لم يكن ما جرى يوم الثلاثاء 05 ماي بالرباط مجرد حفل توزيع جوائز، بل كان إعلاناً رسمياً بأن إقليم الرحامنة دخل عصراً جديداً من التميز التعليمي.
فحين ارتقت التلميذة خديجة بومليك، ابنة الثانوية الإعدادية الطلوح، إلى المنصة لتتسلّم لقب بطلة تحدي القراءة العربي على المستوى الوطني في نسخته العاشرة، لم تكن تمثّل نفسها وحدها، بل كانت تُتوِّج سنوات من الجهد الصامت والعمل الدؤوب الذي بذلته مديرية التعليم بالرحامنة في بناء جيل يقرأ، يفكر، ويتفوق.
لا يعرف قيمة هذه الجائزة إلا من خاض غمارها؛ فمسابقة “تحدي القراءة العربي” ليست اختباراً في حفظ المعلومات، بل امتحان عسير في عمق الفهم، وقوة التحليل، وسعة الأفق الثقافي. في هذه النسخة العاشرة، تنافس أزيد من 7 ملايين تلميذة وتلميذ، من أكثر من 17 ألف مؤسسة تعليمية و وحدة مدرسية، على امتداد ربوع المملكة، في أكبر تظاهرة قرائية تشهدها المدرسة المغربية. فأن تخرج بطلاً من هذا الزحام الأسطوري ليس حظاً عابراً، بل هو ثمرة يانعة لعقل متوقّد، وهمة لا تهدأ.
لهذا، حين أعلن وزير التربية الوطنية محمد سعد برادة، في حفل مهيب حضره القائم بالأعمال في سفارة الإمارات العربية المتحدة ثاني الرميثي، عن اسم التلميذة خديجة بومليك، ارتجّ قلب إقليم الرحامنة فرحاً. إذ لم يكن الأمر مجرد لقب وطني، بل تذكرة عبور نحو التصفيات النهائية بدبي في أكتوبر المقبل، لتحمل معها وهج الرحامنة إلى المستوى الدولي.
يحيى حمود.. حين تصبح الإعاقة جناحاً للتحليق
في مشهد يُربك اليقينيات ويُعيد صياغة مفهوم “القدرة”، نال التلميذ يحيى حمود، من إعدادية أحمد المنصور الذهبي، صنف ذوي الهمم فئة التوحد، المرتبة الثالثة وطنياً في مسابقة تحدي القراءة العربي.
هذا الإنجاز ليس رقماً في سجل النتائج، بل هو رسالة حضارية تُرسلها الرحامنة للمجتمع بأسره: إن التعليم الجيد لا يختار أبناءه، بل يرى في كل متعلم إمكانية لا حدود لها.
وهذا التتويج المزدوج يكشف عن رؤية استراتيجية راسخة في المديرية الإقليمية للرحامنة: رؤية تؤمن بأن الدمج التربوي لذوي الهمم ليس ترفاً فكرياً، بل هو واجب إنساني قبل أن يكون توجهاً تربوياً، وأن المجتمع لا يكتمل إلا بإشراك جميع أبنائه في بناء مستقبله.
التميز ليس صدفة.. بل منهج ونسق
قد يُخطئ من يظن أن ما حققته الرحامنة اليوم وليد الصدفة أو طفرة معزولة، بل إن المتأمل في مسيرة هذه المديرية يكتشف نسقاً صارماً من التميز يمتد عبر مجالات متعددة:
على صعيد الإبداع الأدبي، أحرزت التلميذة مارية المزلوزي المرتبة الأولى جهوياً في صنف الشعر الفصيح ضمن جائزة مولاي علي الشريف للإبداع، فيما نالت التلميذة فاطمة الزهراء بن إبراهيم المرتبة الثالثة. في شهادة على أن الرحامنة لا تصنع المتفوقين دراسياً فحسب، بل تُنشئ الشعراء والمبدعين.
وعلى ملاعب الرياضة المدرسية، خطف تلاميذ الثانوية التأهيلية الشهيد صالح السرغيني الأضواء في البطولة الجهوية لألعاب القوى، حاصدين ذهبيات في سباق 800 متر ودفع الجلة والوثب العالي، فضلاً عن ميداليات فضية وبرونزية في سباقات أخرى و المرتبة الثانية على الصعيد الوطني في الكرة الطائرة و كرة اليد.
أما على الصعيد البيئي، فقد رُفع اللواء الأخضر على مدرسة فرح كوم في يناير 2026، في اعتراف رسمي بانخراط الإقليم في منظومة التربية البيئية المستدامة.
هذا التنوع في مجالات التفوق هو ما يميز الرحامنة: مديرية لا تضع كل بيضها في سلة واحدة، بل تؤمن بأن لكل طفل موهبته وطريقه نحو التميز.
اليونسكو لم تُخطئ حين اختارت مدينة ابن جرير
لم يكن تصنيف مدينة ابن جرير ضمن شبكة “مدن التعلم” التابعة لليونسكو مجرد لافتة شرفية تُعلَّق على الجدران. كان اعترافاً دولياً بأن هذه المدينة تعيش تجربة تعليمية حقيقية، متجذرة في المجتمع، ومُعبِّرة عن فلسفة تُؤمن بأن التعلّم لا يتوقف عند أسوار المدرسة.
واليوم، حين تعود بنت الرحامنة بطلة وطنية في تحدي القراءة العربي، فإنها تُؤكد أن اليونسكو كانت موفقة في اختيارها، وأن ابن جرير جديرة فعلاً بلقب “مدينة التعلّم”.
خلف المشهد.. رجال أدّوا رسالتهم
لا تقوم النهضات التربوية في فراغ. وراء كل تلميذ متميز أطر تربوية صابرة، وخلف كل مديرية ناجحة قيادة محنّكة. يتجسّد ذلك في الدعم المتواصل الذي يولى للتربية والتعليم من طرف السيد عامل إقليم الرحامنة، الذي جعل من القطاع التعليمي أولوية في التنمية المحلية، مُدركاً أن الاستثمار في أبناء الإقليم اليوم هو رصيد لا ينضب للغد.
وإلى جانب ذلك، تتجلى بصمة المدير الإقليمي للتعليم بمديرية الرحامنة في كل هذه الإنجازات؛ رجل صنع من الهدوء منهجاً، ومن الاستراتيجية نبضاً يومياً. منذ تولّيه المسؤولية، أطلق انتعاشة تربوية ناعمة، كالماء الذي يشق الصخر لا بالعنف بل بالمثابرة، فإذا بالرحامنة تتحول شيئاً فشيئاً إلى نموذج يُحتذى به في تدبير الشأن التعليمي.
إنجازه الأعمق لم يكن في توجيه التعليمات، بل في زرع ثقافة التميز داخل كل مؤسسة، وجعل الأطر التربوية تؤمن بأن الاستثناء ممكن حتى في أشد السياقات تحدياً.
وختاما حين يتساءل أحدهم: أين يُصنع المستقبل؟ أشيروا إلى الرحامنة. فمسيرة الرحامنة التعليمية ليست رحلة استعراضية تنتهي بالتصوير والتصفيق. إنها مشروع أمة صغيرة قررت أن تأخذ مصيرها التعليمي بيدها.
وبينما يتساءل المراقبون عن سر هذه القفزة النوعية، يبقى الجواب الأبلغ في صورة واحدة: فتاة من الرحامنة، تحمل كتاباً، وتمشي نحو النور.
اليوم تمثّل خديجة بومليك المغرب أمام العالم في دبي.. وهنا يصبح سؤال المستقبل أكثر إلحاحاً وأكثر إشراقاً: إذا كان هذا ما تصنعه مدرسة عمومية في إقليم صامت.. فما الذي سيصنعه جيل بأكمله حين تُفتح له كل الأبواب؟.




