يُعرض في دور السينما في بريطانيا وحول العالم حاليًا فيلم “مايكل” (Michael).
يروي الفيلم حياة ملك البوب مايكل جاكسون، منذ الأيام الأولى لفرقة جاكسون فايف مع إخوته الأربعة حين بدأت موهبته تبرز، وكان أصغرهم، إلى ظهوره كنجم منفرد مشهور ومحبوب عالميًا، وصولًا إلى الحفلة الضخمة في ملعب ويمبلي بلندن عندما كان يبلغ من العمر 30 عامًا.
يحقق الفيلم إيرادات ضخمة منذ بدء عرضه، ليصبح ثاني أعلى فيلم سيرة ذاتية إيرادًا في التاريخ رغم موجة الانتقادات الحادة التي تطاله.
إذ نجح الفيلم، الذي أخرجه أنطوان فوكوا، في حصد 200 مليون دولار عالميًا حتى الآن، ليصبح أعلى فيلم سيرة ذاتية تحقيقًا للإيرادات في أولى عروضه في تاريخ السينما.
المنتج الرئيسي للفيلم هو غراهام كينغ، الذي كان وراء سير أفلام ذاتية موسيقية أخرى، لا سيما “بوهيما رابسودي” الذي تناول سيرة المغني البريطاني من أصل زنجبار، فريدي ميركوري، وصدر عام 2018.
وتراهن الشركة المنتجة للفيلم على استمرار تصاعد الإيرادات، خاصة في ظل الميزانية الإنتاجية المرتفعة التي تراوحت بين 155 و170 مليون دولار.
وكان جاكسون معروفًا بسلسلة من الأغنيات العالمية الناجحة مثل “بيلي جين” و”سموث كريمنال” و”بلاك أور وايت”، فيما يُعد ألبوم “ثريلر” الصادر عام 1982 الأعلى مبيعًا في التاريخ.
يؤدي جعفر جاكسون، نجل أخ مايكل جيرمين جاكسون، دور مايكل نفسه، متجاوزًا جوليانو فالدّي في صورة الشخصية بعمر عشر سنوات في المشهد الافتتاحي للفيلم.
ويؤدي جعفر أسلوب مايكل في الرقص والغناء على المسرح بإتقان بالغ. كما نجح الممثل الشاب إلى حد كبير في نقل شخصية مايكل جاكسون، ليس فقط على مستوى الشكل، ولكن بكل ما يحمله بداخله من مشاعر وصراعات، ليُثبت موهبته أمام العالم.
يدهش الفيلم المشاهد بالمقطوعات الموسيقية الرائعة نفسها وأداء مايكل المتميز والإيقاع السريع. فعلى الرغم من أن مدة الفيلم اقتربت من ساعتين، إلا أن المشاهد لا يشعر خلالها بأي ملل أو إطالة، وربما يعود السبب في ذلك إلى حجم الأغاني الكبير في الفيلم.
وربما أراد فريق العمل أن يعرف الجمهور الجديد من هو مايكل جاكسون، إذا كان هناك من لم يسمع عنه على الأقل.
لكن ماذا عن مايكل خارج المسرح وبعيدًا عن الكاميرا؟
يبقى أبرز ما جاء في أحداث الفيلم هو عرض حياة وشخصية مايكل جاكسون ذاته، بدءًا بعلاقته المتوترة مع والده، الذي صوره صُنّاع الفيلم بأنه مستغل لنجله، وصولًا إلى إبراز حب مايكل جاكسون للحيوانات التي تعوضه عن غياب الأصدقاء، وأيضًا حبه لعالم الأطفال من رسوم متحركة وألعاب، وصولًا إلى زيارة المرضى من الأطفال في المستشفيات ودعمهم. وقد يكون هذا هو بالضبط ما كان عليه مايكل جاكسون حقًا.
يظهر مايكل مبتسمًا ابتسامة لا حدود لها، وبصوت أشبه بصوت الأطفال، يتفقد حيواناته المختلفة التي تثير دهشة واستغراب كل من يتعامل معه. وفي المساء ينكب على قراءة كتاب مصور للأطفال عن بيتر بان، مستخدمًا مصباحًا حتى لا يتفطن له أبوه.
أحيانًا يبدو مايكل عابسًا بقبول حزين لقسوة والده الذي يعنفه مستخدمًا الحزام. ويجسد جو كولمان دومينغ – الممثل الوحيد المسموح له بالتعبير الكامل عن شخصية الأب – دور القائد الظالم المستغل لموهبة أبنائه بوحشية وقسوة، ويستنزفهم حتى آخر سنت.
لكن الفيلم عجز عن التساؤل وفحص أساليب مايكل الخجولة، والغوص في المصدر المحتمل للجانب المظلم في شخصيته.
بعض أفراد عائلة جاكسون، إلى جانب أشد معجبيه وفاءً، كانوا يأملون أن ينقذ هذا الفيلم صورة ملك البوب، لكن هذا لم يقنع النقاد. فهو في نظرهم عبارة عن سيرة مثالية مبالغ فيها عن حياة أسطورة الموسيقى المثيرة للجدل، وبالتالي يعتبرونه سيئًا للغاية.
وهناك من يذهب إلى حد القول إن سيرة أنطوان فوكوا الجزئية عن مايكل جاكسون تقدم لك الشمبانزي واللاما والزرافة والثعبان الضخم، لكنها لا تشير من قريب أو بعيد إلى ما يسمى بالإنجليزية “The Elephant in the room”، بمعنى أهم وأكبر موضوع في القصة كلها، ألا وهي قضية الاتهامات الموجهة إلى مايكل بالتحرش بالأطفال.
فالفيلم، من وجهة نظرهم، بمثابة ملخص دعائي يجمع كل الكليشيهات التي يمكن أن تخطر ببال أحد في أفلام الموسيقى: دهشة المنتجين في الاستوديو، الجولة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، لوحات الإعلانات، الاجتماعات مع المسؤولين التنفيذيين، والأسلوب الفريد والمبتكر في الرقص.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن هذه صورة محبطة وضيقة، ونوع من الترفيه السطحي، ويتساءلون عن الجزء من حياة جاكسون الذي كان فيه سلوكه يزيد الناس حيرة، وهو يلوح بطفل من شرفة فندق، فضلًا عن مزاعم الاعتداء الجنسي.
كان من المقرر أصلاً أن يصدر الفيلم عام 2025، لكن تم تأجيله عندما عثر المحامون على بند في تسوية مع جوردان تشاندلر، الذي اتهم جاكسون بالاعتداء عليه جنسيًا عام 1993. وعند اكتشاف هذا البند، تمت إعادة كتابة ونقل نهاية الفيلم الأصلية، التي كانت تركز على تلك الادعاءات، وهي عملية كلفت ما بين 10 إلى 15 مليون دولار.
ويرون أيضًا أن هناك مشكلة في السرد الزمني، فالفيلم يتوقف عند منتصف الثمانينيات، أي قبل توجيه تلك الاتهامات إلى جاكسون، ليزيل كل ما قد يُعتبر مثيرًا للجدل، كما يزيل كل ما قد يُعتبر دراميًا أيضًا.
إلا أن إبراز فكرة اهتمامه بعالم الأطفال يضعنا أمام تساؤل: هل كان فريق عمل الفيلم يريد أن يوضح أن مايكل جاكسون كان متعلقًا بذلك العالم نظرًا لطفولته التي سُلبت منه حين كان والده يدفعه نحو النجاح منذ الصغر، أم لأسباب أخرى غير واضحة؟
ومع ذلك، فإن شخصية جاكسون هي شخصية متعددة الجوانب مقارنة بالشخصيات المساندة. فمايلز تيلر يرتدي ابتسامة دائمة كمحامٍ داعم بشدة، وكذلك سائقه الشخصي، كما أن إخوة جاكسون غير ملحوظين بشكل غريب، رغم أن بعضهم شاركوا في إنتاج الفيلم. أما شقيقته جانيت فلم تُذكر في الفيلم لا من قريب ولا من بعيد.
قد تكون رسالة الفيلم أيضًا أن الفن يولد من رحم المعاناة، لكن النقاد يرون أن المفارقة في صناعة فيلم عن حياة ملك البوب ليست الرغبة في فهم جاكسون كشخص أو كفنان، أو التعامل مع إرثه كأحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في القرن العشرين، بل لضمان أن يرى المعجبون ما يتوقعون رؤيته، سواء من خلال فيديو “Thriller” أو أداء “Bad” مباشرة في ستاد ويمبلي عام 1988، حين كان المعجبون يذرفون الدموع ويحاولون الوصول إليه، فيما كانت المعجبات يُغشى عليهن.
بشكل عام، يبقى فيلم “مايكل” محاولة لتناول وعرض سيرة واحد من أهم الفنانين في التاريخ، فنان ظلت الشائعات والأقوال تحيط به طوال مسيرته الفنية وحتى بعد رحيله. لكن المؤكد أنها لن تكون المحاولة الوحيدة لتقديم سيرة مايكل جاكسون في إطار سينمائي، إذ يبدو أن فريق العمل وعد الجمهور باحتمال تقديم جزء آخر، من خلال جملة مربكة في نهاية الفيلم: “وتستمر القصة”.
فهل هذا يعني أنه سيكون هناك “مايكل 2” أكثر عمقًا وقتامة؟ ربما.
وإذا تحقق ذلك، سيتعين على المنتجين إيجاد أسلوب مختلف تمامًا، رغم أن هناك من يعتقد أن من الأفضل التوقف هنا وتجنب الجدل.




