آراءمنوعات
أخر الأخبار

مدينة القامشلي.. التي نشأت فيها

سكان البلدة فأعجب من الاسم والنهر فهم خليط غير متجانس كما وصف (أوسفالد شبنجلر) الفيلسوف والمؤرخ الألماني طبيعة المدن العالمية..

مدينتي التي ولدت فيها وترعرعت مدينة عجيبة في موقعها وتركيبها. هي على حدود ثلاث دول ظهرها لتركيا وخاصرتها للعراق وبطنها باتجاه ما سمي سوريا وكلها من مخلفات الدولة العثمانية حين تم تقسيم المنطقة على نحو اعتباطي ما عرف باتفاقية ضابطين بريطاني وفرنسي (سايكس وبيكو).

عائلتنا موزعة بين الحدود السورية التركية حيث توازي مدينة القامشلي المصطنعة المدينة التاريخية نصيبين. زرت المدينة نصيبين والتقيت ببعض من أهالينا هناك.

وأعجبها ما كان يسمى (جوروشما) أي المكالمة، وهي أن يصطف الأهالي في كل طرف من الحدود وبينهم الأسلاك والألغام فيخاطب الناس بعضهم بعضا، وقد يرمي بعضهم لبعض طرفا من الهدايا، وكانت هذه المناسبة تحصل يوم العيد، وهي ما تذكرني بكوريا الشمالية والجنوبية، كذلك كان الحال بين سوريا وتركيا يومها.

ومع كتابة هذه الأسطر حصلت تبدلات كثيرة، منها اندلاع الثورة السورية عام 2011 م وهرب الملايين الى تركيا، وبقي الأمر يتأرجح حتى سقط النظام البعثي الدموي الطائفي مع 8 ديسمبر من عام 2024م. فهذا ما كان من حديث الجغرافيا ممزوجا بشيء من التاريخ، وهو حديث سنعود عليه لاحقا.

المدينة يمر فيها نهر (جغجغ) ولا أعرف معناه قد يكون أصل الكلمة تركي؟ ولا تسألني لماذا تحمل المدينة هذا الاسم أو النهر؟ يقولون القاميش هو القصب الذي ينشأ حذاء النهر. أنا لم أرى قصبا والنهر جف وأصبح مرمى النفايات.

على كل هي منطقة الجزيرة حيث يتدفق من تركيا نهري الفرات ودجلة، أما الفرات فيمر طويلا في سوريا خلاف دجلة التي يعبرها في حدود خمسين كم، وهكذا فمنطقة الجزيرة كما ترون منطقة خصبة زراعية، وقد قامت تركيا ببناء سد أتاتورك مما أثر على تدفق الأنهار ومثله فعلت سوريا في بناء سد الطبقة ولي معه قصة عجيبة حين أردت العمل فيه بعد تخرجي من كلية الطب وأنا أبحث عن عمل وهي قصة تراجيدية كوميدية تحتاج عرضا خاصا سيأتي مع تدفق الذكريات.

أما سكان البلدة فأعجب من الاسم والنهر فهم خليط غير متجانس كما وصف (أوسفالد شبنجلر) الفيلسوف والمؤرخ الألماني طبيعة المدن العالمية. ونحن صنف ممن سكن البلدة ونزح أهلونا على ما يبدو من مدينة (ماردين) التاريخية على رواية جدتي (ماما ريا) والسؤال ماهو الدافع عن نقلة العائلة. يبقى مثل الأسرار الحربية خلفها غالبا النزاعات العائلية على الثروة والأراضي؟

معلوماتي عن أمي أن أصولها من مدينة سامسون على البحر الأسود. أما ما الذي جاء بها لتتزوج والدي في القامشلي فهذا يحتاج إلى بحث انثروبولوجي؟ لكنها عموما أقدار لا نحيط بها علما.

المهم أن أمي تزوجت من والدي على رواية أنه لما رآها افتتن بها وبقي يطلب يدها من والدها الثري شيخموس وصفي الذي كان موظفا مرموقا في الدائرة المالية. ومن هذا الزواج انبثقت تسعة أرواح كنت أنا الثاني بين التسعة الذين توزعوا بين ستة ذكور وثلاث إناث.

أما مصير التسعة فتوزعوا في ثلاث قارات بين آسيا وأوربا وكندا وأمريكا. حاليا أخي رياض في السويد وعنده من الأبناء ما يزيد عن عشرة وأخي محمد في المانيا، واخت في العراق وثانية في الأردن وثالثة في أمريكا، ورسى مصيري في كندا ولم يبق في المدينة التي ولد فيه أفراد العائلة إلا شخص واحد هو أحمد أما البقية فتناثروا في القارات الثلاث.

المدينة حوت ربما ثمانية أديان وفرق مسيحية ومسلمة وأخرى. جيراننا مواجهة كانوا سريان وهم مسيحيون ارثوذكس، وجيراننا عن الشمائل كاثوليك، وفي الحارة التي نشأت فيها عائلة علوية ممن يقدسون عليا الى درجة التأليه، وقريب منا عائلة أرمنية لي فيها صديقان جيجي وهابو ربما الأسماء جورج وهابويان حيث تنتهي الاسماء الأرمنية في الغالب بلفظة (يان) مثل يعقوبيان.

صديقي العلوي كان اسمه جودت علي، وصديقي الحميم في المدرسة كان درزيا اسمه رافع أبو الحسن كان والده محاميا يسكنون بيتا من الاسمنت، حيث كانت معظم بيوتنا من التراب بسماكة جدران تصل إلى نصف متر، وكان عازلة جيدة مقابل دور الاسمنت التي كانت ربما أنظف وأكثر أناقة وصلابة خلاف بيوتنا الترابية التي كانت تحتاج عناية دائمة خاصة في الشتاء حيث كانت السقوف مع المطر تبكي (يسمونها تاكف أي ينقط منها الماء) مما اخترعوا طريقة خاصة لعصر السقوف من فوق باسطوانة من الحجر فيها ثقب ومن داخلها المجوف الاسطواني يجرها حبل تمسد فيه السقوف من فوق حين يقف المطر كان اسمها (مندرونة).

اصدقائي في الحارة بين سرياني وأرمني وكاثوليك وعلوي ودرزي كنا نلعب ولم يكن يخطر في بالنا قط أن هذا يقدس عليا أو الحاكم بأمر الله الفاطمي أو أن يسوع هو الله خالق السموات السبع ورب العرش العظيم.

وهكذا كانت مدينة القامشلي تضم ربما ثمانية أديان والعديد من الأعراق مثل الداغستان والشيشان (قبائل مسلمة في جنوب روسيا بين بحر قزوين والأسود) والآشوريين والسريان والكلدان (فرق مسيحية) وعشائر عربية مثل طيء وشمر (خالي يونس كان من عشيرة طيء) والأكراد وكان صديقي من الأكراد محمد عزيز وتوفيق ملا بركات والأخير انهى حياته قتلا في سجن تدمر على ما بلغني.

فضلا عن خليط غير متجانس ممن جاء بحثا عن الرزق والعمل حيث تعتبر الجزيرة (بين نهري الفرات ودجلة) منطقة زراعية تنتج القمح والقطن مع آبار للنفط. عائلتي التي نشأت فيها فريق من الأخلاط الموجودة نسمى ماردليين نسبة إلى مدينة ماردين التركية في أقصى الجنوب الشرقي من تركيا الحالية كما ذكرت التي هي بقية الدولة العثمانية التي حكمت المنطقة (625 سنة) ستة قرون (بين 1099 ـ 1924). ولنا لهجتنا الخاصة بنا هي لكنة عربية فيها كلمات عربية وبعضا من الكلمات التركية (قوجان ـ كزلك ـ جاكونة دوشك قريولة = ملكية نظارة عكازة فرشة سرير نوم).

والان ماذا بقي في الذاكرة من تلك المدينة؟ عاصرت فيها تمديد المياه المركزية والضوء حيث كان الليل يضاء بقناديل خاصة، وكان والدي عطار له محل في مركز المدينة يربح بشكل جيد مما وفر لنا السكن الجيد والطعام والكسوة والدراسة.

هكذا نشأت في عائلة متوسطة في كل شيء. وكانت عائلتنا فرعين والدي من جهة وأولاد عمومته زكي ومحسن وفهمي. الأول الفهيم الغني مع عائلة ميسورة جدا وكذلك بقية أخوته مع علاقات عائلية معتدلة.

https://anbaaexpress.ma/zsdl3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى