في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يتجدد النقاش حول طبيعة التهديدات الإقليمية وترتيب أولوياتها، ويطرح سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره لكنه بالغ التعقيد في جوهره: من يهدد استقرار المنطقة أكثر، إيران أم إسرائيل؟ غير أن هذا السؤال، رغم حضوره الإعلامي والسياسي، يعكس إشكالية أعمق تتعلق بكيفية فهم الصراعات في الشرق الأوسط بعيدًا عن الاختزال والتبسيط.
فإيران، من حيث الجغرافيا والتاريخ، تعد جزءًا من البنية الإقليمية للمنطقة، غير أن حضورها السياسي ارتبط بمشروع نفوذ متوسع يعتمد على أدوات سياسية وأمنية وأيديولوجية في عدد من الساحات العربية.
وقد أسهم هذا التمدد في خلق حالة من التوتر مع بعض الدول العربية، في ظل تباين المصالح واشتباك الملفات الإقليمية.
في المقابل، تمثل إسرائيل حالة مختلفة من حيث النشأة والدور، إذ يرتبط وجودها بسياق صراع تاريخي ممتد، يتداخل فيه البعد الإقليمي مع الدعم الدولي، خاصة من جانب الولايات المتحدة، ما يجعلها فاعلًا مركزيًا في معادلات الأمن الإقليمي.
لكن اختزال المشهد في ثنائية “إيران أو إسرائيل” لا يعكس حقيقة الواقع المعقد. فالمنطقة لا تواجه تهديدًا واحدًا، بل شبكة متداخلة من الأزمات تشمل صراعات النفوذ، والانقسامات الداخلية، وضعف البنى المؤسسية في عدد من الدول، إضافة إلى التدخلات الإقليمية والدولية، ومن هنا، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في تحديد “من الأخطر”، بل في غياب رؤية عربية موحدة قادرة على إدارة هذه التحديات بوعي استراتيجي متكامل.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مهم: هل تتحرك الدول في المنطقة، بما فيها إيران، خارج منطق المصالح؟ أم أن سلوكها يندرج ضمن قواعد النظام الدولي الذي يحكمه السعي نحو النفوذ وتعظيم الدور؟ فالقوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تتحرك بدورها وفق اعتبارات استراتيجية مرتبطة بالمصالح أولًا.
كما أن بعض الدول العربية اختارت في مراحل مختلفة مسار الاحتواء بدل المواجهة، إدراكًا لتعقيد التوازنات الإقليمية، وفي المقابل، تشير التجارب الدولية إلى أن الاقتصاد وتكامل المصالح قد يشكلان أداة أكثر فاعلية في تخفيف حدة الصراعات من منطق المواجهة المباشرة.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن لإيران دورًا في دعم قوى المقاومة في مواجهة إسرائيل، وهو ما يراه البعض امتدادًا للصراع مع الاحتلال، بينما يراه آخرون جزءًا من سياسة توسيع النفوذ الإقليمي. وهنا تتباين القراءات تبعًا للزاوية السياسية والتجربة التاريخية لكل طرف.
لكن يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للدول العربية التعامل مع هذه التحديات في ظل حالة الانقسام والتباين في المواقف؟ فغياب التنسيق المشترك يضعف القدرة على صياغة موقف موحد، ويجعل الاستجابات الإقليمية أقرب إلى ردود فعل متفرقة بدل أن تكون استراتيجية جامعة.
وفي الوقت نفسه، يظل الجدل قائمًا حول حدود الاعتماد على القوى الدولية في إدارة توازنات المنطقة، خاصة في ظل علاقات واشنطن الوثيقة مع إسرائيل، وما يرافق ذلك من تساؤلات حول ازدواجية المعايير وتباين الأولويات.
في الختام، ومع تراكم التجارب عبر مسيرة الصراع الطويل مع إسرائيل، وما أفرزته من تحولات سياسية وأمنية متتالية، تتضح ملامح مشروعها في المنطقة بصورة أكثر وضوحًا، ما يفرض قراءة أكثر اتزانًا للمشهد بعيدًا عن الانفعال أو الاصطفاف.
وفي المقابل، فإن التعامل مع هذا الواقع لا يمكن أن يقوم على منطق تحديد “الخطر الأكبر” بمعزل عن السياق الأشمل، بل على فهم شامل لطبيعة التحولات الجارية، وإدراك أن المنطقة تتحرك داخل شبكة معقدة من التفاعلات.
وعليه، يبقى التحدي الحقيقي أمام الدول العربية هو الانتقال من ردود الفعل إلى الفعل الاستراتيجي، عبر بناء رؤية موحدة قادرة على إدارة التوازنات الإقليمية بواقعية، وصون المصالح في بيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد.



