آراءدولي
أخر الأخبار

قناة “كورنث” في اليونان: ذلك الشقّ العملاق المفتوح في الصخر الذي يصل بين بحرين

من كورنث باليونان

بين اليونان القارية وشبه جزيرة البيلوبونيز ينفتح شقّ صخري طويل يصل بين بحرين: خليج كورنث.

هناك، في تلك الجغرافيا المشبعة بالأساطير والرياح وذاكرة الحضارة الهيلينية، يدرك المسافر سريعاً أنه لا يتأمل مجرد منظر طبيعي.

إنه يتأمل فكرة.

فكرة وُلدت من عبقرية الإنسان حين يرفض الحدود التي تفرضها الطبيعة.

على ضفة تمتد أراضي الفكر اليوناني، حيث وُلدت أثينا، وارتفعت منابر الفلاسفة، وكتبت التراجيديات القديمة، وظهرت تلك المعجزة السياسية التي اسمها الديمقراطية.

وعلى الضفة الأخرى تنتصب جبال البيلوبونيز القاسية، عالم الحجر والزيتون والتين الشوكي، حيث ما تزال ظلال المحاربين الإسبرطيين، والأباطرة البيزنطيين، وأبطال هوميروس، تحوم فوق التلال والبحار.

وبين هذين العالمين لا يبدو الخليج فاصلاً بين أرضين، بل حواراً صامتاً بين القوة والحكمة، بين الحرب والفكر، بين الإنسان الذي يفتح البلاد والإنسان الذي يتأمل معنى الوجود.

ثم تظهر فجأة واحدة من أكثر المشاهد إدهاشاً في البحر الأبيض المتوسط: “قناة كورنث”.

إنها فجوة هائلة محفورة في قلب الصخور، كأن إحدى آلهة الإغريق القديمة شقّت الجبل بضربة أسطورية.

الجروف العمودية تهوي نحو مياه فيروزية صافية، فيما تبدو السفن الصغيرة وهي تعبر القناة ببطء كأنها نقاط ضائعة أمام عظمة الطبيعة وهيبة الحجر.

ومن فوق الجسور المعلقة يتأرجح شعور الزائر بين الدهشة والدوار.

هنا تبدو الطبيعة وكأنها تتحاور مع عناد الإنسان وإصراره.

فقبل زمن الحفارات الحديثة بقرون طويلة، أدرك اليونانيون القدماء أن هذا البرزخ يتحكم في جزء مهم من المصير البحري للعالم القديم.

كان الالتفاف حول جنوب البيلوبونيز يعني مواجهة بحار متقلبة، ورياح عاتية، وسواحل طالما أرعبت البحّارة.

ومن هنا وُلدت فكرة مذهلة: “الديولكوس”.

ذلك الطريق الحجري الغريب الذي كانت تُسحب فوقه السفن من بحر إلى آخر بواسطة الرجال والحيوانات.

وقبل العصر الصناعي بقرون بعيدة، تخيل الإغريق شكلاً بدائياً لممر بحري بري، في انتصار مبكر للذكاء التقني على القيود الجغرافية.

وفي صخب العجلات، وصرخات العمال، وعرق الأجساد المنهكة، كانت الحضارة اليونانية تعلن اقتناعها العميق: لا يصبح الإنسان عظيماً إلا حين يجرؤ على تغيير الواقع.

وعلى مدى قرون طويلة، حلم الملوك والمهندسون والغزاة بتحقيق ما هو أكبر: فتح ممر بحري حقيقي يصل بين البحر الأيوني وبحر إيجه.

كان البحر الأيوني يفتح اليونان على الغرب، على إيطاليا، وعلى الطرق التجارية الكبرى للمتوسط.

أما بحر إيجه، المليء بالجزر الأسطورية، فكان يقود نحو الشرق وآسيا الصغرى والقسطنطينية.

وكان ربط هذين العالمين يعني في الحقيقة ربط حضارتين.

لكن أحلام البشر كانت دائماً أكبر من الإمكانات التقنية لعصورهم.

واليونان تعلّم العالم منذ القدم درساً فلسفياً عميقاً: يمكن للإنسان أن يصارع العناصر، وأن يزيح الجبال، وأن يعبر البحار، لكنه يظل رغم ذلك أسيراً للزمن الذي يعيش فيه.

ولم يتحقق الحلم القديم إلا في نهاية القرن التاسع عشر.

ففي سنة 1893، وبعد أشغال جبارة، تم افتتاح قناة كورنث وسط انبهار أوروبا التي رأت في المشروع انتصاراً باهراً للهندسة الحديثة.

ومنذ ذلك الحين لم تعد القناة مجرد منشأة بحرية، بل أصبحت رمزاً للحوار الأبدي بين الحجر والعقل، بين الطبيعة وإرادة الإنسان.

وإلى اليوم، يقف الزوار القادمون من مختلف أنحاء العالم فوق القناة وهم يشعرون بأنهم يتأملون الماضي والمستقبل في آن واحد.

بعضهم يكتفي بالإنصات إلى صمت المياه، وآخرون يتخيلون السفن الإغريقية القديمة، والتجار، والفلاسفة الرحالة، والإمبراطوريات التي عبرت هذه المنطقة ثم اختفت في غبار التاريخ.

غير بعيد من هناك ترقد أطلال كورنث القديمة، بينما ما تزال دلفي تحرس الجبال المقدسة التي كان الإغريق يقصدونها ليستشيروا الآلهة في مصير العالم.

ففي اليونان، لا ينام التاريخ تماماً أبداً.

إنه ما يزال يمشي في الموانئ، وفي الحجارة القديمة، وفي حقول الزيتون المحروقة بالشمس، وحتى في أنفاس الأمواج.

وكأن مياه خليج كورنث تردد بلا انقطاع تلك الحقيقة المتوسطية الخالدة: إن أعظم الحضارات ليست تلك التي تسيطر على البحار، بل تلك التي تعرف كيف تمنح الرحلة الإنسانية معنى.

قناة كورنث أو قناة قورنثوس
https://anbaaexpress.ma/9qrh4

الدكتور أنور الشرقاوي

خبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي وفاعل جمعوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى