبيا– طامحة إلى تحالف جديد وإلى دور قيادي على حساب القوى التقليدية في الشرق الأوسط، بما في ذلك مصر وتركيا وإيران.

تستطيع أن تلحظ قسوةً أو إصراراً قاسيا لدى المثلث الناشئ: الإمارات وإسرائيل وإثيوبيا على تطويق الإقليم من أطرافه، أقصد بالإقليم: المشرق العربي أي مصر وليبيا والسودان ووادي النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر والجزيرة العربية والخليج والعراق الشام.

ذلك في وقت تنشغل فيه دول الإقليم بمصائرها وسلامتها وأمانها من مخاطر التداعي والانزلاق والانهيار، فلا رؤية عربية، ولا رؤية إقليمية، ولا توجد دولة تستطيع قيادة الإقليم في عكس الاتجاه الإماراتي الإسرائيلي الإثيوبي، قد توجد دول عربية وإسلامية تستشعر الخطر، وربما تتداول فيه، وربما تفكر مع بعضها عابراً أو قاصداَ في كيف تتجنب مخاطره، لكن في كل الأحوال لا توجد كتلة عربية ولا إقليمية متبلورة، تستطيع إنقاذ الإقليم من الذهاب قصداً أو عفواً إلى حرب الجميع ضد الجميع، في شرق أوسط سائب سائل مفتوح على كل الاحتمالات المتصورة منها والمجهولة.

هنا يلزم التنبيه إلى عدة حقائق  

1 – الأولى: في فترة ما بين الحربين الأولى والثانية في النصف الأول من القرن العشرين، كانت ظاهرة الدولة المستقلة ذات السيادة تكاد تكون معدومة، كان الاستعمار القديم هو صاحب السيادة الفعلية حتى في حالة دول، كانت أعضاء في الأمم المتحدة مثل مصر وإيران وتركيا.

2 – الثانية: أن عدة دول حصلت على استقلالها بالفعل، ومارسته عدة عقود، لكنها في الربع الأول من القرن الحالي فقدت استقلالها، ليس بغزو أجنبي مباشر فقط، لكن بسوء الإدارة، وسوء الحكم، وسوء السياسة بالدرجة الأولى.

فهذا التخبط الداخلي فتح الثغرات لتسلل التدخل الأجنبي بكافة الأشكال: أموال وسلاح وإعلام من دول خليجية، غزو أجنبي مباشر مثلما في العراق ثم ليبيا، أو غزو خليجي عسكري صريح، مثلما فعلت السعودية والإمارات في اليمن، أو تمويل وتسليح خليجي وتركي وروسي وإيراني مثلما في سوريا، أو تمويل حروب أهلية مثلما الإمارات في السودان.

3 – الثالثة: أن الشرق الأوسط بعد سبعة عقود من قيام دولة الكيان الصهيوني، ثم بعد خمسة عقود من ظهور النفط، ثم بعد ظهور الطموح الخليجي للقيادة الإقليمية، ثم بعد مظاهر القوة التي لا تخفى في تركيا وإيران، بعد ذلك كله يبدو العرب- في مجملهم- أضعف من فيه، وهم من دفعوا- أكثر من غيرهم- فواتير حرب الربع قرن لإسقاط الأنظمة، وهم من سيدفعون فواتير حرب قادمة، تجري نُذُرُها بين أيديهم وتحت أرجلهم، وربما تندلع ذات عشية أو ضُحاها.

https://anbaaexpress.ma/n7vh6

أنور الهواري

صحافي وكاتب مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى