من مدينة سبيتسيس Spetses اليونانية
تبدو سبيتسيس Spetses اليوم مدينة سياحية يونانية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها أربعة آلاف نسمة، تبعد بحراً ساعتين ونصف فقط عن أثينا عاصمة البونان، لكنها تستقبل خلال فصل الصيف آلاف الزوار القادمين بحثاً عن دفء البحر وهدوء الجزر الإغريقية.
غير أنّ هذه الجزيرة لم تكن، قبل أقل من ربع قرن، سوى قرية بحرية متواضعة تستند بهدوء إلى التلال، وتنظر إلى بحر إيجة بصبر الصيادين القدامى، وبذلك التواضع العتيق الذي تعرفه القرى المتوسطية حين تعيش على إيقاع الفصول لا على صخب المدن.
كانت القوارب الخشبية تنام بسلام داخل الميناء الصغير.
وكانت الأزقة الضيقة تفوح برائحة الصنوبر الساخن تحت شمس الصيف.
أما البيوت البيضاء البسيطة، فكانت تعيش على وقع الحكايات البحرية وأخبار البحارة القدامى الذين يروون بطولات حرب الاستقلال اليونانية كما لو أنها حدثت بالأمس فقط.
ثم مرت السنوات.
واقتربت أثينا أكثر.
واختصرت “العبارات” السريعة المسافات بين العاصمة والجزر.
وبدأ سكان المدينة اليونانية الكبرى، المتعبون من الإسمنت والضجيج وسرعة الحياة الحديثة، يبحثون عن ملاذ هادئ عند البحر.
وهكذا بدأت سبيتسيس تتحول ببطء، كما تتحول الأسطورة الصغيرة إلى حكاية كبيرة.
في سنوات قليلة فقط، أصبحت هذه القرية المطلة على البحر والجبل واحدة من أكثر الوجهات أناقة في خليج أرغوليك.
رُممت بيوت القباطنة القديمة بعناية ورقي.
وامتلأت مقاهي الميناء بالسياح القادمين من أثينا.
وحلت اليخوت محل جزء من قوارب الصيد القديمة.
وصار عدد السكان يتضاعف كل صيف تحت تأثير الحركة السياحية المتزايدة.
لكن أكثر ما يجعل قصة سبيتسيس مدهشة، هو الطريقة الذكية التي استطاعت بها هذه القرية المتوسطية الصغيرة أن تحول إمكانياتها الجغرافية البسيطة إلى ثروة سياحية حقيقية.
فجبالها المفتوحة على البحر، وميناؤها الطبيعي الصغير، وأزقتها الضيقة، وغياب السيارات تقريباً، وجمال بيوتها التقليدية الهادئ.. كلها تحولت إلى كنوز يبحث عنها الزوار الهاربون من المنتجعات الإسمنتية الضخمة ومن صخب السياحة الجماعية.
وفي الوقت الذي ضحت فيه مناطق كثيرة بروحها من أجل السياحة، فهمت سبيتسيس أن أصالتها هي بالضبط أعظم ثروتها الاقتصادية والثقافية.
فهنا.. تكاد السيارات تختفي.
وفي سبيتسيس أصبح الهدوء نفسه نوعاً من الرفاهية.
فالمدينة السياحية الصغيرة لا تضم رسمياً سوى سبع سيارات أجرة فقط، تنقل الزوار بين الميناء ومرتفعات الجزيرة.
سبع سيارات لا غير.
وكأن الجزيرة قررت أن تقاوم الضجيج الميكانيكي الذي اجتاح كثيراً من المنتجعات المتوسطية الحديثة.
تصعد سيارات الأجرة ببطء عبر الطرق المتعرجة نحو الفيلات المعلقة فوق التلال، حاملة معها المسافرين والحقائب وحكايات العطل الصيفية.
وللتنقل داخل الجزيرة، يفضل الزوار استئجار دراجات نارية أو مركبات رباعية الدفع صغيرة أو عربات كهربائية شبيهة بعربات ملاعب الغولف، بأسعار تتراوح غالباً بين ثلاثين وأربعين وستين يورو لأربع وعشرين ساعة بحسب الموسم ونوع المركبة.
وفي أزقة سبيتسيس، يسير السياح ببطء تحت أزهار الجهنمية، ويصادفون عربات تجرها الخيول، ويتوقفون أمام حانات الميناء، أو يتأملون المياه الزرقاء التي تنعكس عليها الواجهات الكلاسيكية القديمة.
وبين هؤلاء الزوار، بدأت تظهر أيضاً بعض العائلات المغربية القادمة لاكتشاف هذا الوجه الآخر للمتوسط.
فالمسافر المغربي، رغم قلته، والمعتاد على المدن العتيقة والأحياء القديمة التي لا يزال التاريخ يتحدث فيها مع الحاضر، يكتشف هنا شكلاً آخر من الرفاهية..
ليس رفاهية الأبراج العالية والمراكز التجارية الضخمة،
بل رفاهية الصمت، والبحر، والزمن الذي يمشي ببطء.
في سبيتسيس لم تمحُ الحداثة روح الجزر اليونانية. فقط ألبستها ثوباً متوسطياً أنيقاً.




