أكد تقرير حديث صادر عن مركز ستيمسون الأمريكي أن المغرب دخل مرحلة جديدة من التموقع الاستراتيجي، مكرسًا مكانته كحلقة وصل محورية بين أوروبا وإفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، في ظل تحولات اقتصادية ودبلوماسية متسارعة.
وأوضح التقرير أن المملكة استطاعت خلال السنوات الأخيرة إعادة تشكيل دورها الإقليمي والدولي، مستفيدة من سياسات صناعية متقدمة، وانفتاح تجاري متزايد، إلى جانب دبلوماسية مرنة تقوم على موازنة المصالح والشراكات.
اقتصاد في طور التحول نحو القيمة المضافة
يشير التقرير إلى أن المغرب حقق قفزة نوعية في اندماجه ضمن سلاسل التوريد العالمية، خاصة في قطاعات السيارات والصناعات المرتبطة بالمعادن الحيوية، إضافة إلى الطاقات المتجددة. هذا التحول يعكس انتقال الاقتصاد المغربي من نموذج منخفض التكلفة إلى نموذج صناعي أكثر تطورًا وتنافسية.
كما ساهمت الإصلاحات الرقمية والاجتماعية، وفق المصدر ذاته، في تعزيز أسس نمو مستدام، مع التركيز على رفع الإنتاجية وتحسين بيئة الاستثمار.
من إدارة الهجرة إلى فاعل إقليمي مؤثر
في ملف الهجرة، سجل التقرير تحولًا لافتًا في دور المغرب، إذ لم يعد مجرد نقطة عبور أو حاجز جغرافي، بل أصبح شريكًا إقليميًا فاعلًا في إدارة هذا الملف، عبر مقاربة استباقية تجمع بين البعد الأمني والتنموي.
ويرى معدّو التقرير أن هذا التحول يعكس قدرة الرباط على توظيف موقعها الجغرافي لتعزيز التعاون متعدد الأبعاد، سواء في مجالات الأمن أو التجارة أو الاستثمار.
دبلوماسية “المعاملاتية الاستراتيجية”
أبرز التقرير اعتماد المغرب على ما وصفه بـ”المعاملاتية الاستراتيجية”، أي سياسة خارجية تقوم على تحقيق توازن دقيق بين المصالح، من خلال تبادل الدعم السياسي والاقتصادي مع الشركاء مقابل التعاون في ملفات ذات أولوية مشتركة.
وقد ساهم هذا النهج في تعزيز حضور المغرب على الساحة الدولية، خاصة بعد التحولات المرتبطة باتفاقيات إبراهيم والتطورات الأخيرة في ملف الصحراء داخل مجلس الأمن.
ثلاث ديناميكيات تحكم المسار المغربي
حدد التقرير ثلاث ركائز أساسية توجه مسار المغرب الحالي:
التحول الاقتصادي: عبر تطوير قطاعات تصديرية متقدمة وجذب الاستثمارات الدولية، خصوصًا في ظل توجه عالمي لتقليص الاعتماد على سلاسل التوريد الآسيوية.
التوطيد الاجتماعي: من خلال إصلاحات كبرى في مجال الحماية الاجتماعية، أبرزها تعميم التغطية الصحية والدعم المباشر للأسر، رغم التحديات المرتبطة بتمويل هذه البرامج.
إعادة التموضع الدبلوماسي: عبر تنويع الشراكات الدولية وتعزيز الحضور في القضايا الإقليمية والدولية.
تحديات هيكلية لا تزال قائمة
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، حذر التقرير من جملة تحديات تواجه المملكة، من بينها ندرة الموارد المائية، وارتفاع معدلات بطالة الشباب، واتساع الاقتصاد غير المهيكل، إضافة إلى استمرار التعقيدات الجيوسياسية المرتبطة بقضية الصحراء.
بين الطموح والإكراهات
يعكس تقييم مركز ستيمسون صورة دولة في طور التحول، تسعى إلى تثبيت موقعها كقوة إقليمية متوسطة ذات تأثير متزايد. غير أن هذا المسار يظل مشروطًا بقدرة المغرب على تحقيق توازن دقيق بين النمو الاقتصادي والإدماج الاجتماعي، وبين الطموح الدبلوماسي والتحديات الداخلية.
كما أن الرهان الحقيقي، وفق القراءة التحليلية للتقرير، لا يكمن فقط في الحفاظ على وتيرة الإصلاحات، بل في ترجمتها إلى نتائج ملموسة على مستوى التشغيل وتقليص الفوارق الاجتماعية.
آفاق 2035: اختبار الاستدامة
في ختام تقريره، شدد مركز ستيمسون على أن نجاح المغرب في تحقيق أهداف “رؤية 2035” سيعتمد على مدى قدرته على مواجهة التحديات المناخية، وتحفيز الاقتصاد لخلق فرص عمل كافية، وضمان توزيع أكثر عدالة لثمار النمو.
وبين موقع جغرافي استثنائي وإرادة إصلاحية متواصلة، يقف المغرب أمام فرصة تاريخية لترسيخ مكانته كفاعل رئيسي في المنطقة، شرط تحويل هذا الزخم إلى تنمية شاملة ومستدامة على المدى البعيد.




